٦٦

{تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } : نهوا عن الاعتذار ، لأنها اعتذارات كاذبة فهي لا تنفع . قد كفرتم أظهرتم الكفر بعد إيمانكم أي : بعد إظهار إيمانكم ، لأنهم كانوا يسرُّون الكفر فأظهروه باستهزائهم ، وجاء التقسيم بالعفو عن طائفة ، والتعذيب لطائفة . وكان المنافقون صنفين : صنف أمر بجهادهم : { جاهد الكفار والمنافقين } وهم رؤساؤهم المعلنون بالأراجيف ، فعذبوا بإخراجهم من المسجد ، وانكشاف معظم أحوالهم . وصنف ضعفه مظهرون الإيمان وإن أبطنوا الكفر ، لم يؤذوا الرسول فعفى عنهم ، وهذا العذاب والعفو في الدنيا .

وقيل : المعفو عنها من علم اللّه أنهم سيخلصون من النفاق ويخلصون الإيمان ، والمعذبون من مات منهم على نفاقه .

وقيل : المعفو عنه رجل واحد اسمه مخشى بن حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء ، كان مع الذين قالوا :  { إنما كنا نخوض ونلعب }

وقيل : كان منافقاً ثم تاب توبة صحيحة .

وقيل : إنه كان مسلماً مخلصاً ، إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم ، فعفا اللّه عنه ، واستشهد باليمامة وقد كان تاب ، ويسمى عبد الرحمن ، فدعا اللّه أن يستشهدوا ويجهل أمره ، فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده .

وقرأ زيد بن ثابت ، وأبو عبد الرحمن ، وزيد بن علي ، وعاصم من السبعة : إن نعف بالنون ، نعذب بالنون طائفة . ولقيني شيخنا الأديب الحامل أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي بغرناطة فسألني قراءة من تقرأ اليوم على الشيخ أبي جعفر بن الطباغ ؟ فقلت : قراءة عاصم ، فأنشدني : لعاصم قراءة

لغيرها مخالفة

إن نعف عن طائفة

منكم نعذب طائفة

وقرأ باقي السبعة : إن تعف تعذب طائفة ، مبنياً للمفعول .

وقرأ الجحدري : أن يعف بعذب مبنياً للفاعل فيهما ، أي : أن يعف اللّه .

وقرأ مجاهد : أن تعف بالتاء مبنياً للمفعول ، تعذب مبنياً للمفعول بالتاء أيضاً .

قال ابن عطية : على تقدير إن تعف هذه الذنوب .

وقال الزمخشري : الوجه التذكير لأنّ المسند إليه الظرف كما تقول : سير بالدابة ، ولا تقول سيرت بالدابة ، ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل : إن ترحم طائفة فأنث لذلك ، وهو غريب . والجيد قراءة العامة إن تعف عن طائفة بالتذكير ، وتعذب طائفة بالتأنيث انتهى . مجرمين : مصرين على النفاق غير تائبين .

﴿ ٦٦