٦٩{كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } : هذا التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب . قال الفراء : التشبيه من جهة الفعل أي : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم فتكون الكاف في موضع نصب . وقال الزجاج : المعنى وعد كما وعد الذين من قبلكم ، فهو متعلق بوعد . و قال ابن عطية : وفي هذا قلق . وقال أبو البقاء : ويجوز أن تكون متعلقة بيستهزؤون ، وهذا فيه بعد . وقيل : في موضع رفع التقدير أنتم كالذين . والتشبيه وقع في الاستمتاع والخوض . وقوله : كانوا أشد ، تفسير لشبههم بهم ، وتمثيل لفعلهم بفعلهم . والخلاق : النصيب أي : ما قدر لهم . قال الزمخشري: { فإن قلت } : أي فائدة في قوله : فاستمتعوا بخلاقهم ، وقوله : كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم مغن عنه ، كما أغنى كالذي خاضوا ؟ { قلت} : فائدته أنْ قدم الأولين بالاستمتاع ما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائهم ، فشبهوا بهم الفانية عن النظر في العاقبة ، وطلب الفلاح في الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الراضي به ، ثم شبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم كما يريد أن ينبه بعض الظلمة على سماجة فعله فيقول : أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف ، وأنت تفعل مثل فعله . وأما وخضتم كالذي خاضوا فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك المقدمة انتهى . يعني : استغنى عن أن يكون التركيب ، وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا . قال ابن عطية : كانوا أشد منكم وأعظم فعصوا فهلكوا ، فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم والمعنى : عجلوا حظهم في دنياهم ، وتركوا باب الآخرة ، فاتبعتموهم أنتم انتهى . ولما ذكر تشبيههم بمن قبلهم وذكر ما كانوا فيه من شدة القوة وكثرة الأولاد ، واستمتاعهم بما قدّر لهم من الأنصباء ، شبه استمتاع المنافقين باستمتاع الذين من قبلهم ، وأبرزهم بالاسم الظاهر فقال : كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، ولم يكن التركيب كما استمتعوا بخلاقهم ليدل بذلك على التحقير ، لأنه كما يدل بإعادة الظاهر مكان المضمر على التفخيم والتعظيم ، كذلك بدل بإعادته على التحقير والتصغير لشأن المذكور كقوله تعالى : { سَوِيّاً ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيّاً } وكقوله :{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ولم يأت التركيب أنه كان ، ولا أنهم هم . وخضتم : أي دخلتم في اللّهو والباطل ، وهو مستعار من الخوض في الماء ، ولا يستعمل إلا في الباطل ، لأنّ التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام ، وأمور الباطل إنما هي خوض . ومنه : رب متخوض في مال اللّه له النار يوم القيامة . كالذي خاضوا : أي كالخوض الذي خاضوا قاله الفراء . وقيل : كالخوض الذين خاضوا . وقيل : النون محذوفة أي : كالذين خاضوا ، أي كخوض الذين . وقيل : الذي مع ما بعدها يسبك منهما مصدر أي : كخوضهم . والظاهر أنّ أولئك إشارة إلى الذين وصفهم بالشدّة وكثرة الأموال والأولاد ، والمعنى : وأنتم كذلك يحبط أعمالكم . قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بأولئك المنافقين المعاصرين لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون الخطاب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول . وقوله : في الدنيا ما يصيبهم في الدنيا من التعب وفساد أعمالهم ، وفي الآخرة نار لا تنفع ولا يقع عليها جزاء . ويقوي الإشارة بأولئك إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة { أَلَمْ يَأْتِهِمْ } فتأمله انتهى . وقال الزمخشر : حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، نقيض قوله تعالى :{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} |
﴿ ٦٩ ﴾