١٠٨وقرأ أهل المدينة : نافع ، وأبو جعفر ، وشيبة ، وغيرهم ، وابن عامر : الذين بغير واو ، كذا هي في مصاحف المدينة والشام ، فاحتمل أن يكون بدلاً من قوله : وآخرون مرجون ، وأن يكون خبر ابتداء تقديره : هم الذين ، وأن يكون مبتدأ . وقال الكسائي : الخبر لا تقم فيه أبد . قال ابن عطية : ويتجه بإضمار إما في أول الآية ، وإما في آخرها بتقدير لا تقم في مسجدهم . وقال النحاس والحوفي : الخبر لا يزال بنيانهم . وقال المهدوي : الخبر محذوف تقديره معذبون أو نحوه . وقرأ جمهور القراء : والذين بالواو وعطفاً على وآخرون أي : ومنهم الذين اتخذوا ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره كخبر بغير الواو إذا أعرب مبتدأ . وقال الزمخشري: { فإن قلت } : والذين اتخذوا ما محله من الإعراب ؟ { قلت} : محله النصب على الاختصاص كقوله تعالى : { وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَواةَ } وقيل : هو مبتدأ وخبره محذوف ، معناه فيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله تعالى :{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } وانتصب ضراراً على أنه مفعول من أجله أي : مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ، ومعازّة وكفراً وتقوية للنفاق ، وتفريقاً بين المؤمنين ، لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فيغتص بهم ، فأرادوا أنْ يفترقوا عنه وتختلفم كلمتهم ، إذ كان من يجاوز مسجدهم يصرفونه إليه ، وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان . ويجوز أن ينتصب على أنه مصدر في موع الحال . وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولاً ثانياً لاتخذوا ، وإرصاداً أي : إعداداً لأجل من حارب اللّه ورسوله وهو أبو عامر الراهب أعدوه له ليصلي فيه ، ويظهر علي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد تعبد في الجاهلية فسمى الراهب ، وسماه الرسول صلى اللّه عليه وسلم الفاسق ، وكان سيداً في قومه نظيراً وقريباً من عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فلما جاء اللّه بالإسلام نافق ولم يزل مجاهراً بذلك ، وقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد محاورة : { لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم } فلم يزل يقاتله وحزب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأحزاب ، فلما ردهم اللّه بغيظهم أقام بمكة مظهراً للعداوة ، فلما كان الفتح هرب إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف هرب إلى الشام يريد قيصر مستنصراً على الرسول ، فمات وحيداً طريداً غريباً بقنسرين ، وكان قد دعا بذلك على الكافرين وأمّن الرسول ، فكان كما دعا ، وفيه يقول كعب بن مالك : معاذ اللّه من فعل خبيث كسعيك في العشيرة عبد عمرو وقلت بأن لي شرفاً وذكرا فقد تابعت إيماناً بكفر وقرأ الأعمش : وإرصاداً للذين حاربوا اللّه ورسوله ، والظاهر أنّ من قبل متعلقاً بحارب ، يريد في غزوة الأحزاب وغيرها ، أي : من قبل اتخاذ هذا المسجد . وقال الزمخشري: { فإن قلت } : بم يتصل قوله تعالى : من قبل ؟ { قلت} : باتخذوا أي : اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف انتهى . وليس بظاهر ، والخالف هو الذي لايخرج أي للغزو : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الحسنى والتوسعة علينا وعلى من ضعف أو عجز عن المسير إلى مسجد قباء . قال الزمخشري : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى ، أو لإرادة الحسنى وهي الصلاة وذكر اللّه تعالى والتوسع على المصلين انتهى . كأنه في قوله : إلا الخصلة الحسنى جعله مفعولاً ، وفي قوله :أو لإرادة الحسنى جعله عله ، وكأنه ضمن أراد معنى قصد أي : ما قصدنا ببنائه لشيء من الأشياء إلا لإرادة الحسنى وهي الصلاة ، وهذا وجه متكلف ، فأكذبهم اللّه في قولهم ، ونهاه أن يقوم فيه فقال : لا تقم فيه أبداً نهاه لأن بناته كانوا خادعوا الرسول ، فهمَّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالمشي معهم ، واستدعى قميصه لينهض فنزلت : لا تقم فيه أبداً ، وعبَّر بالقيام عن الصلاة فيه . قال ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين : المؤسس على التقوى مسجد قباء ، أسسه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء ، وهي : يوم الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخيمس ، وخرج يوم الجمعة ، وهو أولى لأنّ الموازنة بين مسجد قباء ومسجد الضرار أوقع منها بين مسجد الرسول ومسجد الضرار ، وذلك لائق بالقصة . وعن زيد بن ثابت ، وأبي سعيد ، وابن عمر : أنه مسجد الرسول . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : { هو مسجدي هذا } لم اسئل عن المسجد الذي أسس على التقوى . وإذا صحّ هذا النقل لم يمكن خلافه ، ومن هنا دخلت على الزمان ، واستدل بذلك الكوفيون على أنّ من تكون لابتداء الغاية في الزمان ، وتأوله البصريون على حذف مضاف أي : من تأسيس أول يوم ، لأنّ من مذهبهم أنها لا تجر الأزمان ، وتحقيق ذلك في علم النحو . قال ابن عطية : ويحسن عندي أن يستغني عن تقدير ، وأن تكون من تجر لفظة أول لأنها بمعنى البداءة ، كأنه قال : من مبتدأ الأيام ، وقد حكى لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو انتهى . وأحق بمعنى حقيق ، وليست أفعل تفضيل ، إذ لا اشتراك بين المسجدين في الحق ، والتاء في أن تقوم تاء خطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم. وقرأ عبد اللّه بن يزيد : فيه بكسر الهاء فيه الثانية بضم الهاء جمع بين اللغتين ، والأصل الضم ، وفيه رفع توهم التوكيد ، ورفع رجال فيقوم إذ فيه الأولى في موضع نصب ، والثانية في موضع رفع . وجوزوا في فيه رجال أن يكون صفة لمسجد ، ولحال ، والاستئناف . وفي الحديث قال لهم : { يا معشر الأنصار رأيت اللّه أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون } ؟ قالوا : يا رسول اللّه إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء يريدون الاستنجاء بالماء ففعلنا ذلك ، فلما جاء الإسلام لم ندعه فقال : { فلا تدعوه إذاً } وفي بعض ألفاظ هذا الحديث زيادة واختلاف . وقد اختلف أهل العلم في الاستنجاء بالحجارة أو بالماء أيهما أفضل ؟ ورأت فرقة الجمع بينهما ، وشذ ابن حبيب فقال : لا يستنجى بالحجارة حيث يوجد الماء ، فعلى ما روي في هذا الحديث يكون التطهير عبارة عن استعمال الماء في إزالة النجاسة في الاستنجاء . وقيل : هو عام في النجاسات كلها . وقال الحسن : من التطهير من الذنوب بالتوبة . وقيل : يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة للذنوب ، فحموا عن آخرهم . وفي دلائل النبوة للبيهقي . أن أهل قباء شكوا الحمى فقال { إن شئتم دعوت اللّه فأزالها عنكم ، وإن شئتم جعلتها لكم طهرة} فقالوا : بل اجعلها لنا طهرة . ومعنى محبتهم التطهير أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب الشيء المشتهى له على أشياء ، ومحبة اللّه إياهم أنه يحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه . وقرأ ابن مصرف والأعمش : يطهروا بالإدغام ، وقرأ ابن أبي طالب المتطهرين . |
﴿ ١٠٨ ﴾