١١٢{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الركِعُونَ السَّاجِدونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّه وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ } : قال ابن عباس : لما نزل أنّ اللّه اشترى من المؤمنين الآية قال رجل : يا رسول اللّه وإن زنا ، وإن سرق ، وإن شرب الخمر : فنزلت التائبون الآية . وهذه أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها اللّه تعالى ليستبق إلى التحلي بها عباده ، وليكونوا على أوفى درجات الكمال . وآية أنّ اللّه اشترى مستقلة بنفسها ، لم يشترط فيها شيء سوى الإيمان ، فيندرج فيها كل مؤمن قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، وإن لم تكن فيه هذه الصفات . والشهادة ماحية لكل ذنب ، حتى روي أنه تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه . وقالت فرقة : هذه الصفات شرط في المجاهد . والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الصفات شرط في المجاهد . والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ، ويبذلون أنفسهم في سبيل اللّه . وسأل الضحاك رجل عن قوله تعالى :{ إِنَّ اللّه اشْتَرَى } الآية وقال : لأحملن على المشركين فأقاتل حتى أقتل ، فقال الضحاك : ويلك أين الشرط التائبون العابدون الآية ؟ وهذا القول فيه حرج وتضييق ، وعلى هذين القولين نرتب إعراب التائبون ، فقيل : هو مبتدأ خبره مذكور وهو العابدون ، وما بعده خبر بعد خبر أي : التائبون في الحقيقة الجامعون لهذه الخصال . وقيل : خبره الآمرون . وقيل : خبره محذوف بعد تمام الأوصاف ، وتقديره : من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهد قاله الزجاج كما قال تعالى :{ وَكُلاًّ وَعَدَ اللّه الْحُسْنَى } ولذلك جاء :{ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ } وعلى هذه الأعاريب تكون الآية معناها منفصل من معنى التي قبلها . وقيل : التائبون خبر مبتدأ محذوف تقديره هم التائبون ، أي الذين بايعوا اللّه هم التائبون ، فيكون صفة مقطوعة للمدح ، ويؤيده قراءة أبي وعبد اللّه والأعمش : التايبين بالياء إلى والحافظين نصباً على المدح . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون صفة للمؤمنين ، وقاله أيضاً : ابن عطية . وقيل : يجوز أن يكون التائبون بدلاً من الضمير في يقاتلون . قال ابن عباس : التائبون من الشرك . وقال الحسن : من الشرك والنفاق . وقيل : عن كل معصية . وعن ابن عباس : العابدون بالصلاة . وعنه أيضاً المطيعون بالعبادة ، وعن الحسن : هم الذين عبدوا اللّه في السراء والضراء . وعن ابن جبير : الموحدونن لسائحون . قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : الصائمون شبهوا بالسائحين في الأرض ، لامتناعهم من شهواتهم . وعن عائشة : سياحة هذه الأمة الصيام ، ورواه أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. قال الأزهري : قيل : للصائم سائح ، لأن الذي يسيح في الأرض متعبد لا زاد معه ، كان ممسكاً عن الأكل والصائم ، ممسك عن الأكل . وقال عطاء : السائحون المجاهدون . وعن أبي أمامة : أنّ رجلاً استأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السياحة فقال : { إنّ سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه } صححه أبو محمد عبد الحق . وقيل : المراد السياحة في الأرض . فقيل : هم المهاجرون من مكة إلى المدينة . وقيل : المسافرون لطلب الحديث والعلم . وقيل : المسافرون في الأرض لينظروا ما فيها من آيات اللّه ، وغرائب ملكه نظر اعتبار . وقيل : الجائلون بأفكارهم في قدرة اللّه وملكوته . والصفات إذا تكررت وكانت للمدح أو الذم أو الترحم جاز فيها الاتباع للمنعوت والقطع في كلها أو بعضها ، وإذا تباين ما بين الوصفين جاز العطف . ولما كان الأمر مبايناً للنهي ، إذ الأمر طلب فعل والنهي ترك فعل ، حسن العطف في قوله : والناهون ودعوى الزيادة ، أو واو الثمانية ضعيف . وترتيب هذه الصفات في غاية من الحسن ، إذا بدأ أولاً بما يخص الإنسان مرتبة على ما سعى ، ثم بما يتعدى من هذه الأوصاف من الإنسان لغيره وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم بما شمل ما يخصه في نفسه وما يتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود اللّه . ولما ذكر تعالى مجموع هذه الأوصاف أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يبشر المؤمنين . وفي الآية قبلها فاستبشروا أمرهم بالاستبشار ، فحصلت لهم المزية التامة بأن اللّه أمرهم بالاستبشار ، وأمر رسوله أن يبشرهم . |
﴿ ١١٢ ﴾