١١٤

{مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ } : قال الجمهور : ومداره على ابن المسيب ، والزهري ، وعمرو بن دينار ، نزلت في شأن أبي طالب حين احتضر فوعظه وقال : { أي عمّ قل لا إله إلا للّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه } وكان بالحضرة أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية فقالا له : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال أبو طالب : يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لا قررت بها عينك ، ثم قال : أنا على ملة عبد المطلب ، ومات فنزلت : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { لأستغفرن لك ما لم أنه عنك } فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية ، فترك الاستغفار لأبي طالب . وروي أن المؤمنين لما رأوه يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم ، فلذلك ذكروا في قوله : ما كان للنبي والذين

آمنوا .

وقال فضيل بن عطية وغيره : لما فتح مكة أتى قبر أمه ووقف عليه حتى سخنت عليه الشمس ، وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار فلم يؤذن له ، فأخبر أنه أذن له في زيارة قبرها ومنع أن يستغفر لها ، ونزلت الآية وقالت فرقة : نزلت بسبب قوله صلى اللّه عليه وسلم : { وَاللّه }

وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما : بسبب جماعة من المؤمنين قالوا : نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه . وتضمن قوله ما كان للنبي الآية النهي عن الاستغفار لهم على أي حال كانوا ، ولو في حال كونهم أولى قربى . فقوله : ولو كانوا جملة معطوفة على حال مقدرة ، وتقدم لنا الكلام على مثل هذا التركيب أنّ ولو تأتي لاستقصاء ما لولاها لم يكن ليدخل فيما قبلها ما بعدها . ودلت الآية على المبالغة في إظهار البراءة عن المشركين والمنافقين والمنع من مواصلتهم ولو كانوا في غاية القرب ، ونبه على الوصف الشريف من النبوة والإيمان ، وأنه مناف للاستغفار لمن مات على ضده وهو الشرك باللّه . ومعنى من بعد ما تبين أي : وضح لهم أنهم أصحاب الجحيم لموافاتهم على الشرك ، والتبين هو بإخبار اللّه تعالى { أَمْرُ اللّه مَفْعُولاً إِنَّ اللّه لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } والظاهر أنّ الاستغفار هنا هو طلب المغفرة ، وبه تظافرت أسباب النزول . وقال عطاء بن أبي رباح : الآية في النهي عن الصلاة على المشركين ، والاستغفار هنا يراد به الصلاة . قالوا : والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه ، ومن هذا قول أبي هريرة : رحم اللّه رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه ، قيل له : ولأبيه ؟ قال : لا لأنْ أبي مات كافراً ، فإن ورد نص من اللّه على أحد إنه من أهل النار وهو حي كأبي لهب امتنع الاستغفار له ، فتبين كينونة المشرك أنه من أصحاب الجحيم تمويه على الشرك وبنص اللّه عليه وهي حي ، أنه من أهل النار . ويدخل على جواز الاستغفار للكفار إذا كانوا أحياء ، لأنه يرجى إسلامهم ما حكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عن نبي قبله شجه قومه ، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال : { اللّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون} .

ولما كان استغفار إبراهيم لأبيه بصدد أن يقتدى به ، ولذلك قال جماعة من المؤمنين : نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه ، بين العلة في استغفار إبراهيم لأبيه ، وذكر أنه حين اتضحت له عداوته للّه تبرأ منه إبراهيم . والموعدة التي وعدها إبراهيم أباه هي قوله :{ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } وقوله :{ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} والضمير الفاعل في وعدها عائد على إبراهيم ، وكان أبوه بقيد الحياة ، فكان يرجو إيمانه ، فلما تبين له من جهة الوحي من اللّه أنه عدوّ للّه وأنه يموت كافراً وانقطع رجاؤه منه ، تبرأ منه وقطع استغفاره . ويدل على أن الفاعل في وعد ضمير يعود على إبراهيم : قراءة الحسن ، وحماد الراوية ، وابن السميقع ، وأبي نهيك ، ومعاذ القارىء ، وعدها أباه .

وقيل : لفاعل ضمير والد إبراهيم ، وإياه ضمير إبراهيم ، وعده أبوه أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه ، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه .

وقرأ طلحة : وما استغفر إبراهيم ، وعنه وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال . والذي يظهر أنّ استغفار إبراهيم لأبيه كان في حالة الدنيا . ألا ترى إلى قوله :{ وَاغْفِرْ لاِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالّينَ } وقوله :{ رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِوالِدَىَّ } ويضعف ما قاله ابن جبير : من أن هذا كله يوم القيامة ، وذلك أنّ إبراهيم يلقى أباه فيعرفه ويتذكر قوله : سأستغفر لك ربي ، فقول له : إلزم حقوى فلن أدعك اليوم لشيء ، فيدعه حتى يأتي الصراط ، فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعاناً ، فيتبرأ منه حينئذ انتهى ما قاله ابن جير ، ولا يظهر ربطه بالآخرة .

قال الزمخشري: { فإن قلت } : خفي على إبراهيم عليه السلام أنّ الاستغفار للكافر غير جائز حتى وعده . { قلت} : يجوز أن يظن أنه ما دام يرجى له الإيمان جاز الاستغفار له على أنّ امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي ، لأن العقل يجوز أن يغفر اللّه للكافر . ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم { لأستغفرن لك ما لم أنه عنك } وعن الحسن قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ فلاناً يستغفر لآبائه المشركين فقال :  { ونحن نستغفر لهم } وعن علي رضي اللّه عنه : رأيت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له : فقال : أليس قد استغفر إبراهيم انتهى ؟ وقوله : لأنّ العقل يجوز أن يغفر اللّه للكافر رجوع إلى قول أهل السنة .

والأوّاه : الدعاء ، أو

المؤمن ، أو الفقيه ، أو الرحيم ، أو المؤمن التواب ، أو المسيح ، أو الكثير الذكر له ، أو التلاء لكتاب اللّه ، أو القائل من خوف اللّه ، أواه المكثر ذلك ، أو الجامع المتضرع ، أو المؤمن بالحبشية ، أو المعلم للخير ، أو الموفى ، أو المستغفر عند ذكر الخطايا ، أو الشفيق ، أو الراجع عن كل ما يكرهه اللّه ، أقوال للسلف ، وقد ذكرنا مدلوله في اللغة في المفردات .

وقال الزمخشري : أوّاه فقال : من أوّه كلأل من اللؤلؤ ، وهو الذي يكثر التأوه ، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه . وقوله : لأرجمنك انتهى . وتشبيه أوّاه من أوّه بلال من اللؤلؤ ليس بجيد ، لأنّ مادة أوّه موجودة في صورة أوّاه ، ومادة لؤلؤة مفقودة في لأل لاختلاف التركيب ، إذ لال ثلاثي ، ولؤلؤ رباعي ، وشرط الاشتقاق التوفق في الحروف الأصلية . وفسروا الحليم هنا بالصافح عن الذنب الصابر على الأذى ، وبالصبور ، وبالعاقل ، وبالسيد ، وبالرقيق القلب الشديد العطف .

﴿ ١١٤