١١٦

{وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّه بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ إِنَّ } : مات قوم كان عملهم على الأمر

الأول : كاستقبال بيت المقدس ، وشرب الخمر ، فسأل قوم الرسول بعد مجيء النسخ ونزول الفرائض عن ذلك فنزلت . وقال الكرماني : أسلم قوم من الأعراب فعملوا بما شاهدوا الرسول يفعله من الصلاة إلى بيت المقدس ، وصيام لأيام البيض ، ثم قدموا عليه فوجوده يصلي إلى الكعبة ويصوم رمضان ، فقالوا : يا رسول اللّه دنا بعدك بالضلال ، إنك على أمرٍ وأنا على غيره فنزلت .

وقيل : خاف بعض المؤمنين من الاستغفار للمشركين دون إذن من اللّه فنزلت الآية مؤنسة أي : ما كان اللّه بعد أن هدى للإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمقارفتهم ذنباً لم يتقدم منه نهى عنه . فأما إذ بين لهم ما يتقون من الأمر ، ويتجنبون من الأشياء ، فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة .

وقال الزمخشري : يعني ما أمر اللّه باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه ، وبين أنه محظور ، ولا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ، ولا يسميهم ضلالاً ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم ، وعلمه بأنه واجب الاتقاء والاجتناب ،

وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم ، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم . وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي في هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها ، وهي أنّ المهدي للإسلام إذا أقبل على بعض محظورات اللّه داخل في حكم الضلال ، والمراد بما بتقون ما يجب اتقاؤه للنهي . فأما ما يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فغير موقوف على التوقيف انتهى . وفي هذا الأخير من كلامه

وفي قوله : قبل في تفسير ليضل ولا يسميهم ضلالاً ولا يخذلهم دسيسة الاعتزال ، وفي كلامه إسهاب ، وهو بسط ما قال مجاهد ، قال : ما كان ليضلكم بالاستغفار للمشركين بعد إذ هداكم للإيمان حتى يتقدم بالنهي عن ذلك ، وبينه لكم فتتقوه انتهى . وتقدم في أسباب النزول ما يشرح به الآية من سؤالهم عمن مات ، وقد صلى إلى بيت المقدس ، وشرب الخمر ، ومن قصة الأعراب .

والذي يظهر في مناسبة هذه الآية لما قبلها وفي شرحها : أنه تعالى لما بين أنه لا يستغفر للمشركين ولو كانوا أولي قربى ، كان في هذه الآية وفي التي بعدها تباين ما بين القرابة حتى منعوا من الاستغفار لهم ، فمنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الاستغفار لعمه أبي طالب وهو الذي تولى تربيته ونصره وحفظه إلى أن مات ، ومنع إبراهيم من الاستغفار لأبيه وهو أصل نشأته ومربيه ، وكذلك منع المسلمون من الاستغفار للمشركين أقرباء وغير أقرباء

فكأنه قيل : لا تعجب لتباين هؤلاء ، هذا خليل اللّه ، وهذا حبيب اللّه ، والأقرباء المختصون بهم المشركون أعداء اللّه ، فإضلال هؤلاء لم يكن إلا بعد أن أرشدهم اللّه إلى طريق الحق بما ركز فيهم من حجج العقول التي أغفلوها ، وتبيين ما يتقون بطريق الوحي ، فتظافرت عليهم الحجج العقلية والسمعية ، ومع ذلك لم يؤمنوا ولم يتبعوا ما جاءت الرسل به عن اللّه تعالى ، ولذلك ختمها بقوله : إن اللّه بكل شيء عليم ، فيضل من يشاء ويختص بالهداية من يشاء .

فالمعنى : وما كان اللّه ليديم إضلال قوم أرشدهم إلى الهدى حتى يبين لهم ما يتقونه أي : يجتنبونه فلا يجدي ذلك فيهم ، فحنيئذ يدوم إضلالهم . ولما ذكر تعالى علمه بكل شيء ، فهو يعلم ما يصلح لكل أحد ، وما هيىء له في سابق الأزل ، ذكر ما دل على القدرة الباهرة من أنه له ملك السموات والأرض ، فيتصرف في عباده بما شاء ، ثم ذكر من أعظم تصرفاته الأحياء والإماتة أي : الإيجاد والإعدام . وتفسير الطبري هنا قوله : يحيي ويميت ، بأنه إشارة إلى أنه يجب للمؤمنين أن لا يجزعوا من عدو وإن كثر ، ولا يهابوا أحداً فإنّ الموت المخوف ، والحياة المحتومة إنما هي بيد اللّه ، غير مناسب هنا وإن كان في نفسه قولاً صحيحاً . وتقدم شرح قوله : { وَمَا لَكُم مّن دُونِ اللّه مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } في البقرة .

﴿ ١١٦