١١٨

{لَقَدْ تَابَ اللّه عَلَى النَّبِىّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ } : لما تقدم الكلام في أحوال المنافقين من تخلفهم عن غزوة تبوك ، واستطرد إلى تقسيم المنافقين إلى أعراب وغيرهم ، وذكر ما فعلوا من مسجد الضرار ، وذكر مبايعة المؤمنين اللّه في الجهاد وأثنى عليهم ، وأنه ينبغي أن يباينوا المشركين حتى الذين ماتوا منهم بترك الاستغفار لهم ، عاد إلى ذكر ما بقي من أحوال غزوة تبوك ، وهذه شنشنة كلام العرب يشرعون في شيء ثم يذكرون بعده أشياء مناسبة ويطيلون فيها ، ثم يعودون إلى ذلك الشيء الذي كانوا شرعوا فيه .

قال ابن عطية : التوبة من اللّه رجوعه لعبده من حالة إلى حالة أرفع منه ، وقد يكون في الأكثر رجوعاً عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة ، وقد يكون رجوعاً من حالة طاعة إلى أكمل منها . وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه رجع به من حالة قبل تحصيل الغزوة وتحمل مشاقها ، إلى حاله بعد ذلك أكمل منها .

وأما توبته على المهاجرين والأنصار فحالها معرضة لأنْ تكون من نقصان إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين ،

وأما توبته على الفريق فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضا .

وقال الزمخشري : تاب اللّه على النبي كقوله تعالى :{ لّيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } وهو بعث للمؤمنين على التوبة ، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار ، حتى النبي والمهاجرون والأنصار ، وإبانة الفضل التوبة ومقدارها عند اللّه تعالى ، وأنّ صفة الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين لتظهر فضيلة الصلاح .

وقيل : معناه تاب اللّه عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه لقوله تعالى :{ عَفَا اللّه عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } انتهى .

وقيل : لا يبعد إن صدر عن المهاجرين والأنصار أنواع من المخالفات ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى ذكرهم تنبيهاً على عظم مراتبهم في قبول التوبة . اتبعوه : أي اتبعوا أمره ، فهو من مجاز الحذف . ويجوز أن يكون هو ابتدأ بالخروج ، وخرجوا بعده فيكون الاتباع حقيقة ساعة العسرة أي : في وقت العسرة ، والتباعة مستعارة للزمان المطلق ، كما استعاروا الغداة والعشية واليوم . قال : غداة طفت علماء بكر بن وائل

سقط : وقال آخر

عشية قارعنا جذام وحميرا

وآخر :

إذا جاء يوماً وارثي يبتغي الغنى

وهي غزوة تبوك كانت تسمى غزوة العسرة ، ويجوز أن يريد بساعة العسرة الساعة التي وقع فيها عزمهم وانقيادهم لتحمل المشقة ، إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة ، وبها وفيها يقع الأجر على اللّه وترتبط النية ، فمن اعتزم على الغزو وهو معسر فقد أنفع في ساعة عسرة ، ولو اتفق أن يطرأ لهم غنى في سائر سفرهم لما اختل كونهم متبعين في ساعة العسرة . والعسرة : الضيق والشدة والعدم ، وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { من جهز جيش العسرة فله الجنة } فجهزه عثمان بن عفان بألف جمل وألف دينار . وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلب الدنانير بيده وقال :  { وما على عثمان ما عمل بعد هذا } وجاء أنصاري بسبعمائة وسق من بر . وقال مجاهد ، وقتادة ، والحسن : بلغت العسرة بهم إلى أن كان العشرة منهم يعتقبون على بعير واحد من قلة الظهر ، وإلى أن قسموا التمرة بين الرجلين ، وكان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمصها أحدهم ويشرب عليها الماء ، ثم يفعل بها كلهم ذلك . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ينحرون الإبل ويشربون ما في كروشها من الماء ، ويعصرون الفرث حتى استسقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرفع يديه يدعو ، فما رجعها حتى انسكبت سحابة ، فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا ، فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر . وفي هذه الغزوة هموا من المجاعة بنحر الإبل ، فأمر بجمع فضل أزوادهم حتى اجتمع منه على النطع شيء يسير ، فدعا فيه بالبركة ثم قال :  { خذوا في أوعيتكم فملأوها حتى لم يبق وعاء } وأكل القوم كلهم حتى شبعوا ، وفضلت فضلة . وكان الجيش ثلاثين ألفاً وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيها خلف علياً بالمدينة . وقال المنافقون خلفه بغضاً له ، فأخبره بقولهم فقال :  { أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى } ؟ ووصل صلى اللّه عليه وسلم إلى أوائل بلاد العدو ، وبث السرايا ، فصالحه أهل أذرح وأيلة وغيرهما على الجزية وانصرف .

{يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ } قال الحسن : همت فرقة بالانصراف لما لقوا من المشقة .

وقيل : زيغها كان بظنون لها ساءت في معنى عزم الرسول على تلك الغزوة ، لما رأته من شدّة العسرة وقلة الوفر ، وبعد الشقة ، وقوة العدو المقصود .

وقال ابن عباس : تزيغ ، تعدل عن الحق في المبايعة . وكاد تدل على القرب ، لا على التلبس بالزيغ .

وقرأ حمزة وحفص : يزيغ بالياء ، فتعين أن يكون في كاد ضمير الشأن ، وارتفاع قلوب بتزيغ لامتناع أن يكون قلوب اسم كاد وتزيغ في موضع الخبر ، لأنّ النية به التأخير . ولا يجوز من بعد ما كاد قلوب يزيغ بالياء .

وقرأ باقي السبعة : بالتاء ، فاحتمل أن يكون قلوب اسم كاد ، وتزيغ الخبر وسط بينهما ، كما فعل ذلك بكان . قال أبو علي : ولا يجوز ذلك في عسى ، واحتمل أن يكون فاعل كاد ضمير يعود على الجمع الذي يقتضيه ذكر المهاجرين والأنصار ، أي من بعد ما كاد هو أي : الجمع . وقد قدر المرفوع بكاد باسم ظاهر

وهو القوم ابن عطية وأبو البقاء ، كأنه قال : من بعد ما كاد القوم . وعلى كل واحد من هذه الأعاريب الثلاثة إشكال على ما تقرّر في علم النحو : من أنّ خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا مضارعاً رافعاً ضمير اسمها . فبعضهم أطلق ، وبعضهم قيد بغير عسى من أفعال المقاربة ، ولا يكون سبباً ، وذلك بخلاف كان . فإنّ خبرها يرفع الضمير ، والسبي لاسم كاد ، فإذا قدّرنا فيها ضمير الشأن كانت الجملة في موضع نصب على الخبر ، والمرفوع ليس ضميراً يعود على اسم كادبل ولا سبباً له ، وهذا يلزم في قراءة الياء أيضاً .

وأما توسيط الخبر فهو مبني على جواز مثل هذا التركيب في مثل كان : يقوم زيد ، وفيه خلاف ، والصحيح المنع .

وأما توجيه الآخر فضعيف جداً من حيث أضمر في كاد ضمير ليس له على من يعود إلا بتوهم ، ومن حيث يكون خبر كاد واقعاً سببياً ، ويخلص من هذه الإشكالات اعتقاد كون كاد زائدة ، ومعناها مراد ، لا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر ، فتكون مثل كان إذا زيدت ، يراد معناها ولا عمل لها . ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن مسعود : من بعد ما زاغت ، بإسقاط كاد . وقد ذهب الكوفيون إلا زيادتها في قوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مع تأثيرها للعامل ، وعملها هي . فأحرى أن يدعي زيادتها ، وهي ليست عاملة ولا معمولة .

وقرأ الأعمش والجحدري : تزيغ برفع التاء .

وقرأ أبي : من بعد ما كادت تزيغ ثم تاب عليهم ، الضمير في عليهم عائد على الأولين ، أو على الفريق فالجملة كرّرت تأكيداً . أو يراد بالأول إنشاء التوبة ، وبالثاني استدامتها . أو لأنه لما ذكر أنّ فريقاً منهم كادت قلوبهم تزيغ نص على التوبة ثانياً رفعاً لتوهم أنهم مسكوت عنهم في التوبة ، ثم ذكر سبب التوبة وهو رأفته بهم ورحمته لهم . والثلاثة الذين خلفوا تقدمت أسماؤهم ، ومعنى خلفوا عن الغزو غزو تبوك قاله : قتادة . أو خلفوا عن أبي لبابة وأصحابه ، حيث تيب عليهم بعد التوبة على أبي لبابة وأصحابه إرجاء أمرهم خمسين يوماً ثم قبل توبتهم . وقد ردّ تأويل قتادة كعب بن مالك بنفسه فقال : معنى خلفوا تركوا عن قبول العذر ، وليس بتخلفنا عن الغزو .

وقرأ الجمهور : خلفوا بتشديد اللام مبنياً للمفعول .

وقرأ أبو مالك كذلك وخفف اللام .

وقرأ عكرمة بن هارون المخزومي ، وذر ابن حبيش ، وعمرو بن عبيد ، ومعاذ القاري ، وحميد : بتخفيف اللام مبنياً للفاعل ، ورويت عن أبي عمرو أي : خلفوا الغازين بالمدينة ، أو فسدوا من الخالفة .

وقرأ أبو العالية أبو الجوزاء كذلك مشدَّد اللام .

وقرأ أبو زيد ، وأبو مجلز ، والشعبي ، وابن يعمر ، وعلي بن الحسين ، وابناه زيد ، ومحمد الباقر ، وابنه جعفر الصادق : خالفوا بألف أي : لم يوافقوا على الغزو . وقال الباقر : ولو خلفوا لم يكن لهم .

وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين ، ولعله قرأ كذلك على سبيل التفسير ، لأنها قراءة مخالفة لسواد المصحف . حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت تقدم تفسير نظيرها في هذه السورة في قصة حنين . وضاقت عليهم أنفسهم استعارة ، لأن الهم والغم ملأها بحيث لا يسعها أنس ولا سرور ، وخرجت عن فرط الوحشة والغم ، وظنوا أي : علموا . قاله الزمخشري . و

قال ابن عطية : أيقنوا ، كما قالوا في قول الشاعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدحج

سراتهم في الفارسي المسرّد

وقال قوم : الظن هنا على بابه من ترجيح أحد الجائزين ، لأنه وقف أمرهم على الوحي ولم يكونوا قاطعين بأنه ينزل في شأنهم قرآن ، أو كانوا قاطعين لكنهم يجوزون تطويل المدة في بقائهم في الشدة ، فالظن عاد إلى تجويز تلك المدة قصيرة . وجاءت هذه الجمل في كنف إذاً في غاية الحسن والترتيب ، فذكر أولاً ضيق الأرض عليهم وهو كناية عن استيحاشهم ، ونبوة الناس عن كلامهم . وثانياً وضاقت عليهم أنفسهم وهو كناية عن تواتر الهم ، والغم على قلوبهم ، حتى لم يكن فيها شيء من الانشراح والاتساع ، فذكر أولاً ضيق المحل ، ثم ثانياً ضيق الحال فيه ، لأنه قد يضيق المحل وتكون النفس منشرحة .

سم الخياط مع المحبوب ميدان . ثم ثالثاً لما يئسوا من الخللق عذقوا أمورهم باللّه وانقطعوا إليه ، وعلموا أنه لا يخلص من الشدة ولا يفرجها إلا هو تعالى { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } وإذاً إنْ كانت شرطية فجوابها محذوف تقديره : تاب عليهم ، ويكون قوله : ثم تاب عليهم ، نظير قوله : ثم تاب عليهم ، بعد قوله { لَقَدْ تَابَ اللّه عَلَى النَّبِىّ } الآية . ودعوى أنّ ثم زائدة وجواب إذا ما بعد ثم بعيد جداً ، وغير ثابت من لسان العرب زيادة ثم . ومن زعم أنّ إذا بعد حتى قد تجرد من الشرط وتبقى لمجرد الوقت فلا تحتاج إلى جواب بل تكون غاية للفعل الذي قبلها وهو قوله : خلفوا أي : خلفوا إلى هذا الوقت ، ثم تاب عليهم ليتوبوا ، ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة أخرى ليستقيموا على توبتهم وينيبوا ، أو ليتوبوا أيضاً فيما يستقبل إن فرطت منهم خطيئة علماً منهم أنّ اللّه ثواب على من تاب ، ولو عاد في اليوم مائة مرة .

وقيل : معنى ليتوبوا ليدوموا على التوبة ولا يراجعوا ما يبطلها .

وقيل : ليتوبوا ، ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم من الاختلاط بالمؤمنين ، وتستكن نفوسهم عند ذلك .

قال ابن عطية : وقوله : ثم تاب عليهم ليتوبوا ، لمّا كان هذا القول في تعديد نعمه بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن اللّه تعالى ليكون ذلك منبّهاً على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره ، ولو كان القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب كما

قال تعالى :{ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللّه قُلُوبَهُمْ } ليكون هذا أشد تقريراً للذنب عليهم ، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه . وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها أنها تكمل مع مطالعة حديث الثلاثة الذين خلفوا ، وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم وهو في السير ، فلذلك اختصرت سوقه . وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأنّ الشرع يطالبهم من الحد فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه ، إذ هو أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين ، إذ كان كعب من أهل العقبة ، وصاحباه من أهل بدر ، وفي هذا ما يقتضي أنّ الرجل العالم والمقتدي به أقل عذراً في السقوط من سواه . وكتب الأوزاعي إلى المنصور أبي جعفر في آخر رسالة : واعلم أنّ قرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لن تزيد حق اللّه عليك إلا عظماً ، ولا ظاعته إلا وجوباً ، ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكاراً والسلام . ولقد أحسن القاضي التنوخي في قوله :

والعيب يعلق بالكبير كبير

وروي أن أناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومنهم من بدا له فيلحق بهم كأبي خيثمة ، ومنهم من بقي لم يلحق بهم منهم الثلاثة . وسئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح فقال : إن تضيق إلى التائب الأرض بما رحبت ، وتضيق عليه نفسه كتوبه كعب بن مالك وصاحبيه .

﴿ ١١٨