١٢٨

{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } : لما بدرأ السورة ببراءة اللّه ورسوله من المشركين ، وقص فيها أحوال المنافقين شيئاً فشيئاً ، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمن عليهم بكونه جاءهم رسول من جنسهم ، أو من نسبهم عربياً قرشياً يبلغهم عن اللّه متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب ، ويحرص على هداهم ، ويرأف بهم ، ويرحمهم . قال ابن عباس : ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكأنه قال : يا معشر العرب لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل ، ويحتمل أن يكون الخطاب لمن بحضرته من أهل الملل والنحل ، ويحتمل أن يكون حطاباً لبني آدم ، والمعنى : أنه لم يكن من غير جنس بني آدم ، لما في ذلك من التنافر بين الأجناس كقوله :{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً } ولما كان المخاطبون عاماً ، إما عامة العرب ،

وإما عامة بني آدم ، جاء الخطاب عاماً بقوله : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم أي : على هدايتكم حتى لا يخرج أحد عن اتباعه فيهلك . ولما كانت الرأفة والرحمة خاصة جاء متعلقها خاصاً وهو قوله : بالمؤمنين رؤوف رحيم . ألا ترى إلى قوله :{ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}

وقال : { أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } وقال في زناة المؤمنين :{ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر} .

قال ابن عطية : وقوله من أنفسكم ، يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنه من صميم العرب وأشرفها ، وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام :{ إن اللّه اصطفى كناية من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم } ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : { إني من نكاح ولست من سفاح } معناه أن نسبه صلى اللّه عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنا انتهى . وصف اللّه نبيه عليه السلام بستة : أوصاف الرسالة وهي صفة كمال الإنسان لما احتوت عليه من كمال ذات الرسول وطهارة نفسه الزكية ، وكونه من الخيار بحيث أهل أنْ يكون واسطة بين اللّه وبين خلقه ، ولما كانت هذه الصفة أشرف بدىء بذكرها . وكونه من أنفسهم وهي صفة مؤثرة في التبليغ والفهم عنه والتآنس به ، فإن كان خطاباً للعرب ففي هذه الصفة التنبيه على شرفهم والتحريض على اتباعه ، وإن كان الخطاب لبني آدم ففيه التنويه بهم واللطف في إيصال الخبر إليهم ، وأنه معروف بينهم بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة . وكونه يعز عليه ما يشق عليكم ، فهذا الوصف من نتائج الرسالة . ومن كونه من أنفسهم ، لأنّ من كان منك وادّلك الخير وصعب عليه إيصال ما يؤذي إليك وكونه حريصاً على هدايتهم ، وهو أيضاً من نتائج الرسالة ، لأنه بعث ليعبد اللّه ويفرد بالألوهية . وكونه رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين ، وهما وصفان من نتائج التبعية له ، والدخول في دين اللّه . { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }{ الْمُؤْمِنُ}

وقرأ ابن عباس ، وأبو العالية ، والضحاك ، وابن محيصن ، ومحبوب ، عن أبي عمرو وعبد اللّه بن قسيط المكي ، ويعقوب من بعض طرقه : من أنفسكم بفتح الفاء . ورويت هذه القراءة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعن فاطمة ، وعائشة رضي اللّه عنهما ، والمعنى : من أشرفكم وأعزكم ، وذلك من النفاسة ، وهو راجع لمعنى النفس ، فإنها أعز الأشياء . والظاهر أنّ ما مصدرية في موضع الفاعل بعزيز أي : يعز عليه مشقتكم كما قال : يسر المرء ما ذهب الليالي

وكان ذهابهن له ذهابا

أي يسر المرء ذهاب الليالي . ويجوز أن يكون ما عنتم مبتدأ أي : عنتكم عزيز عليه ، وقدم خبره ، والأول أعرب . وأجاز الحوفي أن يكون عزيز مبتدأ ، وما عنتم الخبر ، وأن تكون ما بمعنى لذي ، وأن تكون مصدرية ، وهو إعراب دوب الإعرابين السابقين . وقال ابن القشيري : عزيز صفة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما وصف بالعزة لتوسطه في قومه وعراقة نسبه وطيب جرثومته ، ثم استأنف فقال : عليه ما عنتم أي : يهمه أمركم انتهى . والعنت : تقدم شرحه في البقرة في قوله { خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللّه يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّه لاعْنَتَكُمْ}

وقال ابن عباس : هنا مشقتكم . وقال الضحاك : إثمكم . وقال

سعيد بن أبي عروبة : ضلالكم . وقال العتبي : ما ضركم . وقال ابن الأنباري : ما أهلككم .

وقيل : ما عمكم . والأولى أن يضمر في عليكم أي : على هداكم وإيمانكم كقوله : ك { إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ } وقوله :{ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}

وقيل : حريص على إيصال الخيرات لكم في الدنيا والآخرة . وقال الفراء : الحريص هو الشحيح ، والمعنى : أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار .

وقيل : حريص على دخولكم الجنة . وإنما احتيج إلى الإضمار ، لأنّ الحرص لا يتعلق بالذوات . ويحتمل بالمؤمنين أن يتعلق برؤوف ، ويحتمل أن يتعلق برحيم ، فيكون من باب التنازع . وفي جواز تقدم معمول المتنازعين نظر ، فالأكثرون لا يذكرون فيه تقدمة عليهما ، وأجاز بعض النحويين التقديم فتقول : زيداً ضربت وشتمت على التنازع ، والظاهر تعلق الصفتين بجميع المؤمنين . وقال قوم : بالتوزيع ، رؤوف بالمطيعين ، رحيم بالمذنبين .

وقيل : رؤوف بمن رآه ، رحيم بمن لم يره .

وقيل : رؤوف بأقربائه ، رحيم بغيرهم . وقال الحسن بن الفضل : لم يجمع اللّه لنبي بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه قال : بالمؤمنين رؤوف رحيم ،

وقال تعالى :{ إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}

﴿ ١٢٨