٣٤

{لَهَا كَارِهُونَ وَياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللّه ...} : تلطف نوح عليه السلام بندائه بقوله : ويا قوم ، استدراجاً لهم في قبول كلامه ، كما تلطف إبراهيم عليه السلام بقوله { يا أبت يا أبت } وكما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله { افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ } والضمير في عليه عائد إلى الإنذار . وإفراد اللّه بالعبادة المفهوم من قوله لهم :{ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّه } ،

وقيل : على الدين ،

وقيل : على الدعاء إلى التوحيد ،

وقيل : على تبليغ الرسالة . وكلها أقوال متقاربة ، والمعنى : إنكم وهؤلاء الذين اتبعونا سواء في أنّ أدعوكم إلى اللّه ، وإني لا أبتغي عما ألقيه إليكم من شرائع اللّه مالاً ، فلا يتفاوت حالكم وحالهم . وأيضاً فلعلهم ظنوا أنه يريد الاسترفاد منهم ، فنفاه بقوله : لا أسألكم عليه مالاً إنْ أجري على اللّه ، فلا تحرموا أنفسكم السعادة الأبدية بتوهم فاسد . ثم ذكر أنه قام بهؤلاء وصف يجب العكوف عليهم به والانضواء معهم ، وهو الإيمان فلا يمكن طردهم ، وكانوا سألوا منه طرد هؤلاء المؤمنين رفعاً لأنفسهم من مساواة أولئك الفقراء . ونظير هذا ما اقترحت قريش على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من طرد أتباعه الذين لم يكونوا من قريش .

وقرىء : بطارد بالتنوين ،

قال الزمخشري : على الأصل يعني : أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أصله أن يعمل ولا يضاف ، وهذا ظاهر كلام سيبويه . ويمكن أن يقال : إن الأصل الإضافة لا العمل ، لأنه قد اعتوره شبهان أحدهما شبه بالمضارع وهو شبهه بغير جنسه . والآخر شبه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة ، فكان إلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه . إنهم ملاقوا ربهم : ظاهره التعليل لانتفاء طردهم ، أي : إنهم يلاقون اللّه ، أي : جزاءه ، فيوصلهم إلى حقهم عندي إن ظلمتهم بالطرد .

وقال الزمخشري : معناه أنهم يلاقون اللّه فيعاقب من طردهم ، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي منهم ، وما أعرف غيره منهم ، أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء إيمانهم على بادىء الرأي من غير نظر ولا تفكر ، وما عليّ أنْ أشق على قلوبهم وأتعرف ذلك منهم حتى أطردهم ونحوه { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ } الآية أو هم مصدّقون بلقاء ربهم ، موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة انتهى . ووصفهم بالجهل لكونهم بنوا أمرهم على الجهل بالعواقب ، والاغترار بالظواهر . أو لأنهم

يتسافلون على المؤمنين ويدعونهم أراذل من قوله : ألا لا يجهلن أحد علينا . أو تجهلون لقاء ربكم ، أو تجهلون أنهم خير منكم ، أو وصفهم بالجهل في هذا الاقتراح ، وهو طرد المؤمنين ونحوه : من ينصرني ، استفهام معناه لا ناصر لي من عقاب اللّه إن طردتهم عن الخير الذي قد قبلوه ، أو لأجل إيمانهم قاله : الفراء ، وكانوا يسألونه أنْ يطردهم ليؤمنوا به أنفة منهم أن يكونوا معهم على سواء ، ثم وقفهم بقوله : أفلا تذكرون ، على النظر المؤدّي إلى صحة هذا الاحتجاج . وتقدم تفسير الجمل الثلاث في الأنعام . وتزدري تفتعل ، والدال بدل من التاء قال : ترى الرجل النحيف فتزدريه

وفي أثوابه أسد هصور

وأنشد الفراء : يباعده الصديق وتزدريه

حليلته وينهره الصغير

والعائد على الموصول محذوف أي : تزدرونهم ، أي : تستحقرهم أعينكم . ولن يؤتيهم معمول لقوله : ولا أقول ، وللذين معناه لأجل الذين . ولو كانت اللام للتبليغ لكان القياس لن يؤتيكم بكاف الخطاب ، أي : ليس احتقاركم إياهم ينقص ثوابهم عند اللّه ولا يبطل أجورهم ، اللّه أعلم بما في أنفسهم ، تسليم للّه أي : لست أحكم عليهم بشيء من هذا ، وإنما الحكم بذلك للّه تعالى الذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه .

وقيل : هو رد على قولهم : اتبعك أراذلنا ، أي لست أحكم عليهم بأنْ لا يكونن لهم خير لظنكم بهم ، إن بواطنهم ليست كظواهرهم ، اللّه عز وجل أعلم بما في نفوسهم ، إني لو فعلت ذلك لمن الظالمين ، وهم الذين يضعون الشيء في غير مواضعه ، قد جادلتنا الظاهر المبالغة في الخصومة والمناظرة . وقال الكلبي : دعوتنا .

وقيل : وعظتنا ،

وقيل : أتيت بأنواع الجدال وفنونه فما صح دعواك .

وقرأ ابن عباس : فأكثرت جدلنا كقوله : { وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } فأتنا بما تعدنا من العذاب المعجل وما بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي بما تعدناه ، أو مصدرية ، وإنما كثرت مجادته لهم لأنه أقام فيهم ما أخبر اللّه به ألف سنة إلا خمسين عاماً ، وهو كل وقت يدعوهم إلى اللّه وهم يجيبونه بعبادتهم أصنامهم . قال : إنما يأتيكم به اللّه ، أي ليس ذلك إليّ إنما هو للإله الذي يعاقبكم على عصيانكم إن شاء أي : إن اقتضت حكمته أن يعجل عذابكم وأنتم في قبضته لا يمكن أن تفلتوا منه ، ولا أن تمتنعوا . ولما قالوا : قد جادلتنا ، وطلبوا تعجيل العذاب ، وكان مجادلته لهم إنما هو على سبيل النصح والإنقاذ من عذاب اللّه قال : ولا ينفعكم نصحي .

وقرأ عيسى بن عمر الثقفي : نصحي بفتح النون ، وهو مصدر . وقراءة الجماعة بضمها ، فاحتمل أن يكون مصدراً كالشكر ، واحتمل أن يكون اسماً . وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله : ولا ينفعكم نصحي ، وهو دليل على جواب الشرط تقديره : إنْ أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي ، والشرط

الثاني : اعتقب الشرط الأول وجوابه أيضاً ما دل عليه قوله : ولا ينفعكم نصحي ، تقديره : إن كان

اللّه يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي . وصار الشرط الثاني شرطاً في الأول ، وصار المتقدم متأخراً والمتأخر متقدّماً ، وكأن التركيب إن أردت أن أنصح لكم أن كان اللّه يريد أن يغويكم ، فلا ينفعكم نصحي ، وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو : إنْ كان اللّه يريد أن يغويكم . فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي . ونظيره : { وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا }

وقال الزمخشري : قوله إن كان اللّه يريد أن يغويكم جزاؤه ما دل عليه قوله : لا ينفعكم نصحي ، وهذا الدليل في حكم ما دل عليه ، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قوله : إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكنني . و

قال ابن عطية : وليس نصحي لكم بنافع ، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان اللّه تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك . والشرط الثاني اعتراض بين الكلام ، وفيه بلاغة من اقتران الإرادتين ، وأنّ إرادة البشر غير مغنية ، وتعلق هذا الشرط هو بنصحي ، وتعلق الآخر هو بلا ينفع انتهى . وكذا قال أبو الفرج بن الجوزي قال : جواب الأول النصح ، وجواب الثاني النفع .

والظاهر أنّ معنى يغويكم يضلكم من قوله : غوى الرجل يغوي وهو الضلال . وفيه إسناد الإغواء إلى اللّه ، فهو حجة على المعتزلة إذ يقولون : إن الضلال هو من العبد .

وقال الزمخشري : إذا عرف اللّه من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمى ذلك إغواء وإملاء ، كما إنه إذا عرف منه أن يتوب ويرعوي فلطف به سمى إرشاداً وهداية انتهى . وهو على طريقة الاعتزال ، ونصوا على أنه لا يوصف اللّه بأنه عارف ، فلا ينبغي أن يقال : إذا عرف اللّه كما

قال الزمخشري ، وللمعتزلي أن يقول : لا يتعين أن تكون إن شرطية ، بل هي نافية والمعنى : ما كان اللّه يريد أن يغويكم ، ففي ذلك دليل على نفي الإضلال عن اللّه تعالى ، ويكون قوله : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ، إخبار منه لهم وتعزية لنفسه عنهم ، لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر .

وقيل : معنى يغويكم يهلككم ، والغوي المرض والهلاك . وفي لغة طيء : أصبح فلان غاوياً أي مريضاً ، والغوي بضم الفصيل وقاله : يعقوب في الإسلاح .

وقيل : فقده اللبن حتى يموت جوعاً قاله : الفراء ، وحكاه الطبري يقال منه : غوى يغوي .

وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك ، أو لما يهلك بعد . قال ابن الأنباري : وكون معنى يغويكم يهلككم قول مرغوب عنه ، وأنكر مكي أن يكون الغوي بمعنى الهلاك موجوداً في لسان العرب ، وهو محجوج بنقل الفراء وغيره . وإذا كان معنى يغويكم يهلككم ، فلا حجة فيه لا لمعتزلي ولا لسني ، بل الحجة من غير هذا ، ومعناه : أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر فالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح اللّه ومواعظه وسائر ألطافه ، كيف ينفعكم نصحي ؟

وفي قوله : هو ربكم ، تنبيه على المعرفة بالخالق ، وأنه الناظر في مصالحكم ، إن شاء أن يغويكم ، وإن شاء أن يهديكم .

وفي قوله : وإليه ترجعون ، وعيد وتخويف .

﴿ ٣٤