٥٧

{قَالُواْ يأَبَانَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ ...} : ببينة أو بحجة واضحة تدل على صدقك ، وقد كذبوا في ذلك وبهتوه كما كذبت قريش في قولهم :{ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } وقد جاءهم بآيات كثيرة ، أو لعمائهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات اعتقدوا ما هو آية ليس بآية فقالوا : ما جئتنا ببينة تلجئنا إلى الإيمان ، وإلا فهود وغيره من الأنبياء لهم معجزات وإن لم يعين لنا بعضها . ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :{ مَّا مِن نَّبِىٍّ إِلا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الاْيَاتِ مَا مّثْلِهِ مِن عَلَيْهِ الْبَشَرِ } وعن في عن قولك حال من الضمير في تاركي آلهتنا ، كأنه قيل : صادرين عن قولك ، قاله الزمخشري .

وقيل : عن للتعليل كقوله تعالى :{ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } فتتعلق بتاركي ، كأنه قيل لقولك ، وقد أشار إلى التعليل والسبب فيها ابن عطية ، فقال : أي لا يكون قولك سبباً لتركنا ، إذ هو مجرد عن آية ، والجملة بعدها تأكيد وتقنيط له من دخولهم في دينه ، ثم نسبوا ما صدر منه من دعائهم إلى اللّه وإفراده بالألوهية إلى الخبل والجنون ، وأن ذلك مما اعتراه به بعض آلهتهم لكونه سبها وحرض على تركها ودعا إلى ترك عبادتها ، فجعلته يتكلم مكافأة بما يتكلم به المجانين ، كما قالت قريش : معلم مجنون { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } واعتراك جملة محكية بنقول ، فهي في موضع المفعول ، ودلت على بله شديد وجهل مفرط ، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم . وقول هود لهم في جواب ذلك : إني أشهد اللّه إلى آخره ، حيث تبرأ من آلهتهم ، وحرضهم كلهم مع انفراده وحده على كيده بما يشاؤون ، وعدم تأخره من أعظم الآيات على صدقه وثقته بموعود ربه من النصر له ، والتأييد والعصمة من أن ينالوه بمكروه ، هذا وهم حريصون على قتله يرمونه عن قوس واحدة . ومثله قول نوح لقومه :{ ثُمَّ اقْضُواْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } وأكد براءته من آلهتهم وشركهم ، ووفقها بما جرت عليه عادة الناس من توثيقهم الأمر بشهادة اللّه وشهادة العباد .

قال الزمخشري: { فإن قلت } : هلا قيل : إني أشهد اللّه وأشهدكم { قلت} : لأنّ إشهاد اللّه على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد ،

وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب ، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما ، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة انتهى . وإني بريء تنازع فيه أشهد واشهدوا ، وقد يتنازع المختلفان في التعدي الاسم الذي يكون صالحاً ، لأن يعملا فيه تقول أعطيت زيداً ووهبت لعمرو ديناراً ، كما يتنازع اللازم والمتعدي نحو : قام وضربت زيداً . وما في ما تشركون موصولة ، إما مصدرية ،

وإما بمعنى الذي أي : بريء من إشراككم آلهة من دونه ، أو

من الذين تشركون ، وجميعاً حال من ضمير كيدوني الفاعل ، والخطاب إنما هو لقومه .

وقال الزمخشري : أنتم وآلهتكم انتهى . قيل : ومجاهرة هود عليه السلام لهم بالبراءة من أديانهم ، وحضه إياهم على كيده هم وأصنامهم معجزة لهود ، أو حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكثرتهم ، فلم يقدروا على نيله بسوء ، ثم ذكر توكله عل اللّه معلماً أنه ربه وربهم ، ومنبهاً على أنه من حيث هو ربكم يجب عليكم أن لا تعبدوا إلا إياه ، ومفوضاً أمره إليه تعالى ثقة بحفظه وانجاز موعوده ، ثم وصف قدرة اللّه تعالى وعظيم ملكه من كون كل دابة في قبضته وملكه وتحت قهره وسلطانه ، فأنتم من جملة أولئك المقهورين . وقوله : آخذ بناصيتها تمثيل ، إذ كان القادر المالك يقود المقدور عليه بناصيته ، كما يقاد الأسير والفرس بناصيته ، حتى صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة على الحيوان ، وكانت العرب تجز ناصية الأسير الممنون عليه علامة أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته . قال ابن جريج : وخص الناصية لأن العرب إذا وصفت إنساناً بالذلة والخضوع قالت : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، أي أنه مطيع له يصرفه كيف يشاء ثم أخبر أنّ أفعاله تعالى في غاية الإحكام ، وعلى طريق الحق والعدل في ملكه ، لا يفوته ظالم ولا يضيع عنده من توكل عليه ، قوله الصدق ، ووعده الحق .

وقرأ الجمهور : فإن تولوا أي تتولوا مضارع تولى .

وقرأ الأعرج وعيسى الثقفي : تولوا بضم التاء ، واللام مضارع وليّ ،

وقيل : تولوا ماض ويحتاج في الجواب إلى إضمار قول ، أي : فقل لهم فقد أبلغتكم ، ولا حاجة تدعو إلى جعله ماضياً وإضمار القول . و

قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون تولوا فعلاً ماضياً ، ويكون في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب أي : فقد أبلغتكم انتهى . فلا يحتاج إلى إضمار ، والظاهر أنّ الضمير في تولوا عائد على قوم هود ، وخطاب لهم من تمام الجمل المقولة قبل . وقال التبريزي : هو عائد على كفار قريش ، وهو من تلوين الخطاب ، انتقل من خطاب قوم هود إلى الإخبار عمن بحضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وكأنه قيل : أخبرهم عن قصة قوم هود ، وادعهم إلى الإيمان باللّه لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود ، فإن تولوا فقل لهم : قد أبلغتكم . وجواب الشرط هو قوله : فق أبلغتكم ، وصح أن يكون جواباً ، لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل ، فكأنه قيل : فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب . ويدل على ذلك الجملة الخبرية وهي قوله : ويستخلف ربي قوماً غيركم .

وقال الزمخشري{ فإن قلت } : الإبلاغ كان قبل التولي ، فكيف وقع جزاء للشرط ؟ { قلت} : معناه فإن تولوا لم أعاقب على تفريط في الإبلاغ ، فإنّ ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول . و

قال ابن عطية : المعنى أنه ما عليّ كبيرهم منكم إن توليتم فقد برئت ساحتي بالتبليغ ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان .

وقرأ الجمهور : ويستخلف بضم الفاء على معنى الخبر المستأنف أي : يهلككم ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم .

وقرأ حفص في رواية هبيرة : بجزمها عطفاً على موضع الجزاء ،

وقرأ عبد اللّه كذلك ، وبجزم ولا تضروه ،

وقرأ الجمهور : ولا تضرونه أي شيئاً من الضرر بتوليتكم ، لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار والمنافع .

قال ابن عطية : يحتمل من المعنى وجهين :

أحدهما : ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئاً أي : لا ينقص ملكه ، ولا يختل أمره ، وعلى هذا المعنى قرأ عبد اللّه بن مسعود ولا تنقصونه شيئاً . والمعنى الآخر : ولا تضرونه أي : ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ، ولا على انتصار منه ، ولا تقابلون فعله بشيء يضره انتهى . وهذا فعل منفي ومدلوله نكرة ، فينتفي جميع وجوه الضرر ، ولا يتعين واحد منها . ومعنى حفيظ رقيب محيط بالأشياء علماً لا يخفى عليه أعمالكم ، ولا يغفل عن مؤاخذتكم ، وهو يحفظني مما تكيدونني به .

﴿ ٥٧