٧٣{وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرَى ...} : تقدم أن ترتيب قصص هذه السورة كترتيب قصص الأعراف ، وإنما أدرج شيئاً من أخبار إبراهيم عليه السلام بين قصة صالح ولوط ، لأنّ له مدخلاً في قصة لوط ، وكان إبراهيم بن خالة لوط . والرسل هنا الملائكة ، بشرت إبراهيم بثلاث بشائر : بالولد ، وبالخلة ، وبإنجاء لوط ومن آمن معه . قيل : كانوا اثنى عشر ملكاً ، روى ذلك عن ابن عباس . وقال السدي : أحد عشر ، وحكى صاحب الغنيان عشرة منهم جبريل . وقال الضحاك : تسعة ، وقال محمد بن كعب : ثمانية ، وحكى الماوردي : أربعة ، وقال ابن عباس وابن جبير : ثلاثة جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل . وقال مقاتل : جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت . وروي : أن جبريل عليه السلام كان مختصاً بإهلاك قوم لوط ، وميكائيل ببشرى إبراهيم بإسحاق عليهما السلام ، وإسرافيل بإنجاء لوط ومن آمن معه . قيل : وكانت الملائكة جرداً مرداً على غاية من الحسن والجمال والبهجة ، ولهذا يضرب بهم المثل في الحسن كما قال تعال حكاية عما قيل في يوسف :{ مَا هَاذَا بَشَرًا إِنْ هَاذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } وقال الغزي : قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا وانتصب سلاماً على إضمار الفعل أي : سلمنا عليك سلاماً ، فسلاماً قطعه معمولاً للفعل المضمر المحكى بقالوا ، قال ابن عطية : ويصح أن يكون سلاماً حكاية لمعنى ما قالوا ، لا حكاية للفظهم ، قاله : مجاهد ، والسدي . ولذلك عمل فيه القول ، كما تقول لرجل قال : لا إله إلا اللّه قلت : حقاً وإخلاصاً ، ولو حكيت لفظهم لم يصح أن يعمل فيه القول انتهى . ويعني لم يصح أن يعمل في لفظهم القول ، يعني في اللفظ ، وإن كان ما لفظوا به في موضع المفعول للقول . وسلام خبر مبتدأ محذوف أي : أمري أو أمركم سلام ، أو مبتدأ محذوف الخبر أي : عليكم سلام ، والجملة محمية وإن كان حذف منها أحد جزءيها كما قال : إذا ذقت فاهاً قلت طعم مدامة أي طعمه طعم مدامة . وقرأ الإخوان قال : سلم ، والسلم السلام كحرم وحرام ، ومنه قول الشاعر : مررنا فقلنا ايه سلم فسلمت كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح اكتل اتخذ إكليلاً . قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بالسلم ضد الحرب تقول : نحن سلم لكم انتهى . ونصب سلاماً يدل على التجدد ، ورفع سلام يدل على الثبوت والاستقرار ، والأقرب في إعراب فما لبث أن تكون ما نافية ، ولبث معناه تأخر وأبطأ ، وأن جاء فاعل بلبث التقدير فما تأخر مجيئه قاله : الفراء . وجوزوا أن يكون في لبث ضمير إبراهيم فهو فاعل ، وأن جاء على إسقاط الحرف فقدر بأن وبعن ، وبفي ، وجعل بعضهم أن بمعنى حتى حكاه ابن العربي . وأن تكون ما مصدرية ، وذلك المصدر في موضع رفع بالابتداء ، وأن تكون بمعنى الذي أي : فلبثه ، أو الذي لبثه ، أو الذي لبثه ، والخبر أن جاء على حذف أي : قدر مجيئه ، وهذا من أدب الضيافة ، وهو تعجيل القرى . وكان مال إبراهيم البقر ، فقدم أحسن ما فيه وهو العجل . قال مجاهد : حنيذ مطبوخ ، وقال الحسن : نضج مشوي سمين يقطر ودكا . وقال السدي : سمين ، وقيل : سميط لا يصل إليه ، أي إلى العجل . والمعنى : لا يمدون أيديهم إلى أكله ، فلم ينف الوصول الناشىء عن المدبل ، جعل عدم الوصول استعارة عن امتناعهم من الأكل . نكرهم أي أنكرهم قال الشاعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا . وقيل : نكر فيما يرى ، وأنكر فيما لا يرى من المعاني ، فكأنّ الشاعر قال : وأنكرت مودتي ثم جاءت بنكر الشيب والصلع مما يرى بالبصر . ومنه قول أبي ذؤيب : فنكرنه فنفرن وامترست به هو جاء هادية وهاد جرشع وروي أنهم كانوا ينكثون بقداح كانت بأيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إليه ، وينبغي أن ينظر من الضيف هل يأكل أولاً ويكون بتلفت ومسارعة ، لا بتحديد النظر ، لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصراً في الأكل . قيل : كان إبراهيم عليه السلام ينزل في طرف من الأرض مخافة أن يريدوا به مكروهاً . وقيل : كانت عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوا وإلا خافوه . قال الزمخشري : ويظهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم ، لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره اللّه عليه ، أو لتعذيب قومه . ألا ترى إلى قولهم : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيما أرسلوا . قال مقاتل : فأوجس وقع في قلبه . وقال الحسن : حدث به نفسه ، قيل : وأصل الوجوس الدخول ، فكان الخوف دخل عليه . والظاهر أنه لم يعرف أنهم ملائكة لمجيئهم في صورة البشر ، وكان مشغوفاً بإكرام الأضياف ، فلذلك جاؤوا في صورهم ، ولمسارعته إلى إحضار الطعام إليهم ، ولأنّ امتناع الملائكة من الأكل لا يدل على حصول الشر ، وإنما عرف أنهم ملائكة بقولهم : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، فنهوه عن شيء وقع في نفسه ، وعرفوا خيفته بكون اللّه جعل لهم من الاطلاع ما لم يجعل لغيرهم كقوله تعالى : { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } وفي الحديث الصحيح : { قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ رَبّى رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } الحديث ، أو بما يلوح في صفحات وجه الخائف . وامرأته قائمة جملة من ابتداء وخبر قال الحوفي وأبو البقاء : في موضع الحال ، قال أبو البقاء : من ضمير الفاعل في أرسلنا ، يعني المفعول الذي لم يسم فاعله ، والزمخشري يسميه فاعلاً لقيامه مقام الفاعل . وقال الحوفي : والتقدير أرسلنا إلى قوم لوط في حال قيام امرأته ، يعني امرأة إبراهيم . والظاهر أنه حال من ضمير قالوا أي : قالوا لا إبراهيم لا تخف في حال قيام امرأته وهي سارة بنت هاران بن ناخور وهي ابنة عمه ، قائمة أي : لخدمة الأضياف ، وكانت نساؤهم لا تحتجب كعادة الأعراب ، ونازلة البوادي والصحراء ، ولم يكن التبرج مكروهاً ، وكانت عجوزاً ، وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الأخلاق قاله : مجاهد . وجاء في شريعنا مثل هذا من حديث أبي أسيد الساعدي : وكانت امرأته عروساً ، فكانت خادمة الرسول ومن حضر معه من أصحابه . وقال وهب : كانت قائمة وراء الستر تسمع محاورتهم . وقال ابن إسحاق : قائمة تصلي . وقال المبرد : قائمة عن الولد . قال الزمخشري : وفي مصحف عبد اللّه وامرأته قائمة وهو قاعد . و قال ابن عطية : وفي قراءة ابن مسعود : وهي قائمة وهو جالس . ولم يتقدّم ذكر امرأة إبراهيم فيضمر ، لكنه يفسره سياق الكلام . قال مجاهد وعكرمة : فضحكت حاضت . قال الجمهور : هو الضحك المعروف . فقيل : هو مجاز معبر به عن طلاقة الوجه وسروره بنجاة أخيها وهلاك قومه ، يقال : أتيت على روضة تضحك أي مشرقة . وقيل : هو حقيقة . فقال مقاتل : وروي عن ابن عباس ضحكت من شدّة خوف إبراهيم وهو في أهله وغلمانه . والذين جاؤه ثلاثة ، وهي تعهده يغلب الأربعين ، وقيل : المائة . وقال قتادة : ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم . وقال السدي : ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت : عجباً لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا ، وهم لا يأكلون طعامنا . وقال وهب بن منبه : وروي عن ابن عباس : ضحكت من البشارة بإسحاق ، وقال : هذا مقدم بمعنى التأخير . وذكر ابن الأنباري أنّ ضحكها كان سروراً بصدق ظنها ، لأنها كانت تقول لابراهيم : اضمم إليك ابن أخيك لوطاً وكان أخاها ، فإنه سينزل العذاب بقومه . وقيل : ضحكت لما رأت من المعجز ، وهو أنّ الملائكة مسحت العجل الحنيذ فقام حياً يطفر ، والذي يظهر واللّه أعلم أنهم لما لم يأكلوا ، وأوجس في نفسه خيفة بعدما نكر حالهم ، لحق المرأة من ذلك أعظم ما لحق الرجل . فلما قالوا : لا تخف ، وذكروا سبب مجيئهم زال عنه الخوف وسرّ ، فلحقها هي من السرور إن ضحكت ، إذ النساء في باب الفرح والسرور أطرب من الرجال وغالب عليهن ذلك . وقد أشار الزمخشري إلى طرف من هذا فقال : ضحكت سروراً بزوال الخيفة . وذكر محمد بن قيس سبباً لضحكها تركنا ذكره لفظاعته ، يوقف عليه في تفسير ابن عطية : وقرأ محمد بن زياد الأعرابي رجل من قراء مكة : فضحكت بفتح الحاء . قال المهدوي : وفتح الحاء غير معروف ، فبشرناها هذا موافق لقوله تعالى : ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، والمعنى : فبشرناها على لسان رسلنا بشرتها الملائكة بإسحاق ، وبأن إسحاق سيلد يعقوب . قال ابن عطية : أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم اللّه تعالى ، إذ كان ذلك بأمره ووحيه . وقال غيره : لما ولد لابراهيم اسماعيل عليهما السلام من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ابن ، وأيست لكبر سنها ، فبشرت بولد يكون نبياً وبلد نبياً ، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها . وإنما بشروها دونه ، لأنّ المرأة أعجل فرحاً بالولد ، ولأن إبراهيم قد بشروه وأمنوه من خوفه ، فأتبعوا بشارته ببشارتها . وقيل : خصت بالبشارة حيث لم يكن لها ولد ، وكان لإبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل . والظاهر أن وراء هنا ظرف استعمل اسماً غير ظرف بدخول من عليه كأنه قيل : ومن بعد إسحاق ، أو من خلف إسحاق ، وبمعنى بعد ، روي عن ابن عباس واختاره مقاتل وابن قتيبة ، وعن ابن عباس أيضاً : أن الوراء ولد الولد ، وبه قال الشعبي : واختاره أبو عبيدة . وتسميته وراء هي قريبة من معنى وراء الظرف ، إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده . فإن قيل : كيف يكون يعقوب وراء لإسحاق وهو ولده لصلبه ، وإنما الوراء ولد الولد ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال : المعنى ومن الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب ، لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق ، فلو قال : ومن الوراء يعقوب ، لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل ، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس انتهى . وبشرت من بين أولاد إسحاق بيعقوب ، لأنها رأته ولم تر غيره ، وهذه البشارة لسارة كانت وهي بنت تسع وتسعين سنة ، وابراهيم ابن مائة سنة . وقيل : كان بينهما غير ذلك ، وهي أقوال متناقضة . وهذه الآية تدل على أنّ إسماعيل هو الذبيح ، لأن سارة حين أخدمها الملك الجبار هاجر أم إسماعيل كانت شابة جميلة ، فاتخذ إبراهيم هاجر سرية ، فغارت منها سارة ، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق ، وجاء من يومه مكة ، وانصرف إلى الشام من يومه ، ثم كانت البشارة بإسحاق وسارة عجوز محالة ، وسيأتي الدليل على ذلك أيضاً من سورة والصافات . ويجوز أن يكون اللّه سماها حالة البشارة بهذين الاسمين ، ويجوز أن يكون الإسمان حدثا لها وقت الولادة ، وتكون البشارة بولد ذكر بعده ولد ذكر ، وحالة الإخبار عن البشارة ذكراً باسمها كما يقول المخبر : إذا بشر في النوم بولد ذكر فولد له ولد ذكر فسماه مثلاً عبد اللّه : بشرت بعبد اللّه . وقرأ الحرميان ، والنحويان ، وأبو بكر يعقوب : بالرفع على الابتداء ومن وراء الخبر كأنه قيل : ومن وراء إسحاق يعقوب كائن ، وقدره الزمخشري مولود أو موجود . قال النحاس : والجملة حال داخلة في البشارة أي : فبشرناها بإسحاق متصلاً به يعقوب . وأجاز أبو علي أنْ يرتفع بالجار والمجرور ، كما أجازه الأخفش أي : واستقرّ لها من وراء إسحاق يعقوب . وقالت فرقة : رفعه على القطع بمعنى ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب . وقال النحاس : ويجوز أن يكون فاعلاً بإضمار فعل تقديره : ويحدث من وراء إسحاق يعقوب . قال ابن عطية : وعلى هذا لا تدخل البشارة انتهى . ولا حاجة إلى تكلف القطع والعدول عن الظاهر المقتضى للدخول في البشارة . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص ، وزيد بن علي : يعقوب بالنصب . قال الزمخشري : كأنه قيل ووهبنا له إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله : ليسوا مصلحين عشيرة ، ولا ناعب ، انتهى . يعني أنه عطف على التوهم ، والعطف على التوهم لا ينقاس ، والأظهر أن ينتصب يعقوب بإضمار فعل تقديره : ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب ، ودل عليه قوله : فبشرناها لأن البشارة في معنى الهبة ، ورجح هذا الوجه أبو علي ومن ذهب إلى أنه مجرور معطوف على لفظ بإسحاق ، أو على موضعه . فقوله ضعيف ، لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفه المجرور ، لا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو ، فإن جاء ففي شعر . فإنْ كان المعطوف منصوباً أو مرفوعاً ، ففي جواز ذلك خلاف نحو : قام زيد واليوم عمرو ، وضربت زيداً واليوم عمراً والظهر أن الألف في يا ويلتا بدل من ياء الإضافة نحو : يا لهفا ويا عجباً ، وأمال الألف من يا ويلتا عاصم وأبو عمرو والأعشى ، إذ هي بدل من الياء . وقرأ الحسن : يا ويلتي بالياء على الأصل . وقيل : الألف ألف الندبة ، ويوقف عليها بالهاء . وأصل الدعاء بالويل ونحوه في التفجع لشدة مكروه يدهم النفس ، ثم استعمل بعد في عجب يدهم النفس . ويا ويلتا كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه ، واستفهمت بقولها أألد استفهام إنكار وتعجب ، وأنا عجوز وما بعده جملتا حال ، وانتصب شيخاً على الحال عند البصريين ، وخبر التقريب عند الكوفيين . ولا يستغنى عن هذه الحال إذا كان الخبر عروفاً عند المخاطب ، لأنّ الفائدة إنما تقع بهذه الحال ، أما إذا كان مجهولاً عنده فأردت أن تفيد المخاطب ما كان يجهله ، فتجيء الحال على بابها مستغنى عنها . وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش ، شيخ بالرفع . وجوزوا فيه . وفي بعلي أن يكونا خيرين كقولهم : هذا حلو حامض ، وأن يكون بعلى الخبر ، وشيخ خبر محذوف ، أو بدل من بعلي ، وأن يكون بعلي بدلاً أو عطف بيان ، وشيخ الخبر . والإشارة بهذا إلى الولادة أو البشارة بها تعجبت من حدوث ولد بين شيخين هرمين ، واستغربت ذلك من حيث العادة ، لا إنكاراً لقدرة اللّه تعالى . قالوا : أي الملائكة أتعجبين ؟ استفهام إنكار لعجبها . قال الزمخشري : لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادة ، فكان عليها أن تتوفر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء في غير بيت النبوة ، وأن تسبح اللّه وتمجده مكان التعجب . وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم : رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت ، أرادوا أنّ هذه وأمثالها مما يكرمكم رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة ؟ فليست بمكان عجيب ، وأمر اللّه قدرته وحكمته . وقوله : رحمة اللّه وبركاته عليكم كلام مستأنف علل به إنكار التعجب ، كأنه قيل : إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من اللّه عليكم . وقيل : الرحمة النبوة ، والبركات الأسباط من بني إسرائيل ، لأن الأنبياء منهم ، وكلهم من ولد إبراهيم انتهى . وقيل : رحمته تحيته ، وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة . وروي أن سارة قالت لجبريل عليه السلام : ما آية ذلك ؟ فأخذ عوداً بابساً فلواه بين أصابعه ، فاهتز أخضر ، فسكن روعها وزال عجبها . وهذه الجملة المستأنفة يحتمل أن تكون خبراً وهو الأظهر ، لأنه يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم ، ويحتمل أن يكون دعاء وهو مرجوح ، لأن الدعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد . وأهل منصوب على النداء ، أو على الاختصاص ، وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق ، ولذلك جعلهما سيبويه في بابين وهو أنّ المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح ، كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم ، والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم ، لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله : بنا تميماً يكشف الضباب . وقوله : ولا الحجاج عيني بنت ماء . وخطاب الملائكة أياهاً بقولهم : أهل البيت ، دليل على اندراج الزوجة في أهل البيت ، وقد دل على ذلك أيضاً في سورة الأحزاب خلافاً للشيعة إذ لا يعدون الزوجة من أهل بيت زوجها ، والبيت يراد به بيت السكنى . إنه حميد : وقال أبو الهيثم تحمد أفعاله وهو بمعنى المحمود . وقال الزمخشري : فاعل ما يستوجب من عباده ، مجيد كريم كثير الإحسان إليهم . |
﴿ ٧٣ ﴾