٨٠{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ... } خرجت الملائكة من قرية إبراهيم إلى قرية لوط وبنيهما قيل : ثمانية أميال . وقيل : أربعة فراسخ ، فأتوها عشاء . وقيل : نصف النهار ، ووجدوا لوطا في حرث له . وقيل : وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم ، وهي أكبر حواضر قوم لوط ، فسألوها الدلالة على من يضيفهم ، ورأت هيئتهم فخافت عليهم منقوم لوط وقالت لهم : مكانكم ، وذهبت إلى أبيها فأخبرته ، فخرج إليهم فقالوا : إنّا نريد أنْ تضيفنا الليلة فقال لهم : أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم ؟ فقالوا : وما عملهم ؟ فقال : أشهد باللّه انهم شر قوم في الأرض . وقد كان اللّه قال للملائكة : لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما قال هذه قال جبريل : هذه واحدة ، وتردد القول منهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ، ثم دخل لوط المدينة فحينئذ سيء بهم أي : لحقه سوء بسببهم ، وضاق ذرعه بهم ، وقال : هذا يوم عصيب أي شديد ، لما كان يتخوفه من تعدى قومه على أضيافه . وجاءه قومه يهرعون إليه ، لما جاء لوط بضيفه لم يعلم بذلك أحداً لا أهل بيته ، فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت : إن لوطاً قد أضاف الليلة فتية ما رؤي مثلهم جمالاً وكذا وكذا ، فحينئذ جاؤا يهرعون أي : يسرعون ، كما يدفعون دفعاً فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه . وقرأ الجمهور : يهرعون مبنياً للمفعول من أهرع أي يهرعهم الطمع . وقرأت فرقة : يهرعون بفتح الياء من هرع . وقال مهلهل : فجاؤا يهرعون وهم أسارى يقودهم على رغم الانوف ومن قبل كانوا يعملون السيئة أي : كان ذلك ديدنهم وعادتهم ، أصروا على ذلك ومرنوا عليه ، فليس ذلك بأول انشاء هذه المعصية ، جاؤا يهرعون لا يكفهم حياء لضراوتهم عليها ، والتقدير في ومن قبل أي : من قبل مجيئهم . إلى هؤلاء الاضياف وطلبهم إياهم . وقيل : ومن قبل بعث لوط رسولاً إليهم . وجمعت السيآت وإن كان المراد بها معصية اتيان الذكور ، إما باعتبار فاعليها ، أو باعتبار تكررها . وقيل : كانت سيآت كثيرة باختلاف أنواعها ، منها اتيان الذكور ، واتيان النساء في غير المأتي ، وحذف الحصا ، والحيق في المجالس والاسواق ، والمكاء ، والصفير ، واللعب بالحمام ، والقمار ، والاستهزاء بالناس في الطرقات ، ووضع درهم على الأرض وهم بعيدون منه فمن أخذه صاحوا عليه وخجلوه ، وإنْ أخذه صبي تابعوه وراودوه . هؤلاء بناتي : الاحسن أنْ تكون الإضافة مجازية ، أي : بنات قومي ، أي البنات أطهر لكم ، إذا لنبي يتنزل منزلة الاب لقومه . وفي قراءة ابن مسعود :{ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وهو أب لهم ويدل عليه أنَّه فيما قيل : لم يكن له الابنتان ، وهذا بلفظ الجمع . وأيضاً فلا يمكن أنْ يزوج ابنتيه من جميع قومه . وقيل : أشار إلى بنات نفسه وندبهم إلى النكاح ، إذْ كان من سنتهم تزويج المؤمنة بالكافر . أو على أنَّ في ضمن كلامه أنْ يؤمنوا . وقيل : كان لهم سيدان مطاعان فاراد أنْ يزوجهما ابنتيه زغورا وزيتا . وقيل : كنّ ثلاثاً . ومعنى أطهر : أنظف فعلاً . وقيل : أحل وأطهر بيتاً ليس أفعل التفضيل ، إذ لا طهارة في اتيان الذكور . وقرأ الجمهور : أطهر بالرفع والأحسن في الإعراب أنّ يكون جملتان كل منهما مبتدأ وخبر . وجوز في بناتي أنْ يكون بدلاً ، أو عطف بيان ، وهن فصل وأطهر الخبر . وقرأ الحسن ، وزيد بن علي ، وعيسى بن عمر ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن مروان السدي : أطهر بالنصب . وقال سيبويه : هو لحن . وقال أبو عمرو بن العلاء : احتبي فيه ابن مروان في لحنه يعني : تربع . ورويت هذه القراءة عن مروان بن الحكم ، وخرجت هذه القراءة على أنَّ نصب أطهر على الحال . فقيل : هؤلاء مبتدا ، وبناتي هنّ مبتدأ وخبر في موضع خبر هؤلاء ، وروي هذا عن المبرد . وقيل : هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر ، وهن مبتدأ ولكم خبره ، والعامل قيل : المضمر . وقيل : لكم بما فيه من معنى الاستقرار . وقيل : هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر ، وهن فصل ، وأطهر حال . ورد بأنَّ الفصل لا يقع إلا بين جزءي الجملة ، ولا يقع بين الحال وذي الحال . وقد أجاز ذلك بعضهم وادعى السماع فيه عن العرب ، لكنه قليل . ثم أمرهم بتقوى اللّه في أنْ يؤثروا البنات على الاضياف . ولا تخزون : يحتمل أنْ يكون من الخزي وهو الفضيحة ، أو من الخزاية وهو الاستحياء ، لأنّه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي هو ، وذلك من عراقة الكرم وأصل المروءة أليس منكم رجل يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل ، والكف عن السوء ؟ وفي ذلك توبيخ عظيم لهم ، حيث لم يكن منهم رشيد البتة . قال ابن عباس : رشيد مؤمن . وقال أبو مالك : ناه عن المنكر . ورشيد ذو رشد ، أو مرشد كالحكيم بمعنى المحكم ، والظاهر أنَّ معنى من حق من نصيب ، ولا من غرض ولا من شهوة ، قالوا له ذلك على وجه الخلاعة . وقيل : من حق ، لأنك لا ترى منا كحتنا ، لأنّهم كانوا خطبوا بناته فردهم ، وكانت سنتهم إنَّ من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً . وقيل : لما اتخذوا اتيان الذكران مذهباً كان عندهم أنّه هو الحق ، وإن نكاح الاناث من الباطل . وقيل : لأنّ عادتهم كانت أنْ لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة ، وكانوا كلهم متزوجين . وإنك لتعلم ما نريد يعني : من اتيان الذكور ، ومالهم فيه من الشهوة . قال : لو أنّ لي بكم قوة ، قال ذلك على سبيل التفجع . وجواب لو محذوف كما حذف في :{ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } وتقديره : لفعلت بكم وصنعت والمعنى في إلى ركن شديد : من يستند إليه ويمتنع به من عشيرته ، شبه الذي يمتنع به بالركن من الجبل في شدته ومنعته ، وكأنه امتنع عليه أن ينتصر ويمتنع بنفسه أو بغيره مما يمكن أن يستند إليه . وقال الحوفي ، وأبو البقاء : أو آوي عطف على المعنى تقديره : أو أني آوي . والظاهر أن أو عطف جملة فعلية ، على جملة فعلية إن قدرت إني في موضع رفع على الفاعلية على ما ذهب إليه المبرد أي : لو ثبت أن لي بكم قوة ، أو آوي . ويكون المضارع المقدر وآوى هذا وقعاً موقع الماضي ، ولو التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره نقلت المضارع إلى الماضي ، وإن قدرت أن وما بعدها جملة اسمية على مذهب سيبويه فهي عطف عليها من حيث أنّ لو تأتي بعدها الجملة المقدرة اسمية إذا كان الذي ينسبك إليها أنّ ومعمولاها . وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون أو آوي مستأنفاً انتهى . ويجوز على رأي الكوفيين أن تكون أو بمعنى بل ، ويكون قد أضرب عن الجملة السابقة وقال : بل آوى في حالي معكم إلى ركن شديد ، وكنى به عن جناب اللّه تعالى . وقرأ شيبة ، وأبو جعفر : أو آوي بنصب الياء بإضمار أن بعد ، أو فتتقدر بالمصدر عطفاً على قوله : قوة . ونظيره من النصب بإضمار أنْ بعد أو قول الشاعر : ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو يسوؤك علقما أي أو ومساءتك علقماً . |
﴿ ٨٠ ﴾