٩٥{قَالُواْ يأَبَانَا شُعَيْبٌ بِحَفِيظٍ قَالُواْ ياشُعَيْبُ أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لاَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ...} : لما أمرهم شعيب بعبادة اللّه عبادة أوثانهم ، وبإيفاء المكيال والميزان ، ردّوا عليه على سبيل الاستهزاء والهزء بقولهم : أصلاتك ، وكان كثير الصلاة ، وكان إذا صلى تغامزوا وتضاحكوا أن نترك ما يعبد آباؤنا مقابل لقوله :{ اعْبُدُواْ اللّه مَا لَكُم مّنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ } أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء مقابل لقوله :{ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } وكون الصلاة آمرة هو على وجه المجاز ، كما كانت ناهية في قوله :{ اتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } أو يقال : إنها تأمر بالجميل والمعروف أي : تدعو إليه وتبعث عليه . إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز ، وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته . والمعنى : فأمرك بتكليفنا أن نترك ، فحذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره . والظاهر أنه أريد بالصلاة الصلاة المعهودة في تلك الشريعة . وقال الحسن : لم يبعث اللّه نبياً إلى فرض عليه الصلاة والزكاة . وقيل : أريد قراءتك . وقيل : مساجدك . وقيل : دعواتك . وقرأ ابن وثاب والأخوان وحفص : أصلاتك على التوحيد . وقرأ الجمهور : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء بالنون فيهما . وقرأ الضحاك بن قيس ، وابن أبي عبلة ، وزيد بن علي : بالتاء فيهما على الخطاب ، ورويت عن أبي عبد الرحمن . وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة : نفعل بالنون ، ما نشاء بالتاء على الخطاب ، ورويت عن ابن عباس . فمن قرأ بالنون فيهما فقوله : أو أن نفعل معطوف على قوله : ما يعبد أي : أن نترك ما يعبد آباؤنا وفعلنا في أموالنا ما نشاء . ومن قرأ بالتاء فيهما أو بالنون فيهما فمعطوف على أن نترك أي : تأمرك بترك ما يعبد آباؤنا ، وفعلك في أموالنا ما تشاء ، أو وفعلنا في أموالنا ما تشاء . وأو للتنويع أي : تأمرك مرة بهذا ، ومرة بهذا . وقيل : بمعنى الواو . والظاهر أنّ الذي كانوا يفعلونه في أموالهم هو بخس الكيل والوزن المقدّم ذكره . وقال محمد بن كعب : قرضهم الدينار والدرهم ، وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس ، وعن ابن المسيب : قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض . وقيل : تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس . ومن قرأ بالتاء فيهما أو في نشاء ، والظاهر أنه إيفاء المكيال والميزان . وقال سفيان الثوري : كان يأمرهم بالزكاة . وقوله : إنك لأنت الحليم الرشيد ظاهره أنه إخبار منهم عنه بهذين الوصفين الجميلين ، فيحتمل أن يريدوا بذلك الحقيقة أي : أنك للمتصف بهذين الوصفين ، فكيف وقعت في هذا الأمر من مخالفتك دين آبائنا وما كانوا عليه ، ومثلك من يمنعه حلمه ورشده عن ذلك . أو يحتمل أن يريدوا بذلك إنك لأنت الحليم الرشيد بزعمك إذ تأمرنا بما تأمر به . أو يحتمل أن قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم ، قاله قتادة . والمراد : نسبته إلى الطيش والعي كما تقول للشحيح : لو رآك حاتم لسجد لك ، وقالوا للحبشي : أبو البيضاء . قال : يا قوم أرأيتم إن كنت هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن ، واستدعاء رقيق ، ولذلك قال فيه رسول للّه صلى اللّه عليه وسلم : { ذلك خطيب الأنبياء } وهذا النوع يسمى استدراج المخاطب عند أرباب علم البيان ، وهو نوع لطيف غريب المغزى يتوصل به إلى بلوغ الغرض ، وقد ورد منه في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ، وفي قصة نوح وهود وصالح ، وفي قصة مؤمن آل فرعون مع قومه . قال الزمخشري : فإن قلت : أين جواب أرأيتم ، وما له لم يثبت كما ثبت في قصة نوح وصالح ؟ قلت : جوابه محذوف ، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في الصفتين دل على مكانه ، ومعنى الكلام يناوي عليه ، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي ، وكنت نبياً على الحقيقة ، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي ، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك انتهى . وتسمية هذا جواباً لأرأيتم ليس بالمصطلح ، بل هذه الجملة التي قدرها هي في موضع المفعول الثاني لأرأيتم ، لأنّ أرأيتم إذا ضمنت معنى أخبرني تعدت إلى مفعولين ، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية تنعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب : أرأيتك زيداً ما صنع . وقال الحوفي : وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير : فاعدل عن ما أنا عليه من عبادته على هذه الحال . و قال ابن عطية : وجواب الشرط الذي في قوله : إن كنت على بينة من ربي محذوف تقديره : أضل كما ضللتم ، أو أترك تبليغ الرسالة ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة انتهى . وليس قوله : أضل جواباً للشرط ، لأنه إن كان مثبتاً فلا يمكن أن يكون جواباً لأنه لا يترتب على الشرط وإن كان استفهاماً حذف منه الهمزة ، فهو في موضع المفعول الثاني لأرأيتم ، وجواب الشرط محذوف تدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها . والظاهر في قوله : رزقاً حسناً أنه الحلال الطيب من غير بخس ولا تطفيف أدخلتموه أموالكم . قال ابن عباس : الحلال ، وكان شعيب عليه السلام كثير المال . وقيل : النبوة . وقيل : العلم . وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه المعنى : لست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه من نقص الكيل والوزن واستأثر بالمال قاله : ابن عطية . وقال قتادة : لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه . وقال صاحب الغنيان : ما أريد أنْ أخالفكم في السرّ إلى ما أنهاكم عنه في العلانية . ويقال : خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مولّ عنه ، وخالفني عنه إذا ولّي عنه وأنت قاصده ، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فتقول : خالفني إلى الماء ، تريد أنه قد ذهب إليه وارداً ، وأنا ذاهب عنه صادراً . والمعنى أنّ أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لاستبد بها دونكم ، فعلى هذا الظاهر أن قوله : أن أخالفكم في موضع المفعول لا ريد ، أي وما أريد مخالفتكم ، ويكون خالف بمعنى خلف نحو : جاوز وجاز أي : وما أريد أن أخلفكم أي : أكون خلفاً منكم . وتتعلق إلى باخالفكم ، أو بمحذوف أي : مائلاً إلى ما أنهاكم عنه ، ولذلك قال بعضهم : فيه حذف يقتضيه إلى تقديره : وأميل إلى ، أو يبقى أن أخالفكم على ظاهر ما يفهم من المخالفة ، ويكون في موضع المفعول به بأريد ، وتقدر : مائلاً إلى ، أو يكون أن أخالفكم مفعولاً من أجله ، وتتعلق إلى بقوله وما أريد بمعنى ، وما أقصد أي : وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه ، ولذلك قال الزجاج : وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه . والظاهر أن ما مصدرية ظرفية أي مدة استطاعتي للإصلاح ، وما دمت متمكناً منه لا آلوا فيه جهداً . وأجاز الزمخشري في ما وجوهاً أحدها : أن يكون بدلاً من الإصلاح أي : المقدر الذي استطعته ، أو على حذف مضاف تقديره : إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت ، فهذان وجهان في البدل . و الثالث : أن يكون مفعولاً كقوله : ضعيف النكاتة أعداءه . أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم ، وهذا الثالث ضعيف ، لأن المصدر المعرّف بأل لا يجوز إعماله في المفعول به عند الكوفيين ، وأما البصريون فإعماله عندهم فيه قليل . وما توفيقي أي لدعائكم إلى عبادة اللّه وحده ، وترك ما نهاكم عنه إلا بموعونة اللّه . أو وما توفيقي لأنْ تكون أفعالي مسددة موافقة لرضا اللّه لا بمعونته ، عليه توكلت لا على غيره ، وإليه أنيب أرجع في جميع أقوالي وأفعالي . وفي هذا طلب التأييد من اللّه تعالى ، وتهديد للكفار وحسم لأطماعهم أن ينالوه بشر . ومعنى لا يجرمنكم : لا يكسبنكم شقاقي ، أي خلافي وعداوتي . قال السدي : كأنه في شق وهم في شق . وقال الحسن : ضراري جعله من المشقة . وقيل : فراقي . وقرأ ابن وثاب والأعمش : بضم الياء من أجرم ، ونسبها الزمخشري إلى ابن كثير ، وجرم في التعدية مثل كسب يتعدى إلى واحد . جرم فلان الذنب ، وكسب زيد المال ، ويتعدى إلى اثنين جرمت زيداً الذنب ، وكسبت زيداً المال . وبالألف يتعدى إلى اثنين أيضاً ، أجرم زيد عمراً الذنب ، وأكسبت زيداً المال ، وتقدم الكلام في جرم في العقود . وقرأ مجاهد ، والجحدري ، وابن أبي إسحاق ، ورويت عن نافع : مثل بفتح اللام ، وخرج على وجهين : أحدهما : أن تكون الفتحة فتحة بناء ، وهو فاعل كحاله حين كان مرفوعاً ، ولما أضيف إلى غير متمكن جاز فيه البناء ، كقراءة من قرأ أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون . والثاني : أن تكون الفتحة فتحة إعراب ، وانتصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي : إصابة مثل إصابة قوم نوح . والفاعل مضمر يفسره سياق الكلام أي : إن يصيبكم هو أي العذاب . وما قوم لوط منكم ببعيد ، إما في الزمان لقرب عهد هلاكهم من عهدكم ، إذ هم أقرب الهالكين ، وإما في الكفر والمعاصي وما يستحق به الهلاك . وأجرى بعيداً على قوم إما باعتبار الزمان أو المكان ، أي : بزمان بعيد ، أو بمكان بعيد . أو باعتبار موصوف غيرهما أي : بشيء بعيد ، أو باعتبار مضاف إلى قوم أي : وما إهلاك قوم لوط . ويجوز أن يسوي في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المفرد والجمع ، وبين المذكر والمؤنث ، كما قالوا : هو صديق ، وهم صديق ، وهي صديق ، وهن صديق . وودود بناء مبالغة من ودّ الشيء أحبه وآثره ، وهو على فعل . وسمع الكسائي : وددت بفتح العين ، والمصدر ودود بناء مبالغة ودّ الشيء أحبه وآثره ، وهو على فعل . وسمع الكسائي . وددت بفتح العين ، والمصدر ود وداد وودادة . وقال بعض أهل اللغة : يجوز أن يكون ودود فعول بمعنى مفعول . وقال المفسرون : ودود متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم . وقيل : محبوب المؤمنين ورحمته لعباده ، ومحبته لخم سبب في استغفارهم وتوبتهم ، ولولا ذلك ما وفقهم إلى استغفاره والرجوع إليه ، فهو يفعل بهم فعل الوادّ بمن يودّه من الإحسان إليه . كانوا لا يلقون إليه أذهانهم ، ولا يصغون لكلامه رغبة عنه وكراهة له كقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } أو كانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه ، فكأنهم لم يفقهوه ، أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول ، أو جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً لا يتفهم كثير منه ، وكيف لا يتفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ثم الذي جاورهم به من الكلام وخاطبهم به هو من أفصح الكلام وأجله وأدله على معانيه بحيث يفقهه من كان بعيداً لفهم ، فضلاً عن الأذكياء العقلاء ، ولكن اللّه تعالى أراد خذلانهم . ومعنى ضعيفاً : لا قوة لك ولا عز فيما بيننا ، فلا تقدر على الامتناع منه إن أردناك بمكروه ، وعن الحسن : ضعيفاً مهيناً . وقيل : كان ناحل البدن زمنه لا يقع في القلب منه هيبة ولا في العين منه امتلاء ، والعرب تعظم بكبر الأجسام ، وتذم بدمامتها . وقال الباقر : مهجوراً لا تجالس ولا تعاشر . وقال مقاتل : ضعيفاً أي لم يؤمن بك رهطك . وقال السدي : وحيداً في مذهبك واعتقادك . وقال ابن جبير وشريك القاضي : ضعيفاً ضرير البصر أعمى . وحكى الزهراوي والزمخشري : أنّ حمير تسمي الأعمى ضعيفاً ، ويبعده تفسيره هنا بأعمى أو بناحل البدن أو بضعيف البصر كما قاله الثوري . وزعم أبو وق : أن اللّه لم يبعث نبياً أعمى ، ولا نباً به زماتة ، بل الظاهر أنه ضعيف الانتصار والقدرة . ولولا رهطك احترموه لرهطه إذ كانوا كفاراً مثلهم ، أو كان في عزة ومنعة منهم لرجمناك . ظاهره القتل بالحجارة ، وهي من شر القتلات ، وبه قال ابن زيد ، وقال الطبري : رجمناك بالسب ، وهذا أيضاً تستعمله العرب ومنه :{ لارْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيّاً } وقيل : لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا . وما أنت علينا بعزيز أي : لا تعز ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ، ونرفعك عن الرجم . وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا لم يحتاجوك علينا . وقيل : بعزيز بذي منعة ، وعزة منزلة في نفوسنا . وقيل : بذي غلبة . وقيل : بملك ، وكانوا يسمون الملك عزيزاً . قال الزمخشري : وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل ، لا في الفعل ، كأنه قيل : وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ، ولذلك قال في جوابهم : أرهطي أعز عليكم من اللّه ؟ ولو قيل : وما عززمت علينا لم يصح هذا الجواب . { فإن قلت} : فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه ، فكيف صح قوله : أرهطي أعز عليكم من اللّه ؟ { قلت} : تهاونهم به وهو نبي اللّه تهاون باللّه فحين عز عليهم رهطه دونه ، كان رهطه أعز عليهم من اللّه . ألا ترى إلى قوله تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه } انتهى . والظاهر في قوله : واتخذتموه ، أن الضمير عائد على اللّه تعالى أي : ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . والظهري بكسر الظاء منسوب إلى الظهر من تغييرات النسب ، ونظيره قولهم في النسب إلى الأمس أمسى بكسر الهمزة ، ولما خاطبوه خطاب الإهانة والجفاء جرياً على عادة الكفار مع أنبيائهم ، خاطبهم خطاب الاستعطاف والتلطف جرياً على عادته في إلا أنه القول لهم ، والمعنى : أعز عليكم من اللّه حتى جعلتم مراعاتي من أجلهم ولم يسندوها إلى اللّه ، وأنا أولى وأحق أن أراعي من أجله ، فالمراعاة لأجل الخالق أعظم من المراعاة لأجل المخلوق ، والظهري المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر . وقيل : الضمير في واتخذتموه به عائد على الشرع الذي جاء شعيب عليه السلام . وقيل : الظهري العون وما يتقوى به . قال المبرد : فالمعنى واتخذتم العصيان عنده لدفعي انتهى . فيكون على حذف مضاف أي : واتخذتموه أي عصيانه . قال ابن عطية : وقالت فرقة : واتخذتموه أي وأنتم متخذون اللّه سند ظهوركم وعماد آمالكم . فقول الجمهور : على أن كفر قوم شعيب كان جحداً باللّه وجهلاً به ، وهذا القول الثاني على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ، ومن اللفظة الاستظهار بالبينة . وقال ابن زيد : الظهري الفضل ، مثل الحمل يخرج معه بابل ظهارية يعدها إن احتاج إليها ، وإلا فهي فضلة . محيط أحاط بأعمالكم فلا يخفى عليه شيء منها ، وفي ضمنه توعد وتهديد ، وتقدم تفسير نظير قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ } وخلاف القراء في مكانتكم . وجوز الفراء ، والزمخشري : في من يأتيه أن تكون موصولة مفعولة بقوله : تعلمون أي : تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب ، واستفهامية في موضع رفع على الابتداء ، وتعلمون معلق كأنه قيل : أين يأتيه عذاب يخزيه ، وأينا هو كاذب . قال ابن عطية : والأول أحسن ، يعني كونها مفعولة قال : لأنها موصولة ، ولا يوصل في الاستفهام ، ويقضي بصلتها إن المعطوفة عليها موصولة لا محالة انتهى . وقوله : ويقضي بصلتها الخ لا يقضي بصلتها ، إذ لا يتعين أن تكون موصولة لا محالة كما قال ، بل تكون استفهامية إذا قدرتها معطوفة على من الاستفهامية ، كما قدّرناه وأينا هو كاذب . قال الزمخشري: { فإن قلت } : أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون ؟ { قلت} : أدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا : فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا ، وعملت أنت ؟ فقال : سوف تعلمون ، يوصل تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف ، كما هو عادة البلغاء من العرب . وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه . قال الزمخشري: { فإن قلت } : قد ذكر عملهم على مكانتهم ، وعمله على مكانته ، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم ، فكان القياس أن يقول من يأتيه عذاب يجزيه ، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين ، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم . { قلت} : القياس ما ذكرت ، ولكنهم لما كانوا يعدونه كاذباً قال : ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم انتهى . وفي ألفاظ هذا الرجل سوء أدب ، والذي قاله ليس بقياس ، لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه ، ولا هو داخل في التهديد المراد بقوله : سوف تعلمون ، إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم ، وأعمل على مكانتي ، ولا سوف تعلمون . واعلم أن التهديد مختص بهم . واستسلف الزمخشري قوله : قد ذكر عملهم على مكانتهم ، وعمله على مكانته ، فبنى على ذلك سؤالاً فاسداً ، لأن المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة ، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد ، ونظيره في سورة تنزيل : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } ، فهذا جاء بالنبة للمخاطبين في قوله : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم كما جاء هنا ، وارتقبوا : انتظروا العاقبة ، وما أقول لكم . والرقيب بمعنى الراقب فعيل للمبالغة ، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع ، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا . وقال الزمخشري: { فإن قلت } : ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو والساقتان الوسطيان بالفاء ؟ { قلت} : قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ }{ ذالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة ، وإنما وقعتا مبتدأتين ، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما ؟ كما تعطف قصة على قصة انتهى . وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لم يغنوا فيها . وقرأ السلمي وأبو حيوة : كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب ، والجمهور بكسرها ، أرادت العرب التفرقة بين البعد من جهة الهلاك ، وبين غيره ، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبار المعنى البعد من غير تخصيص كما يقال : ذهب فلان ، ومضى في معنى القرب . وقيل : معناه بعدا لهم من رحمة اللّه كما بعدت ثمود منها . وقال ابن قتيبة : بعد يبعد إذا كان بعده هلكة ، وبعد يبعد إذ أتاني . وقال النحاس : المعروف في اللغة بعد يبعد بعداً وبعداً إذا هلك . وقال المهدوي : بعد يستعمل في الخير والشر ، وبعد في الشر خاصة . وقال ابن الأنباري : من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب ، فيقول فيهما بعد يبعد ، وبعد يبعد . وقال مالك بن الريب : في بعد بمعنى هلك ؛ يقولون لا تبعدوهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا وبعد الفلان دعاء عليه ، ولا يدعى به إلا على مبغض كقولك : سحقاً للكافرين . وقال أهل علم البيان : لم يرد في القرآن استطراد إلا هذا الموضع ، والاستطراد قالوا : هو أن تمدح شيئاً أو تذمه ، ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله . قال حسان : إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحرث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام |
﴿ ٩٥ ﴾