١٠١

{ذالِكَ مِنْ أَنْبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَاكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أَمْرُ } : الإشارة بذلك إلى ما تقدم من ذكر الأنبياء وقومهم ، وما حل بهم من العفو ، بات أي ذلك النباء بعض أنباء القرى . ويحتمل أن يعني بالقرى قرى أولئك المهلكين المتقدم ذكرهم ، وأن يعني القرى عموماً أي :

هذا النبأ المقصوص عليك هو ديدن المدن إذ كفرت ، فدخل المدن المعاصرة . والضمير في منها عائد على القرى . قال ابن عباس : قائم وحصيد عامر كزغر وداثر ، وهذا على تأويل عموم القرى . وقال قتادة وابن جريج : قائم الجدران ومنهدم ، وهذا على تأويل خصوص القرى ، وأنها قرى أولئك الأمم المهلكين ،

وقال الزمخشري : بعضها باق وبعضها عافى الأثر كالزرع القائم على ساقه ، والذي حصد انتهى . وهذا معنى قول قتادة ، قال قتادة : قائم الأثر ودارسه ، جعل حصد الزرع كناية عن الفناء قال الشاعر : والناس في قسم المنية بينهم

كالزرع منه قائم وحصيد

. وقال الضحاك : قائم لم يخسف ، وحصيد قد خسف . وقال ابن إسحاق : قائم لم يهلك بعد ، وحصيد قد أهلك .

وقيل : قائم أي باق نسله ، وحصيد أي منقطع نسله . وهذا يتمشى على أن يكون التقدير ذلك من أنباء أهل القرى . وقد قيل : هو على حذف مضاف أي : من أنباء أهل القرى ، ويؤيده قوله : وما ظلمناهم ، فعاد الضمير على ذلك المحذوف . وقال الأخفش : حصيد أي محصود ، وجمعه حصدى وحصاد ، مثل : مرضى ومراض ، وباب فعلى جمعاً لفعيل بمعن مفعول ، أن يكون فيمن يعقل نحو : قتيل وقتلى .

وقال الزمخشري{ فإن قلت } : ما محل هذه الجملة ؟

قلت : هي مستأنفة لا محل لها انتهى . وقال أبو البقاء : منها قائم ابتداء ، وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه ، وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي : ومنها حصيد انتهى . وما ذكره تجوز أي : نقصه عليك وحال القرى ذلك ، والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين أي : نقص عليك بعض أنباء القرى وهي على هذه الحال يشاهدون فعل اللّه بها . وما ظلمناهم أي : بإهلاكنا إياههم ، بل وضعنا عليهم من العذاب ما يستحقونه ، ولكن ظلموا أنفسهم بوضع الكفر موضع الإيمان ، وارتكاب ما به أهلكوا . والظاهر أنّ قوله : فما أغنت ، نفي أي ، لم ترد عنهم من بأس اللّه شيئاً ولا أجدت . يدعون حكاية حال أي : التي كانوا يدعون ، أي يعبدون ، أو يدعونها اللات والعزى وهبل .

قال الزمخشري : ولما منصوب بما أغنت انتهى . وهذا بناء على أنّ لما ظرف ، وهو خلاف مذهب سيبويه ، لأنّ مذهبه أنها حرف وجوب لوجوب . وأمر ربك هو عذابه ونقمته . وما زادوهم عومل معاملة العقلاء في الإسناد إلى واو الضمير الذي هو لمن يعقل ، لأنهم نزلوهم منزلة العقلاء في اعتقادهم أنها تنفع ، وعبادتهم إياهم . والتتبيب التخسير . قال ابن زيد : الشر ، وقال قتادة : الخسران والهلاك ، وقال مجاهد : التخسير ،

وقيل : التدمير . وهذه كلها أقوال متقاربة .

قال ابن عطية : وصورة زيادة الأصنام التتبيب ، إنما هو يتصور بأنّ تأميلها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم عن النظر في الشرع وعاقبته ، فلحق من ذلك عقاب وخسران .

وأما بأن عذابهم على الكفر يزاد به عذاب على مجرد عبادة الأوثان .

﴿ ١٠١