١٠٥

{وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاْخِرَةِ ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ ...} : أي ومثل ذلك الأخذ أخذ اللّه الأمم السابقة أخذ ربك . والقرى عام في القرى الظالمة ، والظلم يشمل ظلم الكفر وغيره . وقد يمهل اللّه تعالى بعض الكفرة .

وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون ، وفي الحديث : { إن اللّه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته } ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذاً .

وقرأ أبو رجاء والجحدري : وكذلك أخذ ربك ، إذ أخذ على أنّ أخذ ربك فعل وفاعل ، وإذ ظرف لما مضى ، وهو إخبار عما جرب به عادة اللّه في

إهلاك من تقدم من الأمم .

وقرأ طلحة بن مصرف : وكذلك أحذ ربك هذا أخذ .

قال ابن عطية : وهي قراءة متمكنة المعنى ، ولكن قراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره في الزمان ، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي ، والقرى مفعول بأخذ على الإعمال إذ تنازعه المصدر وهو : أخذ ربك ، وأخذ ، فاعمل الثاني وهي ظالمة جملة حالية إن أخذه أليم موجع صعب على المأخوذ . والأخذ هنا أخذ الإهلاك .

إنّ في ذلك أي : فيما قص اللّه من أخبار الأمم الماضية وإهلاكهم لآية لعلامة لمن خاف عذاب الآخرة ، أي : إنهم إذا عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم باللّه ، وهي دار العمل فلأن يعذبوا على ذلك في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى ، وذلك أنّ الأنبياء أخبروا باستئصال من كذبهم ، وأشركوا باللّه . ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم ، فدل على أنّ ما أخبروا به من البعث والجزاء صدق لا شك فيه .

قال الزمخشري : لآية لمن خاف لعبرة له ، لأنه ينظر إلى ما أحل اللّه بالمجرمين في الدنيا ، وما هو إلا أنموذج مما أعد لهم في الآخرة ، فإذا رأى عظمته وشدته اعتبر به من عظيم العذاب الموعود فيكون له عظة وعبرة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من اللّه ونحوه : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَى } ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله : عذاب الآخرة ، والناس مفعول لم يسم فاعله رافعه مموع ، وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ ، ومجموع خبر مقدم ، وهو بعيد لإفراد الضمير في مجموع ، وقياسه على إعرابه مجموعون ، ومجموع له الناس عبارة عن الحشر ، ومشهود عام يشهده الأولون والآخرون من الإنس والجن والملائكة والحيوان في قول الجمهور .

وقال الزمخشري: { فإن قلت } : أي فائدة في أن أوثر اسم المفعول على فعله ؟ { قلت} : لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنه لا بد أن يكون ميعاد مضروباً لجمع الناس له ، وأنه هو الموصوف بذلك صفة لازمة ، وهو أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه ، وفيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل . ومعنى مشهود ، مشهود فيه ، فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراء له مجرى المفعول به على السعة لقوله :

ويوماً شهدناه سليماً وعامراً

والمعنى : يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد ، ومنه قولهم لفلان : مجلس مشهود ، وطعام محضور . وإنما لم يجعل اليوم مشهوداً في نفسه كما قال : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } لأن الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وغيره من بين الأيام ، وكونه مشهوداً في نفسه لا يميزه ، إذ هو موافق لسائر الأيام في كونها مشهودة . وما نؤخره أي : ذلك اليوم .

وقيل : يعود على الجزاء قاله الحوفي ، إلا لأجل معدود أي لقضاء سابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه .

وقرأ الأعمش : وما يؤخره بالياء ،

وقرأ النحويان ونافع : يأتي بإثبات الياء وصلاً ، وحذفها وقفاً ، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً ، وهي ثابتة في مصحف أبيّ .

وقرأ باقي السبعة بحذفها وصلاً ووقفاً ، وسقطت في مصحف الإمام عثمان .

وقرأ الأعمش يأتون ، وكذا في مصحف عبد اللّه ، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه ، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل ، وقفاً ووصلاً التخفيف كما قالوا : لا أدرِ ولا أبالِ . وذكر الزمخشري أنّ الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل . وأنشد الطبري :

كفاك كف ما يليق درهما

جود وأخرى تعط بالسيف الدما

والظاهر أنّ الفاعل بيأتي ضمير يعود على ما عاد عليه الضمير في نؤخره وهو قوله : ذلك يوم ، والناصب له لا تكلم ، والمعنى : لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإذن اللّه ، وذلك من عظم المهابة والهول في ذلك اليوم . وهو نظير : { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } هو ناصب كقوله :{ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً } والمراد بإتيان اليوم إتيان أهواله وشدائده ، إذ اليوم لا يكون وقتاً لإتيان اليوم .

وأجاز الزمخشري أن يكون فاعل يأتي ضميراً عائداً على اللّه قال : كقوله :{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّه }{أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } وجاء ربك ، ويعضده قراءة وما يؤخره بالياء ، وقوله :{ بِإِذْنِهِ } وأجاز أيضاً أن ينتصب يوم يأتي باذكر أو بالانتهاء المحذوف في قوله : إلا لأجل معدود ، أي ينتهي الأجل يوم يأتي . وأجاز الحوفي أن يكون لا تكلم حالاً من ضمير اليوم المتقدم في مشهود ، أو نعتاً لأنه نكره ، والتقدير : لا تكلم نفس فيه يوم يأتي إلا بإذنه . و

قال ابن عطية : لا تكلم نفس ، يصح أن يكون جملة في موضع الحال من الضمير الذي في يأتي ، وهو العائد على قوله ذلك يوم ، ويكون على هذا عائد محذوف تقديره : لا تكلم نفس فيه إلا بإذنه . ويصح أن يكون قوله : لا تكلم نفس ، صفة لقوله : يوم يأتي ، أو يوم يأتي يراد به الحين والوقت لا النهار بعينه . وما ورد في القرآن من ذكر كلام أهل الموقف في التلازم والتساؤل والتجادل ، فإما أن يكون بإذن اللّه ،

وإما أن يكون هذه مختصة هنا في تكلم شفاعة أو إقامة حجة انتهى . وكلامه في إعراب لا تكلم كأنه منقول من كلام الحوفي .

وقيل : يوم القيامة يوم طويل له مواقف ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم ، والضمير في منهم عائد على الناس في قوله : مجموع له الناس .

وقال الزمخشري : الضمير لأهل الموقف ، ولم يذكروا إلا أن ذلك معلوم ، ولأنّ قوله : لا تكلم نفس ، يدل عليه ، وقد مرّ ذكر الناس في قوله : مجموع له الناس . وقال ابن عطية فمنهم عائد على الجميع الذي تضمنه قوله : نفس ، إذ هو اسم جنس يراد به الجميع انتهى . قال ابن عباس : الشقي من كتبت عليه الشقاوة ، والسعيد الذي كتبت له السعادة .

وقيل : معذب ومنعم ،

وقيل : محروم ومرزوق ،

وقيل : الضمي في منهم عائد على أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ذكره ابن الأنباري .

﴿ ١٠٥