٢٩

{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ...} : ذكر تعالى التباين بين من يخلق وهو الباري تعالى ، وبين من لا يخلق وهي الأصنام ، ومن عبد ممن لا يعقل ، فجدير أن يفرد بالعبادة من له الإنشاء دون غيره . وجيء بمن في الثاني لاشتمال المعبود غير اللّه على من يعقل وما لا يعقل ، أو لاعتقاد الكفار أنّ لها تأثيراً وأفعالاً ، فعوملت معاملة أولي العلم ، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق ، أو لتخصيصه بمن يعلم . فإذا وقعت البينونة بين الخالق وبين غير الخالق ، من أولي العلم فكيف بمن لا يعلم البتة كقوله :{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } أي : أن آلهتهم منحطة عن حال من له أرجل ، لأنّ من له هذه حي ، وتلك أموات ، فكيف يصح أن يعبد لا أن من له رجل يصح أن يعبد ؟

قال الزمخشري: { فإن قلت } : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً باللّه ، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق ، فكان حق الإلزام أن يقال لهم : أفمن لا يخلق كمن يخلق

{قلت} : حين جعلوا غير اللّه مثل اللّه في تسميته باسمه والعبادة له ، وسووا بينه وبينه ، فقد جعلوا اللّه من جنس المخلوقات وشبيهاً بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق ، ثم وبخهم بقوله : أفلا تذكرون ، أي : مثل هذا لا ينبغي أن تقع فيه الغفلة . والنعمة يراد بها النعم لا نعمة واحدة ، يدل على ذلك قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ } وقوله :{ لاَ تُحْصُوهَا } إذ ينتفي العدو الإحصاء في الواحدة ، والمعنى : لا تحصوا عدها ، لأنها لكثرتها خرجت عن إحصائكم لها ، وانتفاء إحصائها يقتضي انتفاء القيام بحقها من الشكر . ولما ذكر نعماً سابقة أخبر أنّ جميع نعمه لا يطيقون عدها . وأتبع ذلك بقوله : إن اللّه لغفور رحيم ، حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعم ، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم ، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . ولما كان الإنسان غير قادر على أداء شكر النعم ، وأن له حالة يعرض فيها منه كفرانها قال في عقب الآية التي في إبراهيم :{ إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } أي لظلوم بترك الشكر كفار للنعمة . وفي هذه الآية ذكر الغفران والرحمة لطفاً به ، وإيذاناً في التجاوز عنه . وأخبر تعالى أنه يعلم ما يسرون ، وضمنه الوعيد لهم ، والإخبار بعلمه تعالى . وفيه التنبيه على نفي هذه الصفة الشريفة عن آلهتهم .

وقرأ الجمهور : بالتاء من فوق في تسرون وتعلنون وتدعون ، وهي قراءة : مجاهد ، والأعرج ، وشيبة ، وأبي جعفر ، وهبيرة ، عن عاصم على معنى : قل لهم .

وقرأ عاصم في مشهورة : يدعون بالياء من تحت ، وبالتاء في السابقتين .

وقرأ الأعمش وأصحاب عبد اللّه : يعلم الذي يبدون وما يكتمون ، وتدعون بالتاء من فوق في الثلاثة .

وقرأ طلحة : ما يخفون وما يعلنون ، وتدعون بالتاء من فوق ، وهاتان القراءتان مخالفتان لسواد المصحف ، والمشهور ما روي عن الأعمش وغيره ، فوجب حملها على التفسير ، لا على أنها قرآن . ولما أظهر تعالى التباين بين الخالق وغيره ، نص على أنّ آلهتهم لا تخلق ، وعلى أنها مخلوقة . وأخبر أنهم أموات . وأكد ذلك بقوله : غير أحياء ، ثم نفى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم ، فضلاً عن العلم الذي تتصف به العقلاء . وعبر بالذين وهو للعاقل عومل غيره معاملته ، لكونها عبدت واعتقدت فيها الألوهية ،

وقرأ محمد اليماني : يدعون بضم الياء وفتح العين مبنياً للمفعول ، والظاهر أنّ قوله : وهم يخلقون ، أي : اللّه أنشأهم واخترعهم .

وقال الزمخشري : ووجه آخر وهو أن يكون المعنى : أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير ، وهم لا يقدرون على ذلك فهم أعجز من عبدتهم انتهى . وأموات خبر مبتدأ محذوف أي : هم أموات . ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر . والظاهر أن هذه كلها مما حدث به عن الأصنام ، ويكون بعثهم إعادتها بعد فنائها . ألا ترى إلى قوله تعالى :{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّمَ}

وقيل : معنى بعثها إثارتها ، كما تقول : بعثت النائم من نومه إذ نبهته ، كأنه وصفهم بغاية الجمود أي : وإن طلبتهم بالتحريك أو حركتهم لم يشعروا بذلك ، ونفى عنهم الحياة لأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطق التي ينشئها اللّه حيواناً ، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها .

وأما الأصنام من الحجارة والخشب فأموات لا يعقب موتها حياة ، وذلك أعرق في موتها .

وقيل : والذين تدعون ، هم الملائكة ، وكان ناس من الكفار يعبدونهم . وأموت أي : لا بد لهم من الموت ، وغير أحياء أي : غير باق حياتهم ، وما يشعرون أي : لا علم لهم بوقت بعثهم . وجوزوا في قراءة : والذين يدعون ، بالياء من تحت أن يكون قوله : أو موت ، يراد به الكفار الذين ضميرهم في : يدعون ، شبههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال . غير مهتدين وما بعده عائد عليهم ، والبعث الحشر من قبورهم .

وقيل : في هذا التقدير وعيد أي : أيان يبعثون إلى التعذيب .

وقيل : الضمير في وما يشعرون ، للأصنام وفي : يبعثون ، لعبدتها . أي : لا تشعر الأصنام متى تبعث عبدتها . وفيه تهكم بالمشركين ، وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعث عبدتهم ، فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم . وتلخص من هذه الأقوال أن تكون الإخبار بتلك الجمل كلها من المدعوين آلهة ، أما الأصنام ،

وأما الملائكة ، أو يكون من قوله : أموات إلى آخره } سقط : إخبارا عن الكفار ، أيكون وما يشعرون أيان يبعثون فقط إخبارا عن الكفار ، أو يكون وما

يشعرون { ، إخباراً عن المدعوين ، ويبعثون : إخباراً عن الداعين العابدين .

وقرأ أبو عبد الرحمن إيان بكسر الهمزة ، وهي لغة قومه سليم . والظاهر أنّ قوله : إيان ، معمول ليبعثون ، والجملة في موضع نصب بيشعرون ، لأنه معلق . إذ معناه العلم . والمعنى : أنه نفى عنهم علم ما انفرد بعلمه الحي القيوم ، وهو وقت البعث إذا أريدبالبعث الحشر إلى الآخرة .

وقيل : تم الكلام عند قوله : وما يشعرون . وأيان يبعثون ظرف لقوله : آلهكم إله واحد ، أخبر عن يوم القيامة أنّ الإله فيه واحد انتهى . ولا يصح هذا القول لأنّ أيان إذ ذاك تخرج عما استقر فيها من كونها ظرفاً ، إما استفهاماً ،

وإما شرطاً . وفي هذا التقدير تكون ظرفاً بمعنى وقت مضافاً للجملة بعدها ، معمولاً لقوله : واحد ، كقولك : يوم يقوم زيد قائم .

وفي قوله : أيان يبعثون دلالة على أنه لا بد من البعث ، وأنه من لوازم التكليف . ولما ذكر تعالى ما اتصفت به آلهتهم بما ينافي الألوهية ، أخبر تعالى أنّ إله العالم هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ وأن الذين لا يؤمنون بالجزاء بعد وضوح بطلان أن تكون الإلهية لغيره بل له وحده ، هم مستمرون على شركهم ، منكرون وحدانيته ، مستكبرون عن الإقرار بها ، لاعتقادهم الإلهية لأصنامهم وتكبرها في الوجود . ووصفهم بأنهم لا يؤمنون بالآخرة مبالغة في نسبة الكفر إليهم ، إذ عدم التصديق بالجزاء في الآخرة يتضمن التكذيب باللّه تعالى وبالبعث ، إذ من آمن بالبعث يستحيل أن يكذب اللّه عز وجل .

وقيل : مستكبرون عن الإيمان برسول اللّه وأتباعه . وقال العلماء : كل ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان . وفي الحديث الصحيح :  { إنالمستكبرين يجيؤون أمثال الذر يوم القيامة ، يطؤهم الناس بأقدامهم } أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، وتقدم الكلام في { لاَ جَرَمَ } في هود .

وقرأ عيسى الثقفي إن بكسر الهمزة على الاستئناف والقطع مما قبله . وقال بعض أصحابنا : وقد يغني لا جرم عن لفظ القسم ، تقول : لا جرم لآتينك ، فعلى هذا يكون لقوله : إن اللّه بكسر الهمزة تعلق بلا جرم ، ولا يكون استئنافاً . وقد قال بعض الأعراب لمرداس الخارجي : لا جرم واللّه لأفارقنك أبداً ، نفى كلامه تعلقها بالقسم . وفيقوله : يعلم ما يسرون وما يعلنون وعيد وتنبيه على المجازاة ، وقال يحيى بن سلام ، والنقاش : المراد هنا بما يسرون تشاورهم في دار الندوة في قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم انتهى . ولا يحب المستكبرين عام في الكافرين والمؤمنين ، يأخذ كل واحد منهم بقسطه .

{وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالو أساطير الأولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون صلى اللّه عليه وسلم قد مكر الذين من قبلهم فأتى اللّه بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بل إن اللّه عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} قيل : سبب نزول وإذا قيل لهم الآية ، أنّ النضر بن الحرث سافر عن مكة إلى الحيرة ، وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال ككليلة ودمنة ، وأخبار اسفنديار ورستم ، فجاء إلى مكة فكان يقول : إنما يحدث محمد بأساطير الأولين وحديثي أجمل من حديثه . وما كلمة استفهام مفعول بأنزل ، أو مبتدأ خبره ذا بمعنى الذي ، وعائده في

أنزل محذوف أي : أي شيء الذي أنزله . وأجاز الزمخشري أن يكون ماذا مرفوعاً بالابتداء قال : بمعنى أي شيء أنزله ربكم . وهذا لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة الشعر ، والضمير في لهم عائد على كفار قريش . وماذا أنزل ليس معمولاً لقيل على مذهب البصرين ، لأنه جملة ، والجملة لا تقع موقع المفعول الذي لم يسم فاعله ، كما لا تقع موقع الفاعل . وقرىء شاذاً : أساطير بالنصب على معنى ذكر ثم أساطير ، أو أنزل أساطير على سبيل التهكم والسخرية ، لأنّ التصديق بالإنزال ينافي أساطير ، وهم يعتقدون أنه ما نزل شيء ولا أن ثمّ منزل . وبنى قيل : للمفعول ، فاحتمل أن كون القائل بعضهم لبعض ، واحتمل أن يكون المؤمنون قالوا لهم على سبيل الامتحان .

وقيل : قائل ذلك الذين تقاسموا مداخل مكة ينفرون عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج : ماذا أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالوا : أحاديث الأولين .

وقرأ الجمهور : برفع أساطير ، فاحتمل أن يكون التقدير المذكور : أساطير ، أو المنزل أساطير ، جعلوه منزلاً على سبيل الاستهزاء ، وإن كانوا لا يؤمنون بذلك . واللام في ليحملوا لام الأمر على معنى الحتم عليهم والصغار الموجب لهم ، أو لام التعليل من غير أن يكون غرضاً كقولك : خرجت من البلد مخافة الشر ، وهي التي يعبر عنها بلام العاقبة ، لأنهم لم يقصدوا بقولهم : أساطير الأولين ، أن يحملوا الأوزار . ولما

قال ابن عطية : إنه يحتمل أن تكون لام العاقبة قال : ويحتمل أن يكون صريح لام كي على معنى قدر هذا لكذا ، وهي لام التعليل ، لكنه لم يعلقها بقوله . قالوا : بل أضمر فعلاً آخر وهو : قدر هذا ، وكاملة حال أي : لا ينقص منها شيء ، ومِن للتبعيض .

فالمعنى : أنه يحمل من وزر كل من أضل أي : بعض وزر من ضلّ بضلالهم ، وهو وزر الإضلال ، لأنّ المضل والضال شريكان ، هذا يضله ، وهذا يطاوعه على إضلاله ، فيتحاملان الوزر ، لأنّ المضل والضال شريكان ، هذا يضله ، وهذا يطاوعه على إضلاله ، فيتحاملان الوزر . وقال الأخفشا : مِن زائدة أي : وأوزار الذين يضلونهم ، والمعنى : ومثل { أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } كقوله :{ فعليه وزرها ووزر عن عمل بها إلى يوم القيامة } المراد : ومثل وزر ، والمعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عابه حتى أن ذلك العقاب يكون مساوياً لعقاب كل من اقتدىء به في ذلك . وقال الواحدي : ليست مِن للتبعيض ، لأنه يستلزم تخفيف الأوزار عن الاتباع ، وذلك غير جائز لقوله عليه الصلاة والسلام :  { من غير أن ينقص من أوزارهم شيء } لكنها للجنس أي : ليحملوا من جنس أوزار الاتباع انتهى . ولا تتقدر من التي لبيان الجنس هذا التقدير الذي قدره الواحدي ، وإنما تقدر : الأوزار التي هي أوزار الذين يضلونهم ، فيؤول من حيث المعنى إلى قول الأخفش ، وإن اختلفا في التقدير . وبغير علم

قال الزمخشري : حال من المفعول أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلال . وقال غيره : حال من الفاعل وهو أولى ، إذ هو المحدث عنه المسند إليه الإضلال على جهة الفاعلية ، والمعنى : أنهم يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال . ثم أخبر تعالى عن سوء ما يتحملونه للآخرة ، وتقدم الكلام في إعراب مثل ساء ما يزرون . فأتى اللّه أي : أمره وعذابه والبنيان ، قيل : حقيقة . قال ابن عباس وغيره : الذين من قبلهم نمرود بني صرحاً ليصعد بزعمه إلى السماء ، وأفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين على ما حكى النقاش ، وقاله كعب الأحبار .

وقال ابن عباس ووهب : طوله في السماء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع ، فبعث اللّه تعالى عليه ريحاً فهدمته ، وخر سقفه عليه وعلى اتباعه .

وقيل : هدمه جبريل بجناحه ، وألقى أعلاه في البحر ، والحقف من أسفله . وقال ابن الكلبي : المراد المقتسمون المذكورون في سورة الحجر .

وقيل : الذين من قبلهم بخت نصر وأصحابه . وقال الضحاك : قريات قوم لوط ، وقالت فرقة : المراد بالذين من قبلهم من كفر من الأمم المتقدمة ومكر ، ونزلت به عقوبة من اللّه ، ويكون فأتى اللّه بنيانهم إلى آخره تمثيلاً والمعنى : أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها اللّه ورسوله ، فجعل اللّه

هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين ، فأتى البنيان من الأساطين بأن تضعضعت ، فسقط عليهم السقف وهلكوا ونحوه : من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً . ومن القواعد لابتداء الغاية أي : أتاهم أمر اللّه من جهة القواعد . وقالت فرقة : المراد بقوله : فخرَّ عليهم السقف من فوقهم . جاءهم العذاب من قبل السماء التي هي فوقهم ، وقاله ابن عباس .

وقيل : المعنى أحبط اللّه أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه .

قال ابن عطية : وهذا ينجر إلى اللغز . ومعنى قوله : من فوقهم ، رفع الاحتمال في قوله : فخرَّ عليهم السقف ، فإنك تقول : انهدم على فلان بناؤه وليس تحته ، كما تقول : انفسد عليه ، وقوله : من فوقه ، ألزم أنهم كانوا تحته انتهى . وهذا الذي قاله ابن الأعرابي قال : يعلمك أنهم كانوا جالسين تحته ، والعرب تقول : خر علينا سقف ، ووقع علينا سقف ، ووقع علينا حائط إذا كان يملكه . وإن لم يكن وقع عليه فجاء بقوله من فوقهم ليخرج هذا الذي في كلام العرب فقال : من فوقهم ، أي : عليهم وقع ، وكانوا تحته فهلكوا ، فأتاهم العذاب . قال ابن عباس : يعني البعوضة التي أهلك بها نمروذ ،

وقيل : من حيث لا يشعرون ، من حيث ظنوا أنهم في أمان .

وقرأ الجمهور : بنيانهم ، وقرأت فرقة بنيتهم .

وقرأ جعفر : بيتهم ، والضحاك : بيوتهم .

وقرأ الجمهور : السقف مفرداً ، والأعرج السقف بضمتين وزيد بن علي ومجاهد ، بضم السين فقط . وتقدم توجيه مثل هاتين القراءتين في وبالنجم . وقرأت فرقة : السقف بفتح السين وضم القاف ، وهي لغة في السقف ، ولعل السقف مخفف منعه ، ولكنه كثر استعماله كما قالوا في رجل رجل وهي لغة تميمية . ولما ذكر تعالى ما حل بهم في دار الدنيا ، ذكر ما يحل بهم في الآخرة . ويخزيهم : يعم جميع المكاره التي تحل بهم ، ويقتضي ذلك إدخالهم النار كقوله : { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي أهنته كل الإهانة . وجمع بين الإهانة بالفعل ، والإهانة بالقول بالتقريع والتوبيخ في قوله : يخزيهم . ويقول : أين شركائي ، أضاف تعالى الشركاء إليه ، والإضافة تكون بأدنى ملابسة ، والمعنى : شركائي في زعمكم ، إذ أضاف على الاستهزاء .

وقرأ الجمهور : شركائي ممدوداً مهموزاً مفتوح الياء ، وفرقة كذلك : تسكنها ، فسقط في الدرج لالتقاء الساكنين . والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه : مقصوراً وفتح الياء هنا خاصة . وروي عنه : ترك الهمز في القصص والعمل على الهمز فيه وقصر الممدود ، وذكروا أنه من ضرورة الشعر ، ولا ينبغي ذلك لثبوته في هذه القراءة ، فيجوز قليلاً في الكلام . والمشاقة : المفاداة والمخاصمة للمؤمنين .

وقرأ الجمهور : تشاقون بفتح النون ،

وقرأ نافع بكسرها ، ورويت عن الحسن ، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم هذه القراءة . وقرأت فرقة : بتشديدها ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية . والذين أوتوا العلم ، عام فيمن أوتي العلم من الأنبياء ، وعلماء أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم ، فلا يلتفتون إليهم ، وينكرون عليهم .

وقيل : هم الملائكة ، وقاله ابن عباس .

وقيل : الحفظة من الملائكة .

وقيل : من حضر الموقف من ملك وأنسي ، وغير ذلك . وقال يحيى بن سلام : هم المؤمنون انتهى . ويقول أهل العلم : شماتة بالكفار وتسميعاً لهم ، وفي ذلك إعظام للعلم ، إذ لا يقول ذلك إلا أهله { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تقدم تفسيره في سورة النساء . والظاهر أنّ الذين صفة للكافرين ، فيكون ذلك داخلاً في القول . فإن كان القول يوم القيامة فيكون تتوفاهم حكاية حال ماضية ، وإن كان القول في الدنيا لما أخبر تعالى أنه يخزيهم يوم القيامة ويقول لهم ما يقول قال أهل العلم : إذا أخبر اللّه تعالى بذلك أن الخزي اليوم الذي أخبر اللّه أنه يخزيهم فيه ، فيكون تتوفاهم على بابها . ويشمل من حيث المعنى من توفته ، ومن تتوفاه . ويجوز أن يكون الذين خبر مبتدأ محذوف ، وأن يكون منصوباً على الذم ، فاحتمل أن يكون مقولاً لأهل العلم ، واحتمل أنْ يكون غير مقول ، بل من إخبار اللّه تعالى . و

قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الذين مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله ، وخبره في قوله : فألقوا السلم ، فزيدت الفاء في الخبر ، وقد يجيء مثل هذا انتهى . وهذا لا يجوز إلا على مذهب الأخفش ، فإنه يجيز : زيد فقام ، أي قام . ولا يتوهم أنّ الفاء هي الداخلة

في خبر المبتدإ إذا كان موصولاً ، وضمن معنى الشرط ، لأنه لا يجوز دخولها في مثل هذا الفعل مع صريح الشرط ، فلا يجوز فيما ضمن معناه .

وقرأ حمزة ، والأعمش : يتوفاهم بالياء من أسفل في الموضعين . وقرىء : بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها ، وفي مصحف عبد اللّه بتاء واحدة في الموضعين . والسلم هنا الاستسلام . قاله الأخفش ، أو الخضوع قاله مقاتل . أي ، انقادوا حين عاينوا الموت قد نزل بهم .

وقيل : في القيامة انقادوا وأجابوا بما كانوا على خلافه في الدنيا من الشقاق والكبر . والظاهر عطف فألقوا على تتوفاهم ، وأجاز أبو البقاء أن يكون معطوفاً على قوله : الذين ، وأن يكون مستأنفاً .

وقيل : تم الكلام عند قوله : ظالمي أنفسهم ، ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، فعلى هذا يكون قوله : قال الذين إلى قوله فألقوا ، جملة اعتراضية بين الإخبار بأحوال الكفار ما كنا نعمل من سوء هو على إضمار القول أي : ونعتهم بحمل السوء ، إما أن يكون صريخ كذب كما قالوا : واللّه ربنا ما كنا مشركين ، ف

قال تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم .

وإما أن يكون المعنى : عند أنفسنا أي لو كان الكفر عند أنفسنا سواء ما علمناه . ويرجح الوجه الأول الرد عليهم ببلى ، إذ لو كان ذلك على حسب اعتقادهم لما كان الجواب بلى ، على أنه يصح على الوجه الثاني أن يرد عليهم ببلى ، والمعنى : أنكم كذبتم في اعتقادكم أنه ليس بسوء ، بل كنتم تعتقدون أنه سوء لأنكم تبينتم الحق وعرفتموه وكفرتم لقوله : { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } وقوله :{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } والظاهر أنّ هذا السياق كله هو مع أهل العلم والكفار ، وإن أهل العلم هم الذين ردوا عليهم إخبارهم بنفي عمل السوء . ويجوز أن يكون الرد من الملائكة وهم الآمروهم بالدخول في النار ، يسوقونهم إليها .

وقيل : الخزنة ، والظاهر الأبواب حقيقة .

وقيل : المراد الدركات .

وقيل : الأصناف كما يقال : فلان ينظر في باب من العلم أي صنف . وأبعد من قال : المراد بذلك عذاب القبر مستدلاً بما جاء { القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار} ولما أكذبوهم من دعواهم أخبروا أنه هو العالم بأعمالهم ، فهو المجازى عليها ، ثم أمروهم بالدخول ، واللام في فلبئس لام تأكيد ، ولا تدخل على الماضي المنصرف ، ودخلت على الجامد لبعده عن الأفعال وقربه من الأسماء . والمخصوص بالذم محذوف أي : فلبئس مثوى المتكبرين هي أي جهنم . ووصف التكبر دليل على استحقاق صاحبه النار ، وذلك إشارة إلى قوله . { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}

﴿ ٢٩