٣٥

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّه وَلاكِن } : مناسبة هذه الآية لما قلبها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم : أساطير الأولين ، ثم أتبع ذلك بوعيدهم

وتهديدهم ، ثم توعد من وصف القرآن بالخيرية بين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون عن حالهم إلا أن تأتيهم الملائكة بالتهديد ، أو امر اللّه بعذاب الاستئصال .

وقرأ حمزة والكسائي : يأتيهم بالياء ، وهي قراءة ابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، وباقي السبعة بالتاء على تأنيث الجمع ، وإتيان الملائكة لقبض الأرواح ، وهم ظالمو أنفسهم ، وأمر ربك العذاب المستأصل أو القيامة . والكاف في موضع نصب أي : مثل فعلهم في انتظار الملائكة أوامر اللّه فعل الكفار الذين يقدمونهم .

وقيل : مثل فعلهم في الكفر والديمومة عليه فعل متقدموهم من الكفار .

وقيل : فعل هنا كناية عن اغترارهم ، كأنه قيل : مثل اغترارهم باستبطاء العذاب اغتر الذين من قبلهم ، والظاهر القول الأول لدلالة : هل ينظرون عليه ، وما ظلمهم باللّه بإهلاكهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بكفرهم وتكذيبهم الذي أوجب لهم العذب في الدنيا والآخرة . وقوله : فأصابهم ، معطوف على فعل ، وما ظلمهم اعتراض . وسيئات : عقوبات كفرهم . وحاق بهم أحاط بهم جزاء استهزائهم . وقال الذين أشركوا ، تقدم تفسير مثل هذه الآية في آخر الأنعام ، فأغنى عن الكلام في هذا .

وقال الزمخشري : هنا يعني أنهم أشركوا باللّه وحرموا ما أحل من البحيرة والسائبة وغيرهما ، ثم نسبوا فعلهم إلى اللّه ، وقالوا : لو شاء اللّه لم نفعل ، وهذا مذهب المجبرة بعينه . كذلك فعل الذين من قبلهم أي أشركوا وحرموا حلال اللّه ، فلما نبهوا على قبح فعلهم وركوا على ربهم ، فهل على الرسل إلا أن يبلغوا الحق ، وأن اللّه لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان ، ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه ، وبراءة اللّه من أفعال العباد ، وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم ، واللّه تعالى باعثهم على جميلها ، وموفقهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه انتهى . وهو على طريقة الاعتزال . وهذا القول صادر ممن أقر بوجود الباري تعالى وهم الأكثرون ، أو ممن لا يقول بوجوده . فعلى تقدير أنّ الرب الذي يعبده محمد ويصفه بالعلم والقدرة يعلم حالنا ، وهذا جدال من أي الصفنين كان ليس فيه استهزاء . وقال الزجاج : قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء ، ومن المطابقة التي أنكرت مطابقة الأدلة لإقامة الحجة من مذهب خصمها مستهزئة في ذلك .

﴿ ٣٥