٥٠

{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّه مِن شَىْء يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا للّه وَهُمْ داخِرُونَ ... } : لما ذكر تعالى قدرته على تعذيب الماكرين وإهلاكهم بأنواع من الأخذ ، ذكر تعالى طواعية ما خلق من غيرهم وخضوعه ضد حال الماكرين ، لينبههم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره .

وقرأ السلمي ، والأعرج ، والأخوان : أو لم تروا بتاء الخطاب إما على العموم للخلق استؤنف به الأخبار ،

وإما على معنى : قل لهم إذا كان خطاباً خاصاً .

وقرأ باقي السبعة بالياء على الغيبة . واحتمل أيضاً أن يعود الضمير على الذين مكروا ، واحتمل أن يكون إخباراً عن المكلفين ، والأول أظهر لتقدم ذكرهم .

وقرأ أبو عمرو ، وعيسى ، ويعقوب : تتفيئوا بالتاء على لتأنيث ، وباقي السبعة بالياء .

وقرأ الجمهور : ظلاله جمع ظل .

وقرأ عيسى : ظللّه جمع ظلة ، كحلة وحلل . والرؤية هنا رؤية القلب التي يقع بها الاعتبار ، ولكنها بواسطة رؤية العين . قيل : والاستفهام هنا معناه التوبيخ . قيل : ويجوز أن يكون معناه التعجب والتقدير : تعجبوا من اتخاذهم مع اللّه شريكاً وقد رأوا هذه المصنوعات التي أظهرت عجائب قدرته وغرائب صنعه ، مع علمهم بأنّ آلهتهم التي اتخذوها شركاء لا يقدر على شيء البتة . والجملة من قوله : تتفيئوا ، في موضع الصفة قاله الحوفي ، وهو ظاهر قول ابن عطية والزمخشري .

قال ابن عطية : من شيء لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله : تتفيؤ ظلاله ، لأنّ ذلك صفة لما عرض للعبرة في جميع الأشجاص التي لها ظل .

وقال الزمخشري : وما موصولة بخلق اللّه وهو مبهم بيانه من شيء تتفيؤ ظلاله ، وقال غير هؤلاء : المعنى من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، وقوله : تتفيؤ ظلاله ، إخبار عن قوله من شيء وصف له ، وهذا الإخبار يدل على ذلك الوصف المحذوف الذي هو له ظل . وتتفيؤ تتفعل من الفيء ، وهو الرجوع يقال : فاء الظل يفيء فيأرجع ، وعاد بعدما نسخه ضياء الشمس . وفاء إذا عدي فبالهمزة كقوله :{ مَّا أَفَاء اللّه عَلَى رَسُولِهِ } أو بالتضعيف نحو : فيأ اللّه الظل فتفيأ ، وتفيأ من باب المطاوعة ، وهو لازم وقد استعمله أبو تمام متعدياً قال : طلبت ربيع ربيعة الممهى لها

وتفيأت ظلالها ممدودا

ويحتاج ذلك إلى نقله من كلام العرب متعدياً . قال الأزهري : تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس ، والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله .

وقال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه

ولا الفيء من برد العشيّ تذوق

وقال امرؤ القيس : تيممت العين التي عند ضارج

يفيء عليها الظل عرمضها طام

وعن رؤبة ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل ما لم تكن عليه فهو ظل ، وذلك أنّ الشمس من طلوعها إلى وقت الزوال تنسخ الظل ، فإذا زالت رجع ، ولا يزال ينمو إلى أن تغيب . والمشهور أنّ الفيء لا يكون إلا بعد الزوال ، والاعتبار في هذه الآية من أول النهار إلى آخره . فمعنى تتفيؤ تتنقل وتميل ، وأضاف الظلال وهي جمع إلى ضمير مفرد ، لأنه ضمير ما ، وهو جمع من حيث المعنى لقوله : { لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ } وقال صاحب اللوامح : في قراءة عيسى ظللّه ، وظله الغيم وهو جسم ، وبالكسر الفيء وهو عرض في العامة : فرأى عيسى أن التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى ،

وأما في العامة فعلى الاستعارة انتهى .

قالوا في قوله : عن اليمين والشمائل ، بحثان .

أحدهما : ما المراد بذلك .

والثاني : ما الحكمة في إفراد اليمين وجمع الشمائل ؟ أما الأول فقالوا : يمين الفلك وهو المشرق . وشماله هو المغرب . وخص هذان الاسمان بهذين الجانبين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ، ومنه تظهر الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله ، فعلى هذا تقول الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك يقع الظلال إلى الجانب الغربي ، فإن انحدرت من وسط الفلك عن الجانب الغربي وقعت الظلال في الجانب الشرقي ، فهذا المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال .

وقيل : البلدة التي عرضها أقل من مقدار الميل تكون الشمس في الصيف عن يمين البلدة فتقع الظلال على يمينهم .

وقال الزمخشري : المعنى أو لم يروا إلى ما خلق اللّه من الأجرام التي لها ضلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها عن جانبي كل واحد منها وشقيه ، استعارة من يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي : ترجع الظلال من جانب إلى جانب انتهى . و

قال ابن عطية : والمقصود العبرة في هذه الآية ، هو كل جرم له ظل كالجبال والشجر وغير ذلك ، والذي يترتب فيه أيمان وشمائل إنما هو البشر فقط ، لكن ذكر الأيمان والشمائل هنا على حسب الاستعارة لغير اللبس تقدره : ذا يمين وشمال ، وتقدره : بمستقبل أي جهة شئت ، ثم تنظر ظله فتراه يميل إما إلى جهة اليمين

وإما إلى جهة الشمال ، وذلك في كل أقطار الدنيا ، فهذا يعم ألفاظ الآية . وفيه تجوز واتساع . ومن ذهب إلى أنّ اليمين من غدوة الزوال ، ويكون من الزوال إلى المغيب عن الشمال ، وهو قول قتادة وابن جريج ، فإنما يترتب فيما قدره مستقبل الجنوب انتهى .

وأما الثاني ف

قال الزمخشري : واليمين بمعنى الأيمان ، فجعله وهو مفرد بمعنى الجمع ، فطابق الشمائل من حيث المعنى كما قال :{ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } يريد الإدبار . وقال الفراء : كأنه إذا وجد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها لأنّ قوله ما خلق اللّه من شيء ، لفظ واحد ومعناه الجمع ، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد لقوله :{ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } وقوله :{ خَتَمَ اللّه عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ }

وقيل : إذا فسرنا اليمين بالمشرق ، كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين واحدة .

وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض ، وهي كثيرة ، فلذلك عبر عنها

بصيغة الجمع . وقال الكرماني يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف ، لأنّ الظل يفيء من الجهات كلها فبدىء باليمين لأن ابتداء التفيؤ منها ، أو تيمناً بذكرها ، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين اليمين والشمال من التضاد ، وتنزل القدام والخلف منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف .

وقيل : وحد اليمين وجمع الشمائل ، لأن الابتداء عن اليمين ، ثم ينقبض شيئاً فشيئاً حالاً بعد حال ، فهو بمعنى الجمع ، فصدق على كل حال لفظة الشمال ، فتعدد بتعدد الحالات . و

قال ابن عطية : وما قال بعض الناس من أن اليمين أول وقعة للظل بعد الزوال ، ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمائل ، وأفرد اليمين فتخليط من القول ومبطل من جهات .

وقال ابن عباس : إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً ، ثم بعث اللّه عليه الشمس دليلاً فقبض إليه الظل ، فعلى هذا تأول دورة الشمس بالظل عن يمين مستقبل الجنوب ، ثم يبدأ الانحراف فهو من الشمائل ، لأنه حركات كثيرة وظلال منقطعة ، فهي شمائل كثيرة ، فكان الظل عن اليمين متصلاً واحداً عاماً لكل شيء انتهى . وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي المعروف بانب الصائغ : أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين ، لأنّ ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة ، وهو بالعشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات ، فلحظت الغايتان في الآية : هذا من جهة المعنى ، وفيه من جهة اللفظ المطابقة ، لأنّ سجداً جمع فطابقه جمع الشمائل لاتصاله به ، فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى ، ولحظهما معاً وتلك الغاية في الإعجاز انتهى . والظاهر حمل الظلال على حقيقتها ، وعلى ذلك وقع كلام أكثر المفسرين وقالوا : إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك ، فإذا ارتفعت كان على يمينك ، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك فإذا أرادت الغروب كان على يسارك . وقالت فرقة : الظلال هنا الأشخاص وهي المرادة نفسها ، والعرب تخبر أحياناً عن الأشخاص بالظلال . ومنه قول عبدة بن الطبيب : إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية

وفار للقوم باللحم المراجيل

وإنما تنصب الأخبية ، ومنه قول الشاعر : تتبع أفياء الظلال عيشة

أي : أفياء الأشخاص .

قال ابن عطية : وهذا كله محتمل غير صريح ، وإن كان أبو علي قرره انتهى .

والظاهر أن السجود هنا عبارة عن الانقياد ، وجريانها على ما أراد اللّه من ميلان تلك الظلال ودورانها كما يقال للمشير برأسه إلى الأرض على جهة الخضوع : ساجد .

قال الزمخشري : سجداً حال من الظلال ، وهم داخرون حال من الضمير في ظلاله ، لأنه في معنى الجمع ، وهو ما خلق اللّه من شيء له ظل . وجمع بالواو لأنّ الدخور من أوصاف العقلاء ، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب ، والمعنى : أنّ الظلال منقادة للّه غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها . ذاخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال اللّه فيها لا تمتنع انتهى . فغاير الزمخشري بين الحالين ، جعل سجداً حالاً من الظلال ، ووهم داخرون حالاً من الضمير في سجداً ، وأن يكون حالاً ثانية من الظلال كما تقول : جاء زيد راكباً وهو ضاحك ، فيجوز أن يكون وهو ضاحك حالاً من الضمير في راكباً ، ويجوز أن يكون حالاً من زيد ، وهذا الثاني عندي أظهر ، والعامل في الحالين هو تتفيؤ ، وعن متعلقة به ، وقاله الحوفي .

وقيل : في موضع الحال ، وقاله أبو البقاء .

وقيل : عن اسم أي : جانب اليمين ، فيكون إذ ذاك منصوباً على الظرف .

وأما ما أجازه الزمخشري من أن قوله : وهم داخرون ، حال من الضمير في ظلاله ، فعلى مذهب الجمهور لا يجوز ، وهي مسألة جاءني غلام هند ضاحكة ، ومن ذهب إلى أنه إذا كان المضاف جزءاً أو كالجزء جاز ، وقد يخبر هنا ويقول : الظلال وإن لم تكن جزءاً من الأجرام فهي كالجزء ، لأن وجودها ناشىء عن وجودها . وذهبت فرقة إلى أن السجود هنا حقيقة . قال الضحاك : إذا زالت الشمس سجد كل

شيء قبل القبلة من نبت وشجر ، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت . وقال مجاهد : إنما تسجد الظلال دون الأشخاص ، وعنه أيضاً إذا زالت الشمس سجد كل شيء . وقال الحسن : أما ظللك فيسجد للّه ،

وأما أنت فلا تسجد له .

وقيل : لما كانت الظلال ملصقة بالأرض واقعة عليها على هيئة الساجد وصفت بالسجود ، وكون السجود يراد به الحقيقة وهو الوقوع على الأرض على سبيل العبادة وقصدها يبعد ، إذ يستدعي ذلك الحياة والعلم والقصد بالعبادة . وخصّ الظل بالذكر لأنه سريع التغير ، والتغير يقتضي مغيراً غيره ومدبراً له ، ولما كان سجود الظلال في غاية الظهور بدىء به ، ثم انتقل إلى سجود ما في السموات والأرض . ومن دابة : يجوز أن يكون بياناً لما في الظرفين ، ويكون مَن في السموات خلق يدبون . ويجوز أن يكون بياناً لما في الأرض ، ولهذا قال ابن عباس : يريد كل ما دب على الأرض . وعطف والملائكة على ما في السموات وما في الأرض ، وهم مندرجون في عموم ما تشريفاً لهم وتكريماً ، ويجوز أن يراد بهم الحفظة التي في الأرض ، وبما في السموات ملائكتهنّ ، فلم يدخلوا في العموم .

وقيل : بين تعالى في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة للّه ، بين أنّ أشرف الموجودات وهم الملائكة ، وأخسها وهي الدواب منقادة له تعالى ، ودل ذلك على أن الجميع منقاد للّه تعالى .

وقيل : الدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب ، فلما ميز اللّه تعالى الملائكة عن الدابة ، علمنا أنها ليست مما يدب ، بل هي أرواح مختصة بحركة انتهى . وهو قول فلسفي . ولما كان بين المكلفين وغيرهم قدر مشترك في السجود وهو الانقياد لإرادة اللّه ، جمع بينهما فيه وإن اختلفا في كيفية السجود .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : فهلا جيء بمن دون ما تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرهم ؟

قلت : لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب ، فكان متناولاً للعقلاء خاصة ، فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم انتهى . وظاهر السؤال تسليم أنّ من قد تشمل العقلاء وغيرهم على جهة التغليب ، وظاهر الجواب تخصيص من بالعقلاء ، وأنّ الصالح للعقلاء وغيرهم ما دون من ، وهذا ليس بجواب ، لأنه أورد السؤال على التسليم ، ثم ذكر الجواب على غير التسليم فصار المعنى : أن من يغلب بها ، والجواب لا يغلب بها ، وهذا في الحقيقة ليس بجواب ، والظاهر أنّ الضمير في قوله : يخافون ، عائد على المنسوب إليهم السجود . في وللّه يسجد ، وقاله أبو سليمان الدمشقي . وقال ابن السائب ومقاتل : يخافون من صفة الملائكة خاصة ، فيعود الضمير عليهم . وقال الكرماني : والملائكة موصوفون بالخوف ، لأنهم قادرون على العصيان وإن كانوا لا يعصون . والفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى ، فإن علقته بيخافون كان على حذف مضاف أي : يخافون عذابه كائناً من فوقهم ، لأن العذاب إنما ينزل من فوق ، وإن علقته بربهم كان حالاً منه أي : يخافون ربهم عالياً لهم قاهراً لقوله : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ }{ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } وفي نسبة الخوف لمن نسب إليه السجود أو الملائكة خاصة دليل على تكليف الملائكة كسائر المكلفين ، وأنهم بين الخوف والرجاء مدارون على الوعد والوعيد كما

قال تعالى :{ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } ومن يقل منهم : إنه إله من دونه ، فذلك نجزيه جهنم .

وقيل : الخوف خوف جلال ومهابة . والجملة من يخافون يجوز أن تكون حالاً من الضمير في من لا يستكبرون ، ويجوز أن تكون بياناً لنفي الاستكبار وتأكيداً له ، لأن من خاف اللّه لم يستكبر عن عبادته . وقوله : ويفعلون ما يؤمرون ، أما المؤمنون فبحسب الشرع والطاعة ،

وأما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفذ من أمر اللّه تعالى .

﴿ ٥٠