٦٠{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللّه لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ وَيَجْعَلُونَ للّه الْبَنَاتِ ...} : الضمير في : ويجعلون ، عائد على الكفار . والظاهر أنه في يعلمون عائد عليهم . وما هي الأصنام أي : للأصنام التي لا يعلم الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لا يعلمون في اتخاذها آلهة حجة ولا برهاناً . وحقيقتها أنها جماد لا تضر ولا تنفع ولا تشفع ، فهم جاهلون بها . وقيل : الضمير في لا يعلمون للأصنام أي : للأصنام التي لا تعلم شيئاً ولا تشعر به ، إذ هي جماد ل يقم بها على البتة . والنصيب : هو ما جعلوه لها من الحرث والأنعام ، قبح تعالى فعلهم ذلك ، وهو أن يفردوا نصيباً مما أنعم به تعالى عليهم لجمادات لا تضر ولا تنفع ، ولا تنتفع هي بجعل ذلك النصيب لها ، ثم أقسم تعالى على أنه يسألهم عن افترائهم واختلاقهم في إشراكهم مع اللّه آلهة ، وأنها أهل للتقرب إليها بجعل النصيب لها ، والسؤال في الآخرة ، أو عند عذاب القبر ، أو عند القرب من الموت أقوال . ولما ذكر اللّه تعالى أنه يسألهم عن افترائهم ، ذكر أنهم مع اتخاذهم آلهة نسبوا إلى اللّه تعالى التوالد وهو مستحيل ، ونسبوا ذلك إليه فيما لم يرتضوه ، وتربد وجوههم من نسبته إليهم ويكرهونه أشد الكراهة . وكانت خزاعة وكنانة تقول : الملائكة بنات اللّه سبحانه وتنزيه له تعالى عن نسبة الولد إليه ، ولهم ما يشتهون : وهم الذكور ، وهذه الجملة مبتدأ وخبر . وقال الزمخشري : ويجوز فيما يشتهون الرفع على الابتداء ، والنصب على أن يكون معطوفاً على البنات أي : وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور انتهى . وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي . وقال أبو البقاء : وقد حكاه ، وفيه نظر . وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو : وهو أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدّى إلى ضميره المتصل المنصوب ، فلا يجوز زيد ضربه زيد ، تريد ضرب نفسه إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية ، أو فقد ، وعدم ، فيجوز : زيد ظنه قائماً وزيد فقده ، وزيد عدمه . والضمير المجرور بالحرف المنصوب المتصل ، فلا يجوز زيد غضب عليه تريد غضب على نفسه ، فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب إحذ يكون التقدير : ويجعلون لهم ما يشتهون . قالوا : وضمير مرفوع ، ولهم مجرور باللام ، فهو نظير : زيد غضب عليه . وإذا بشر ، المشهور أن البشارة أول خبر يسر ، وهنا قد يراد به مطلق الأخبار ، أو تغير البشرة ، وهو القدر المشترك بين الخبر السار أو المخبرين ، وفي هذا تقبيح لنسبتهم إلى اللّه المنزه عن الولد البنات واحدهم أكره الناس فيهنّ ، وأنفرهم طبعاً عنهن . وظل تكون بمعنى صار ، وبمعنى أقام نهاراً على الصفة التي تسند إلى اسمها تحتمل الوجهين . والأظهر أن يكون بمعنى صار ، لأنّ التبشير قد يكون في ليل ونهار ، وقد تلحظ الحالة الغالبة . وأنّ أكثر الولادات تكون بالليل ، وتتأخر أخبار المولود له إلى النهار وخصوصاً بالأنثى ، فيكون ظلوله على ذلك طول النهار . واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والتكره والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى . قيل : إذا قوي الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد ، فترى الوجه مشرقاً متلألئاً . وإذا قوي الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه ، فيربد الوجه ويصفر ويسود ، ويظهر فيه أثر الأرضية ، فمن لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده ، فلذلك كنى عن الفرح بالاستنارة ، وعن الغم بالاسوداد . وهو كظيم أي : ممتلىء القلب حزناً وغمًّا . أخبر عما يظهر في وجهه وعن ما يجنه في قلبه . وكظيم يحتمل أن يكون للمبالغة ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول لقوله : { وَهُوَ مَكْظُومٌ } ويقال : سقاء . مكظوم ، أي مملوء مشدود الفم . وروى الأصمعي أنّ امرأة ولدت بنتاً سمتها الذلفاء ، فهجرها زوجها فقالت : ما لأبي الذلقاء لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا يحردان لا نلد البنينا وإنما نأخذ ما يعطينا يتوارى : يختفي من الناس ، ومن سوء للتعليل أي : الحال له على التواري هو سوء ما أخبر به ، وقد كان بعضهم في الجاهلية يتوارى حالة الطلق ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، أو أنثى حزن . وتوارى أياماً يدبر فيها ما يصنع . أيمسكه قبله حال محذوفة دل عليها المعنى ، والتقدير : مفكراً أو مدبراً أيمسكه ؟ وذكر الضمير ملاحظة للفظ ما في قوله : من سوء ما بشر به . وقرأ الجحدري : أيمسكها على هوان ، أم يدسها بالتأنيث عوداً على قوله : بالأنثى ، أو على معنى ما بشر به ، وافقه عيسى على قراءة هوان على وزن فعال . وقرأت فرقة : أيمسكه بضمير التذكير ، أم يدسها بضمير التأنيث . وقرأت فرقة : على هون بفتح الهاء . وقرأ الأعمش : على سوء ، وهي عندي تفسير لا قراءة ، لمخالفتها السواد المجمع عليه . ومعنى الإمساك حبسه وتربيته ، والهون الهوان كما قال : { عَذَابَ الْهُونِ } والهون بالفتح الرفق واللبن ، { يَمْشُونَ عَلَى الاْرْضِ هَوْناً } وفي قوله : على هون قولان : أحدهما : أنه حال من الفاعل ، وهو مروي عن ابن عباس . قال ابن عباس : إنه صفة للأب ، والمعنى : أيمسكها مع رضاه بهوان نفسه ، وعلى رغم أنفه ؟ وقيل : حال من المفعول أي : أيمسكها مهانة ذليلة ، والظاهر من قوله : أم يدسه في التراب ، إنه يئدها وهو دفنها حية حتى تموت . وقيل : دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس في التراب . والظاهر من قوله : ألا ساء ما يحكمون ، رجوعه إلى قوله : ويجعلون للّه البنات الآية أي : ساء ما يحكمون في نسبتهم إلى اللّه ما هو مستكره عندهم ، نافر عنهن طبعهم ، بحيث لا يحتملون نسبتهن إليهن ، ويئدونهن استنكافاً منهن ، وينسبون إليهم الذكر كما قال :{ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الاْنثَى } و قال ابن عطية : ومعنى الآية يدبر أيمسك هذه الأنثى على هوان يتجلد له ، أم يئدها فيدفنها حية فهو الدس في التراب ؟ ثم استقبح اللّه سوء فعلهم وحكمهم بهذا في بناتهم ورزق الجميع على اللّه انتهى . فعلق ألا ساء ما يحكمون بصنعهم في بناتهم مثل السوء . قيل : مثل بمعنى صفة أي : صفة السوء ، وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ، ووأدهن خشية الإملاق وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ . وللّه المثل الأعلى أي : الصفة العليا ، وهي الغنى عن العالمين ، والنزاهة عن سمات المحدثين . وقيل : مثل السوء هو وصفهم اللّه تعالى بأن له البنات ، وسماه مثل السوء لنسبتهم الولد إلى اللّه ، وخصوصاً على طريق الأنوثة التي هم يستنكفون منها . وقال ابن عباس : مثل السوء النار . و قال ابن عطية : قالت فرقة مثل بمعنى صفة أي : لهؤلاء صفة السوء ، وللّه الوصف الأعلى ، وهذا لا نضطرّ إليه لأنه خروج عن اللفظ ، بل قوله : مثل ، على بابه وذلك أنهم إذا قالوا : أن البنات للّه فقد جعلوا للّه مثلاً ، فالبنات من البشر وكثرة البنات مكروه عندهم ذميم فهو المثل السوء . والذي أخبر اللّه تعالى أنهم لهم وليس في البنات فقط ، بل لما جعلوه هم البنات جعله هو هلم على الإطلاق في كل سوء ، ولا غاية أبعد من عذاب النار . وقوله : وللّه المثل الأعلى ، على الإطلاق أي : الكمال المستغنى . وقال قتادة : المثل الأعلى لا إله إلا اللّه انتهى ، وقول قتادة مروي عن ابن عباس . ولما تقدم قوله : ويجعلون للّه البنات الآية تقدم ما نسبوا إلى اللّه ، وأتى ثانياً ما كان منسوباً لأنفسهم ، وبدأ هنا بقوله : للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ، وأتى بعد ذلك بما يقابل قوله : سبحانه وتعالى من التنزيه وهو قوله : وللّه المثل الأعلى ، وهو الوصف المنزه عن سمات الحدوث والتوالد ، وهو الوصف الأعلى الذي ليس يشركه فيه غيره ، وناسب الختم بالعزيز وهو الذي لا يوجد نظيره ، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها . |
﴿ ٦٠ ﴾