٦٩

{وَإِنَّ لَكُمْ فِى الاْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ... } : لما ذكر اللّه تعالى إحياء الأرض بعد موتها ، ذكر ما ينشأ عن ما ينشأ عن المطر وهو حياة الأنعام التي هي مألوف العرب بما يتناوله من النبات الناشىء عن المطر ، ونبه على العبرة العظيمة وهو خروج اللبن من بين فرث ودم .

وقرأ ابن مسعود بخلاف ، والحسن ، وزيد بن علي ، وابن عامر ، وأبو بكر ، ونافع ، وأهل المدينة . نسقيكم هنا ، وفي قد أفلح المؤمنون : بفتح النون مضارع سقى ، وباقي السبعة بضمها مضارع أسقى ، وتقدم الكلام في سقى وأسقى في قوله { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ }

وقرأ أبو رجاء : يسقيكم بالياء مضمومة ، والضمير عائد على اللّه أي : يسقيكم اللّه . قال صاحب اللوامح : ويجوز أن يكون مسنداً إلى النعم ، وذكر لأنّ النعم مما يذكر ويؤنث ومعناه : وأنّ لكم في الأنعام نعماً يسقيكم أي : يجعل لكم سقياً انتهى . وقرأت فرقة : بالتاء مفتوحة منهم أبو جعفر .

قال ابن عطية : وهي ضعيفة انتهى . وضعفها عنده واللّه أعلم من حيث أنث في تسقيكم ، وذكر في قوله مما في بطونه ، ولا ضعف في ذلك من هذه الجهة ، لأن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين ، وأعاد الضمير مذكراً مراعاة للجنس ، لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكراً كقولهم : هو أحسن الفتيان وأنبله ، لأنه يصح هو أحسن فتى ، وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه ، إنما يقتصر فيه على ما قالته العرب .

وقيل : جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ، ومعاملة الجمع ، فيعود الضمير عليه مفرداً . كقوله :

مثل الفراخ نبقت حواصله

وقيل : أفرد على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد الجمع كما قال : فيها خطوط من سواد وبلق

كأنه في الجلد توليع البهق

فقال : كأنه وقدر بكان المذكور . قال الكسائي : أي في بطون ما ذكرنا . قال المبرد : وهذا سائغ في القرآن

قال تعالى :{ إِنَّ هَاذِهِ تَذْكِرَةٌ }{ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } أي ذكر هذا الشيء . وقال :{ فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَاذَا رَبّى } أي هذا الشيء الطالع . ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازى ، لا يجوز جاريتك ذهب . وقالت فرقة : الضمير عائد على البعض ، إذ الذكور لا ألبان لها فكأنّ العبرة إنما هي في بعض الأنعام .

وقال الزمخشري : ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة على أفعال كقولهم : ثواب

أكياش ، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً ،

وأما في بطونها في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع ، ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان :

أحدهما : أن يكون تكسير نعم كالأجبال في جبل ، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع كنعم ، فإذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله : في كل عام نعم تحوونه

يلقحه قوم وينتجونه

وإذا أنّث ففيه وجهان : إنه تكسير نعم ، وأنه في معنى الجمع انتهى .

وأما ما ذكره عن سيبويه ففي كتابه في هذا في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه :

وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها ، لأنها ضارعت الواحد . ألا ترى أنك تقول : أقوال وأقاويل ، وإعراب وأعاريب ، وأيد وأياد ، فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل ومفاعيل كما يخرج إليه الواحد إذا كسر للجمع ،

وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر ، فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا ، لأن هذا البناء هو الغاية ، فلما ضارعت الواحد صرفت . ثم قال : وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس لأن تجمع جمعاً لأخرجته إلى فعائل ، كما تقول : جدود وجدائد ، وركوب وركائب ، ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا البناء . ويقوي ذلك أنّ بعض العرب يقول : أتى للواحد فيضم الألف ،

وأما أفعال فقد تقع للواحد من العرب من يقول هو الأنعام قال جل ثناؤه وعز : نسقيكم مما في بطونه .

وقال أبو الخطاب : سمعت العرب يقولون : هذا ثواب أكياس انتهى . والذي ذكره سيبويه هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل ، وبين أفعال وفعول ، وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث أنّ مفاعل ومفاعيل لا يجمعان ، وأفعال وفعول قد يخرجان إلى بناء شبه مفاعل أو مفاعيل لشبه ذينك بالمفرد ، من حيث أنه يمكن جمعهما وامتناع هذين من الجمع ، ثم قوى شبههما بالمفرد بأنّ بعض العرب قال في أتى : أتى بضم الهمزة يعني أنه قد جاء نادراً فعول من غير المصدر للمفرد ، وبأن بعض العرب قد يوقع أفعالاً للواحدة من حيث أفرد الضمير فتقول : هو الأنعام ، وإنما يعني أن ذلك على سبيل المجاز ، لأنّ الأنعام في معنى النعم كما قال الشاعر : تركنا الخيل والنعم المفدى

وقلنا للنساء بها أقيمي

ولذلك قال سيبويه :

وأما أفعال فقد تقع للواحد دليل على أنه ليس ذلك بالوضع . فقول الزمخشري : إنه ذكره في الأسماء المفردة على أفعال تحريف في اللفظ ، وفهم عن سيبويه ما لم يرده ، ويدل على ما قلناه أنّ سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أنّ أفعالاً ليس من ابنيتها . قال سيبويه في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام : أفعيل ، ولا أفعول ، ولا أفعال ، ولا أفعيل ، ولا أفعال إلا أنْ تكسر عليه اسماً للجميع انتهى . فهذا نص منه على أنّ أفعالاً لا يكون في الأبنية المفردة . ونسقيكم مما في بطونه تبيين للعبرة .

وقال الزمخشري : وهو استئناف كأنه قيل : كيف العبرة ؟ فقيل : نسقيكم من بين فرث ودم ، أي : يخلق اللّه اللبن وسطاً بين الفرث والذم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة اللّه لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من كله انتهى . قال ابن عباس : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً يبقى فيه ، وأعلاه دماً يجري في العروق ، وأوسطه لبناً يجري في الضرع . وقال ابن جبير : الفرث في أوسط المصارين ، والدم في أعلاها ، واللبن بينهما ، والكبد يقسم الفرث إلى الكرش ، والدم إلى

العروق ، واللبن إلى الضروع .

وقال أبو عبد اللّه الرازي :

قال المفسرون : المراد من قوله من بين فرث ودم ، هو أنّ هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد ، فالفرث يكون في أسفل الكرش ، والدم في أعلاه ، واللبن في الوسط ، وقد دللنا على أنّ هذا القول على خلاف الحس والتجربة ، وكان الرازي قد قدم أن الحيوان يذبح ولا يرى في كرشه دم ولا لبن ، بل الحق أنّ الغذاء إذا تناوله الحيوان وصل إلى الكرش وانطبخ وحصل الهضم الأول فيه ، فما كان منه كثيفاً نزل إلى الأمعاء ، وصافياً انحدر إلى الكبد فينطبخ فيها ويصير دماً ، وهو الهضم الثاني مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، فتذهب الصفراء إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى الكلية ، وخالص الدم يذهب إلى الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد فيحصل الهضم الثالث . وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة ينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع ، وهو لحم رخو أبيض فينقلب من صورة الدم إلى صورة اللبن ، فهذا هو الصحيح في كيفية توالد اللبن انتهى ملخصاً . وقال أيضاً :

وأما نحن فنقول : المراد من الآية هو أنّ اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم ، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهي الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش . فاللبن متولد مما كان حاصلاً فيما بين الفرث أولاً ، ثم مما كان حاصلاً فيما بين الدم ثانياً انتهى ، ملخصاً أيضاً .

والذي يظهر من لفظ الآية أنّ اللبن يكون وسطاً بين الفرث والدم ، والبينية يحتمل أن تكون باعتبار المكانية حقيقة كما قاله المفسرون وادعى الرازي أنه على خلاف الحس والمشاهدة . ويحتمل أن تكون البينية مجازية ، باعتبار تولده من ما حصل في الفرث أولاً ، وتولده من الدم الناشىء من لطيف ما كان في الفرث ثانياً كما قرره الرازي . ومِن الأولى للتبعيض متعلقة بنسقيكم ، والثانية لابتداء الغاية متعلقة بنسقيكم ، وجاز تعلقهما بعامل واحد لاختلاف مدلوليهما . ويجوز أن يكون من بين في موضع الحال ، فتتعلق بمحذوف ، لأنه لو تأخر لكان صفة أي : كائناً من بين فرث ودم . ويجوز أن يكون من بين فرث بدلاً من ما في بطونه . وقرأت فرقة : سيغاً بتشديد الياء ، وعيسى بن عمر : سيغاً مخففاً من سيغ كهين المخفف من هين ، وليس بفعل لازم كان يكون سوغاً . والسائغ : السهل في الحلق اللذيذ ، وروي في الحديث { أنّ اللبن لم شرق به أحد قط} ولما ذكر تعالى ما منّ به من بعض منافع الحيوان ، ذكر ما منّ به من بعض منافع النبات . والظاهر تعلق من ثمرات بتتخذون ، وكررت من للتأكيد ، وكان الضمير مفرداً راعياً لمحذوف أي : ومن عصير ثمرات ، أو على معنى الثمرات وهو الثمر ، أو بتقدير من المذكور .

وقيل : تتعلق بنسقيكم ، فيكون معطوفاً على مما في بطونه ، أو بنسقيكم محذوفة دل عليها نسقيكم المتقدمة ، فيكون من عطف الجمل ، والذي قبله من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل .

وقيل : معطوف على الأنعام أي : ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة ، ثم بين العبرة بقوله : تتخذون . وقال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون . فحذف ما هو لا يجوز على مذهب البصريين ،

وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون صفة موصوف محذوف كقوله : بكفي كان من أرمي البشر . تقديره : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه انتهى . وهذا الذي أجازه قاله الحوفي قال : أي وإن من ثمرات ، وإن شئت شيء بالرفع بالابتداء ، ومن ثمرات خبره انتهى .

والسكر في اللغة الخمر . قال الشاعر :

بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم

إذا جرى منهم المزّاء والسكر

وقال الزمخشري : سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو : رشد رشداً ورشداً . قال الشاعر : وجاءونا بهم سكر علينا

فأجلى اليوم والسكران صاحي

وقاله : ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، وابن جبير ، وأبو ثور ، والجمهور . وهذه الآية مكية نزلت قبل تحريم الخمر ، ثم حرمت بالمدينة فهي منسوخة . قال الحسن : ذكر اللّه نعمته في السكر قبل تحريم الخمر .

وقال ابن عباس : هو الخل بلغة الحبشة .

وقيل : العصير الحلو الحلال ، وسمي سكراً باعتبار مآله إذا ترك . وقال أبو عبيدة : السكر الطعم ، يقال هذا سكر لك أي طعم ، واختاره الطبري قال : والسكر في كلام العرب ما يطعم . وأنشد أبو عبيدة : جعلت أعراض الكرام سكراً أي : تنقلت بأعراضهم .

وقيل : هو من الخمر ، وأنه إذا ابترك في أعراض الناس فكأنه تخمر بها ، قاله الزمخشري ، وتبع الزجاج قال : يصف أنه يخمر بعيوب الناس ، وعلى هذه الأقوال لا نسخ . وقال الزجاج : قول أبي عبيدة لا يصح ، وأهل التفسير على خلافه .

وقيل : السكر ما لا يسكر من الأنبذة ،

وقيل : السكر النبيذ ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد ، وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر انتهى . وإذا أريد بالسكر الخمر فقد تقدم أنّ ذلك منسوخ ، وإذا لم نقل بنسخ فقيل : جمع بين العتاب والمنة . يعني بالعتاب على اتخاذ ما يحرم ، وبالمنة على اتخاذ ما يحل ، وهو الخل والرب والزبيب والتمر .

وقال الزمخشري : ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً كأنه قيل : تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن انتهى . فيكون من عطف الصفات ، وظاهر العطف المغايرة . ولما كان مفتتح الكلام : وأن لكم في الأنعام لعبرة ، ناسب الختم بقوله : يعقلون ، لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول كما قال : { إِنَّ فِى ذالِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى الالْبَابِ}

وانظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن ، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة من الناس ، أخبر عن نفسه تعالى بقوله : نسقيكم . ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج إلى معالجة قال : تتخذون ، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق ، ولأمر ما عجزت العرب العرباء عن معارضته . ولما ذكر تعالى المنة بالمشروب اللبن وغيره ، أتم النعمة بذكر العسل النحل . ولما كانت المشروبات من اللبن وغيره هو الغالب في الناس أكثر من العسل ، قدم اللبن وغيره عليه ، وقدم اللبن على ما بعده لأنه المحتاج إليه كثيراً وهو الدليل على الفطرة . ولذلك اختاره الرسول صلى اللّه عليه وسلم حين أسري به ، وعرض عليه اللبن والخمر والعسل ، وجاء ترتيبها في الجنة لهذه الآية

قال تعالى :{ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } ففي إخراج اللبن من النعم والسكر ، والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، والعسل من النحل ، دلائل باهرة على الألوهية والقدرة

والاختيار . والإيحاء هنا الإلهام والإلقاء في روعها ، وتعليمها على وجه هو تعالى أعلم بكنهه لا سبيل إلى الوقوف عليه . والنحل : جنس واحده نحلة ، ويؤنث في لغة الحجاز ، ولذلك قال : أن اتحذي .

وقرأ ابن وثاب : النحل بفتح الحاء ، وأن تفسيرية ، لأنه تقدم معنى القول وهو : وأوحى . أو مصدرية أي : باتخاذ ، قال أبو عبد اللّه الرازي : أنْ هي المفسرة لما في الوحي من معنى القول ، هذا قول جمهور المفسرين وفيه نظر . لأنّ الوحي هنا بإجماع منهم هو الإلهام ، وليس في الإلهام معنى القول ، وقال : قرر تعالى في أنفسها الأعمال العجيبة التي يعجز عنها للعقلاء من البشر منها بناؤها البيوت المسدسة من أضلاع ، متساوية بمجرد طباعها ، ولا يتم مثل ذلك العقلاء إلا بآلات كالمسطرة والبركان ، ولم تبنها بأشكال غير تلك ، فتضيق تلك البيوت عنها لبقاء فرج لا تسعها ، ولها أمير أكبر جثة منها نافذ الحكم يخدمونه ، وإذ نفرت عن وكرها إلى موضع آخر وأرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات المويسيقا ، وبوساطة تلك الألحان تعود إلى وكرها ، فلما امتازت بهذه الخواص العجيبة وليس إلا على سبيل الإلهام ، وهي حالة تشبه الوحي لذلك قال : وأوحى ربك إلى النحل . انتهى ملخصاً . ومِنْ للتبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ، ولا في كل مكان منها . والظاهر أن البيوت هنا عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال ، وفي متجوف الأشجار .

وأما من ما يعرش ابن آدم فالخلايا التي يصنها للنحل ابن آدم ، والكوى التي تكون في الحيطان . ولما كان النحل نوعين : منه ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ، ومنه ما يكون في بيوت الناس ويتعهد في الخلايا ونحوها ، شمل الأمر باتخاذ البيوت النوعين .

وقال الزمخشري : ما يدل على أنّ البيوت ليست الكوى ، وإنما هي ما تبنيه هي ، فقال : أريد منى البعضية ، يعني بمن ، وأنْ لا يبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكلّ ما يعرش . وقال ابن زيد : ومما يعرشون الكروم . وقال الطبري : مما يبنون من السقوف .

قال ابن عطية : وهذا منهما تفسير غير متقن انتهى .

وقرأ السلمي ، وعبيد بن نضلة ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : بضم الراء ، وباقي السبعة بكسرها ، وتقتضي ثم المهلة والتراخي بين الاتخاذ والأكل الذي تدخر منه العسل ، فلذلك كان العطف بثم وهو معطوف على اتخذي ، وهو أمر معطوف على أمر ، وسيأتي الكلام على أمر غير المكلف في قوله : { نَمْلَةٌ يأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } إن شاء اللّه وكل الثمرات عام مخصوص أي : المعتادة ، لا كلها .

قال الزمخشري : أي ابني البيوت ثم كلي من كل ثمرة تشتهيها انتهى . فدل قوله : أي ابني البيوت ، أنه لا يريد بقوله بيوتاً الكوى التي في الجبال ومتجوف الأشجار ولا الخلايا ، وإنما يراد البيوت المسدسة التي تبينها هي . وظاهر مِن في قوله : من كل الثمرات أنها للتبعيض ، فتأكل من الأشجار الطيبة والأوراق العطرة أشياء يولد اللّه منها في أجوافها عسلاً .

قال ابن عطية : إنما تأكل النوّار من الأشجار .

وقال أبو عبد اللّه الرازي ما ملخصه : يحدث اللّه تعالى في الهواء ظلاً كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة مثل النرنجبين وهو محسوس ، وقليلاً لطيف الأجزاء صغيرها ، وهو الذي ألهم اللّه تعالى النحل التقاطه من الأزهار وأوراق الأشجار ، وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت بأفواهها شيئاً من تلك الأجزاء ، ووضعتها في بيوتها كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها ، فالمجتمع من ذلك هو العسل . وعلى هذا القول تكون من لابتداء الغاية ، لا للتبعيض انتهى . وظاهر العطف بالفاء في فاسلكي أنه بعقيب الأكل أي : فإذا أكلت فاسلكي سبل ربك ، أي طرق ربك إلى بيوتك راجعة ، والسبل إذ ذاك مسالكها في الطيران . وربما أخذت مكانها فانتجعت المكان البعيد ، ثم عادت إلى مكانها الأول .

وقيل : سبل ربك أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو فاسلكي ما أكلت أي : في سبل ربك ، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك ومنافذ مأكلك . وعلى هذا القول ينتصب سبل ربك على الظرف ، وعلى ما قبله ينتصب على المفعول به .

وقيل : المراد بقوله ثم كلي ، ثم اقصدي الأكل من الثمرات فاسلكي في طلبها سبل ربك ، وهذا القول والقول الأول أقرب في المجاز في سبل ربك من القولين اللذين بينهما ، إلا أنّ كلي بمعنى اقصدي الأكل ، مجاز أضاف السبل إلى رب النحل من حيث أنه تعالى هو

خالقها ومالكها والناظر في تهيئة مصالحها ومعاشها . وقال مجاهد : ذللاً غير متوعرة عليها سبيل تسلكه ، فعلى هذا ذللاً حال من سبيل ربك كقوله تعالى : { هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاْرْضَ ذَلُولاً } وقال قتادة : أي مطيعة منقادة . وقال ابن زيد : يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم ، فعلى هذا ذللاً حال منالنحل كقوله :{ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ } ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على المنة ثمرة هذا الاتخاذ والأكل والسلوك وهو قوله : يخرج من بطونها شراب ، وهو العسل . وسماه شراباً لأنه مما يشرب ، كما ذكر ثمرة الأنعام وهي سقي اللبن ، وثمرة النخيل والأعناب وهو اتخاذ السكر والرزق الحسن . وذكر تعالى المقر الذي يخرج منه الشراب وهو بطونها ، وهو مبدأ الغاية الأولى ، والجمهور على أنه يخرج من أفواهها وهو مبدأ الغاية الأخيرة ولذلك قال الحريري : تقل هذا مجاج النحل تمدحه

وإن ذممت تقل قيء الزنابير

والمجاج والقيء لا يكونان إلا من الفم . وروي عن عليّ كرم اللّه وجهه أنه قال في تحقير الدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة . وعنه أيضاً : أما العسل فونيم ذباب ، فظاهر هذا أن العسل يخرج من غير الفم ، وقد خفي من أي المخرجين يخرج ، أمن الفم ؟ أم من أسفل ؟ وحكي أن سليمان عليه السلام ، والاسكندر ، وأرسطاطاليس ، صنعوا لها بيوتاً من زجاج لينظروا إلى كيفية صنعها ، وهل يخرج العسل من فيها أم من أسفلها ؟ فلم تضع من العسل شيئاً حتى لطخت باطن الزجاج بالطين بحيث يمنع المشاهدة . وقال الحسن : لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم ، فجعله لعاباً كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم .

وقيل : من بطونها من أفواهها ، سمى الفم بطناً لأنه في حكم البطن ، ولأنه مما يبطن ولا يظهر . واختلاف ألوانه بالبياض والصفرة والحمرة والسواد ، وذلك لاختلاف طباع النحل ، واختلاف المراعي . وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى كما في الحديث { جرست نحلة العرفط}

وقيل : الأبيض تلقيه شباب النحل ، والأصفر كهولها ، والأحمر شبيبها . والظاهر عود الضمير فيه إلى الشراب وهو العسل ، لأنه شفاء من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة . وقلَّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل ، والعسل موجود كثير في أكثر البلدان .

وأما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث ، ولم يكن فيما تقدم في أكثر البلدان .

وأما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث ، ولم يكن فيما تقدم من الأزمان يجعل في الأشربة والأدوية إلا العسل ، وليس المراد بالناس هنا العموم ، لأن كثيراً من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل ، وإنما المعنى للناس الذي ينجع العسل في أمراضهم . ونكر شفاء إما للتعظيم فيكون المعنى فيه شفاء أي شفاء ،

وإما لدلالته على مطلق الشفاء أي : فيه بعض الشفاء . وروي عن ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والضحاك ، والفراء ، وابن كيسان : أن الضمير في فيه عائد على القرآن ، أي : في القرآن شفاء للناس . قال النحاس : وهو قول حسن أي : فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس . قال القاضي أبو بكر بن العربي : أرى هذا القول لا يصح نقله عن هؤلاء ، ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً فإن سياق الكلام كله للعسل ليس للقرآن فيه ذكر ، ولما كان أمر النحل عجيباً في بنائها تلك البيوت المسدسة ، وفي أكلها من أنواع الأزهار والأوراق الحامض

والمر والضار ، وفي طواعيتها لأميرها ولمن يملكها في النقلة معه ، وكان النظر في ذلك يحتاج إلى تأمل وزيادة تدبر ختم بقوله تعالى : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون

﴿ ٦٩