٧٤

{وَاللّه خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ... } : لما ذكر تعالى تلك الآيات التي في الأنعام والثمرات والنحل ، ذكر ما نبهنا به على قدرته التامة في إنشائنا من العدم وإماتتنا ، وتنقلنا في حال الحياة من حالة الجهل إلى حالة العلم ، وذلك كله دليل على القدرة التامة والعلم الواسع ، ولذلك ختم بقوله : عليم قدير .

وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ، ويختل النطق والفكر . وخص بالرذيلة لأنها حالة لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد ، بخلاف حال الطفولة فإنها حالة تتقدم فيها إلى القوة وإدراك الأشياء ولا يتقيد أرذل العمر بسن مخصوص ، كما روي عن علي : أنه خمس وسبعون سنة . وعن قتادة : أنه تسعون ، وإنما ذلك بحسب إنسان إنسان فرب ابن خمسين انتهى ، إلى أرذل العمر ، ورب ابن مائة لم يرد إليه . والظاهر أنّ من يرد إلى أرذل العمر عام ، فيمن يلحقه الخرف والهرم .

وقيل : هذا في الكافر ، لأن المسلم لا يزداد بطول عمره إلا كرامة على اللّه ، ولذلك

قال تعالى :{ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } أي لم يردوا إلى أسفل سافلين . وقال قتادة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر .

واللام في لكي قال الحوفي : هي لام كي دخلت على كي للتوكيد ، وهي متعلقة ببرد انتهى . والذي ذهب إليه محققو النحاة في مثل لكي أنّ كي حرف مصدري إذا دخلت عليها اللام وهي الناصبة كأن ، واللام جارة ، فينسبك من كي والمضارع بعدها مصدر مجرور باللام تقديراً ، فاللام على هذا لم تدخل على كي للتوكيد لاختلاف معناهما واختلاف عملهما ، لأن اللام مشعرة بالتعليل ، وكي حرف مصدري ، واللام جارة ، وكي ناصبة . و

قال ابن عطية : يشبه أن تكون لام صيرورة والمعنى : ليصير أمره بعد العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئاً . وهذه عبارة عن قلة علمه ، لا أنه لا يعلم شيئاً البتة .

وقال الزمخشري : ليصير إلى حالة شبيهة بحالة في النسيان ، وأن يعلم شيئاً ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إنْ سئل عنه .

وقيل : لئلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً .

وقيل : لئلا يعلم زيادة علم على علمه انتهى . وانتصب شيئاً إما بالمصدر على مذهب البصريين في اختيار أعماله ما يلي للقرب ، أو بيعلم على مذهب الكوفيين في اختيار أعمال ما سبق للسبق .

ولما ذكر ما يعرض في الهرم من ضعف القوى والقدرة وانتفاء العلم ، ذكر علمه وقدرته اللذين لا يتبدلان ولا يتغيران ولا يدخلهما الحوادث ، ووليت صفة العلم ما جاورها من انتفاء العلم ، وتقدم أيضاً ذكر مناسبة للختم بهذين الوصفين . ولما ذكر تعالى خلقنا ، ثم إماتتنا وتفاوتنا في السن ، ذكر تفاوتنا في الرزق ، وأن رزقنا أفضل من رزق المماليك وهم بشر مثلنا ، وربما كان المملوك خيراً من المولى في العقل والدين والتصرف ، وأن الفاضل في الرزق لا يساهم مملوكه فيما رزق فيساويه ، وكان ينبغي أن يردّ

فضل ما رزق عليه ويساويه في المطعم والملبس ، كما يحكى عن أبي ذرّ أنه ريء عبده وإزاره ورداؤه مثل ردائه من غير تفاوت ، عملاً بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { إنما هم أخوانكم فاكسوهم مما تلبسون واطعموهم مما تطعمون }

وعن ابن عباس وقتادة : أنّ الأخبار بقوله : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على سبيل المثل أي : إنّ المفضلين في الرزق لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم ، فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أنتم أيها الكفرة إلى اللّه تعالى أنه يشرك في ألوهيته الأوثان والأصنام ، ومن عد من الملائكة وغيرهم والجميع عبيده وخلقه ؟

وعن ابن عباس : أن الآية مشيرة إلى عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

وقال المفسرون : هذه الآية كقوله : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ } الآية .

وقيل : المعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً ، فهم في رزقي سواء ، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق ، فإنما ذلك أجريه إليهم على أيديهم . وعلى هذا القول يكون فهم فيه سواء جملة أخبار عن تساوي الجميع في أكن اللّه تعالى هو رازقهم ، وعلى القولين الآخرين تكون الجملة في موضع جواب النفي كأنه قيل : فيستووا .

وقيل : هي جملة استفهامية حذف منها الهمزة التقدير : أفهم فيه سواء أي : ليسوا مستوين في الرزق ، بل التفضيل واقع لا محالة . ثم استفهم عن جحودهم نعمة استفهام إنكار ، وأتى بالنعمة الشاملة للرزق وغيره من النعم التي لا تحصى أي : إنّ من تفضل عليكم بالنشأة أولاً ثم مما فيه قوام حياتكم جدير بأن تشكر نعمه ولا تكفر .

وقرأ أبو بكر عن عاصم ، وأبو عبد الرحمن ، والأعرج بخلاف عنه : تجحدون بالتاء على الخطاب لقوله : فضل ، تبكيتاً لهم في جحد نعمة اللّه . ولما ذكر تعالى امتنانه بالإيجاد ثم بالرزق المفضل فيه ، ذكر امتنانه بما يقوم بمصالح الإنسان مما يأنس به ويستنصر به ويخدمه ، واحتمل أن أنفسكم أن يكون المراد من جنسكم ونوعكم ، واحتمل أن يكون ذلك باعتبار خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم ، فنسب ذلك إلى بني آدم ، وكلا الاحتمالين مجاز . والظاهر أن عطف حفدة على بنين يفيد كون الجميع من الأزواج ، وأنهم غير البنين . فقال الحسن : هم بنو ابنك .

وقال ابن عباس والأزهري : الحفدة أولاد الأولاد ، واختاره ابن العربي .

وقال ابن عباس أيضاً : البنون صغار الأولاد ، والحفدة كبارهم . وقال مقاتل : بعكسه ،

وقيل : البنات لأنهنّ يخدمن في البيوت أتم خدمة . ففي هذا القول خص البنين بالذكران لأنه جمع مذكر كما قال :{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا } وإنما الزينة في الذكورة .

وعن ابن عباس : هم أولاد الزوجة من غير الزوج التي هي في عصمته .

وقيل : وحفدة منصوب بجعل مضمرة ، وليسوا داخلين في كونهم من الأزواج . فقال ابن مسعود ، وعلقمة ، وأبو الضحى ، وابراهيم بن جبير : الأصهار ، وهم قرابة الزوجة كأبيها وأخيها . وقال مجاهد : هم الأنصار والأعوان والخدم . وقالت فرقة : الحفدة هم البنون أي : جامعون بين البنوة والخدمة ، فهو من عطف الصفات لموصوف واحد . قال ابن عطية ما معناه : وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجه بنين وحفدة ، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس . ويحتمل عندي أن قوله من أزواجكم ، إنما هو على العموم والاشتراك أي : من أزواج البشر جعل اللّه منهم البنين ، ومنهم جعل الخدمة ، وهكذا رتبت الآية النعمة التي تشمل العالم . ويستقيم لفظ الحفدة على مجراها في اللغة ، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة انتهى .

وفي قوله : من أنفسكم أزواجاً دلالة على كذب العرب في اعتقادها أن الآدمي قد يتزوج من الجن ويباضعها ، حتى حكوا ذلك عن عمرو بن هندانة تزوج سعلاة .

ومِن في الطيبات للتبعيض ، لأن كل الطيبات في الجنة ، والذي في الدنيا أنموذج منها . والظاهر أنّ الطيبات هنا المستلذات لا الحلال ، لأن المخاطبين كفار لا يتلبسون بشرع . ولما ذكر تعالى ما امتن به من جعل الأزواج وما ننتفع به من جهتين ، ذكر مننه بالرزق . والطيبات عام في النبات والثمار والحبوب والأشربة ، ومن الحيوان .

وقيل : الطيبات الغنائم .

وقيل : ما أتى من غير نصب . وقال مقاتل : الباطل الشيطان ، ونعمة للّه محمد صلى اللّه عليه وسلم. وقال الكلبي : طاعة الشيطان في الحلال والحرام .

وقيل : ما يرجى من شفاعة الأصنام وبركتها .

قال الزمخشري : أفبالباطل

يؤمنون وهو ما يعتقدون من مننفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ، وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة ، فليس لهم إيمان إلا به . كأنه شيء معلوم مستيقن . ونعمة اللّه المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل ، وتمييزهم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا تتصوره العقول .

وقيل : الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ، ونعمة اللّه ما أحل لهم انتهى .

وقرأ الجمهور : يؤمنون بالياء ، وهو توقيف للرسول صلى اللّه عليه وسلم على إيمانهم بالباطل ، ويندرج في التوقيف المعطوف بعدها .

وقرأ السلمي بالتاء ، ورويت عن عاصم ، وهو خطاب إنكار وتقريع لهم ، والجملة بعد ذلك مجرد إخبار عنهم . فالظاهر أنه لا يندرج في التقريع . ويعبدون ، استفهام أخبار عن حالهم في عبادة الأصنام ، وفي ذلك تبيين لقوله : أفبالباطل يؤمنون ، نعى عليهم فساد نظرهم في عبادة ما لا يمكن أن يقع منه ما يسعى عابده في تحصيله منه وهو الرزق ، ولا هو في استطاعته . فنفى أولاً أن يكون شيء من الرزق في ملكهم ، ونفى ثانياً قدرتها على أن تحاول ذلك ، وما لا تملك في جميع من عبد من دون اللّه من ملك أو آدمي أو غير ذلك . وأجازوا في شيئاً انتصابه بقوله : رزقاً ، أجاز ذلك أبو عليّ وغيره . ورد عليه ابن الطراوة بأنّ الرزق هو المرزوق كالرعي والطحن ، والمصدر هو الرزق بفتح الراء كالرعي والطحن . ورد على ابن الطراوة بأنّ الرزق بالكسر يكون أيضاً مصدراً ، وسمع ذلك فيه ، فصح أنْ يعمل في المفعول به والمعنى : ما لا يملك أن يرزق من السموات والأرض شيئاً . ومن السموات متعلق إذ ذاك بالمصدر . قال ابن عطية بعد أن ذكر أعمال المصدر منوناً : والمصدر يعمل مضافاً باتفاق ، لأنه في تقدير الانفصال ، ولا يعمل إذا دخله الألف واللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن الفعلية . وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله ، وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر :

ضعيف النكاية أعداءه

البيت وقوله :

لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعا

انتهى . أما قوله : يعمل مضافاً بالاتفاق إنْ عنى من البصريين فصحيح ، وإن عنى من النحويين فغير صحيح ، لأنّ بعض النحويين ذهب إلى أنه وإن أضيف لا يعمل ، وإن نصب ما بعده أو رفعه إنما هو على إضمار الفعل المدلول عليه بالمصدر .

وأما قوله : لأنه في تقدير الانفصال ليس كذلك ، لأنه لو كان في تقدير الانفصال لكانت الإضافة غير محضة ، وقد قال بذلك أبو القاسم بن برهان ، وأبو الحسين بن الطراوة ، ومذهبهما فاسد لنعت هذا المصدر المضاف ، وتوكيده بالمعرفة .

وأما قوله : ولا يعمل إلى آخره فقد ناقض في قول أخيراً : وقد جاء عاملاً مع الألف واللام .

وأما كونه لا يعمل مع الألف واللام فهو مذهب منقول عن الكوفيين ، ومذهب سيبويه جواز أعماله . قال سيبويه : وتقول عجبت من

الضرب زيداً ، كما تقول : عجبت من الضارب زيداً ، تكون الألف واللام بمنزلة التنوين . وإذا كان رزقاً يراد به المرزوق فقالوا : انتصب شيئاً على أنه بدل من رزقاً ، كأنه قيل : ما لا يملك لهم من السموات والأرض شيئاً ، وهو البدل جارياً على جهة البيان لأنه أعم من رزق ، ولا على جهة التوكيد لأنه لعمومه ليس مرادفاً ، فينبغي أن لا يجوز ، إذ لا يخلو البدل من أحد نوعيه هذين . إما البيان ،

وإما التوكيد . وأجازوا أيضاً أن يكون مصدراً أي : شيئاً من الملك كقوله : ولا تضرونه شيئاً أي شيئاً من الضرر . وعلى هذين الإعرابين تتعلق من السموات بقوله : لا يملك ، أو يكون في موضع الصفة لرزق فيتعلق بمحذوف .

ومن السموات رزقاً يعني به المطر ، وأطلق عليه رزق لأنه عنه ينشأ الرزق . والأرض يعني : الشجر ، والثمر ، والزرع . والظاهر عود الضمير في يستطيعون على ما على معناها ، لأنه يراد بها آلهتهم ، بعدما عاد على اللفظ في قوله : ما لا يملك ، فأفرد وجاز أن يكون داخلاً في صلة ما ، وجاز أنْ لا يكون داخلاً ، بل إخبار عنهم بانتفاء الاستطاعة أصلاً ، لأنهم أموات .

وأما قول الزمخشري : إنه يراد بالجمع بين نفي الملك والاستطاعة التوكيد فليس كما ذكر ، لأنّ نفي الملك مغاير لنفي الاستطاعة .

وقال ابن عباس : ولا يستطيعون أن يرزقوا أنفسهم . وجوز الزمخشري وابن عطية : أن يعود الضمير على ما عاد عليه في قوله : ويعبدون ، وهم الكفار أي : ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب من ذلك شيئاً ، فكيف بالجماد الذي لا حس به قاله الزمخشري . و

قال ابن عطية : لا يستطيعون ذلك ببرهان يظهرونه وحجة يثبتونها انتهى .

ونهى تعالى عن ضرب الأمثال للّه ، وضرب الأمثال تمثيلها والمعنى هنا : تمثيل للإشراك باللّه والتشبيه به ، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال . وقصة بقصة من قولهم : هذا ضرب لهذا أي : مثل ، والضرب النوع . تقول : الحيوان على ضروب أي أنواع ، وهذا من ضرب واحد أي : من نوع واحد .

وقال ابن عباس : معناه لا تشبهوه بخلقه انتهى . وقال : إن اللّه يعلم أثبت العلم لنفسه ، والمعنى : أنه يعلم ما تفعلون من عبادة غيره والإشراك به ، وعبر عن الجزاء بالعلم : وأنتم لا تعلمون كنه ما أقدمتم عليه ، ولا وبال عاقبته ، فعدم علمكم بذلك جركم وجرأكم وهو كالتعليل للنهي عن الإشراك .

قال الزمخشري : ويجوز أن يراد أنّ اللّه يعلم كيف نضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون انتهى . وقاله ابن السائب قال : يعلم بضرب المثل ، وأنتم لا تعلمون ذلك . وقال مقاتل : يعلم أنه ليس له شريك ، وأنتم لا تعلمون ذلك .

وقيل : يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال ، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطته .

﴿ ٧٤