٨٩

{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ... } : لما ذكر إنكارهم لنعمة اللّه تعالى ، ذكر حال يوم القيامة حيث لا ينفع فيه الإنكار على سبيل الوعيد لهم بذلك اليوم . وانتصب يوم بإضمار اذكر قاله : الحوفي ، والزمخشري ، وابن عطية ، وأبو البقاء .

وقال الزمخشري : أو يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه . وقال الطبري : هو معطوف على ظرف محذوف العامل فيه : ثم ينكرونها ، أي ينكرونها اليوم . ويوم نبعث أي : ينكرون كفرهم ، فيكذبهم الشهيد ، والشهيد نبي تلك الأمة يشهد عليهم بإيمانهم وبكفرهم ، ومتعلق الأذن محذوف . فقيل : في الرجوع إلى دار الدنيا .

وقيل : في الكلام والاعتذار كما قال :{ هَاذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ } فيعتذرون أي بعد شهادة أنبيائهم عليهم ، وإلا فقبل ذلك تجادل كل أمة عن نفسه . وجاء كلامهم في ذلك ، ولكنها مواطن يتكلمون في بعضها ولا ينطقون في بعضها ولا هم يستعتبون أي : مزال عنهم العتب . وقال قوم : معناه لا يسألون أن يرجعوا عن ما كانوا عليه في الدنيا ، فهذا استعتاب معناه طلب عتباهم ، ونحوه قول من قال : ولا هم يسترضون أي : لا يقال لهم ارضوا ربكم ، لأنّ الآخرة ليست بدار عمل قاله الزمخشري . وقال الطبري : معناه يعطون الرجوع إلى الدنيا فيقع منهم توبة وعمل .

قال الزمخشري: { فإن قلت } : فما معنى ثم هذه ؟ { قلت} : معناها انهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منه ، وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقائ معذرة ، ولا إدلاء بحجة انتهى . ولما كانت حالة العذاب في الدنيا مخالفة لحال الآخرة إذ من رأى العذاب في الدنيا رجا أن يؤخر عنه ، وإن وقع فيه أن يخفف عنه ، أخبر تعالى أن عذاب الآخرة لا يكون فيه تخفيف ولا نظرة . والظاهر أنّ جواب إذا قوله فلا يخفف ، وهو على إضمار هو أي : فهو لا يخفف ، لأنه لولا تقدير الإضمار لم تدخل الفاء ، لأن جواب إذا إذا كان مضارعاً لا يحتاج إلى دخول الفاء ، سواء كان موجباً أم منفياً ، كما

قال تعالى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَاتُنَا بَيّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ } وتقول : إذا جاء زيد لا يجيء عمرو . قال الحوفي : فلا يخفف جواب إذا ، وهو العامل في إذا ، وقد تقدم لنا أنّ ما تقدم فاء الجواب في غير أما لا تعمل فيما قبله ، وبينا أنّ العامل في إذا الفعل الذي يليها كسائر أدوات الشرط ، وإن كان ليس قول الجمهور . وجعل الزمخشري جواب إذا محذوفاً فقال : وقد قدر العامل في يوم نبعث مجزوماً قال : ويوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه ، وكذلك وإذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم فلا يخفف ولا هم ينظرون كقوله :{ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً } فتبهتهم الآية انتهى . والظاهر أن قوله : شركاءهم ، عام في كل من اتخذوه شريكاً للّه من صنم ووثن وآدمي وشيطان وملك ، فيكذبهم من له منهم عقل ، فيكون : فألقوا عائداً على من له الكلام ، ويجوز أن يكون عاماً ينطق اللّه تعالى بقدرته الأوثان والأصنام . وإضافة الشركاء إليهم على هذا القول لكونهم هم الذين جعلوهم شركاء للّه . وقال الحسن : شركاؤهم الشياطين ، شركوهم في الأموال والأولاد كقوله تعالى :{ وَشَارِكْهُمْ فِى الاْمْوالِ وَالاْوْلَادِ } ،

وقيل : شركاؤهم في الكفر . وعلى القول الأول شركاؤهم في أنْ اتخذوهم آلهة مع اللّه وعبدوهم ، أو شركاؤهم في أنْ جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وأنعامهم ، والظاهر أنّ القول منسوب إليهم حقيقة .

وقيل : منسوب إلى جوارحهم ، لأنهم لما أنكروا الإشراك بقولهم :{ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } أصمت اللّه ألسنتهم وأنطق جوارحهم . ومعنى : تدعو ، ونعبد قالوا ذلك رجاء أن يشركوا معهم في العذاب ، إذ يحصل التأسي ، أو اعتذاراً عن كفرهم إذ زين لهم الشيطان ذلك وحملهم عليه ، إن كان الشركاء هم الشياطين . وقال أبو مسلم الأصبهان . قالوا : ذلك إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ، وظناً أن ذلك ينجيهم من عذاب اللّهأو من عذابهم ، فعند ذلك تكذيبهم تلك الأصنام . وقال القاضي : هذا بعيد ، لأنّ الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم ، ولا نصرة ، ولا فدية ، ولا شفاعة . وتقدم الإخبار بأنهم شركاء ، والإخبار أنهم كانوا يدعونهم : أي يعبدونهم ، فاحتمل التذكيب أن يكون عائداً للإخبار الأول أي : لسنا شركاء للّه في العبادة ، ولا آلهة نزهوا اللّه تعالى عن أن يكونوا شركاء له . واحتمل أن يكون عائداً على الإخبار الثاني وهو العبادة ، لما لم يكونوا راضين بالعبادة جعلوا عبادتهم كلا عبادة ، أو لما لم يدعوهم إلى العبادة . ألا ترى أنّ الأصنام والأوثان لا شعور لها بالعبادة ، فضلاً عن أن يدعو وإن من عبد من صالحي المؤمنين والملائكة ، لم يدع إلى عبادته . وإن كان الشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في إخبارهم بكذب من عبدهم ، كما كذب إبليس في قوله :{ إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } والضمير في إلى اللّه فألقوا عائد على الذين أشركوا ، قاله الأكثرون . والسلم : الاستسلام والانقياد لحكم اللّه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا ، فلم يكن لهم إذ ذاك حيلة ولا دفع . وروى يعقوب عن أبي عمرو : السلم بإسكان اللام .

وقرأ مجاهد : بضم السين واللام .

وقيل : الضمير عائد على الذين أشركوا ، وشركائهم كلهم . قال الكلبي : استسلموا منقادين لحكمه ، والضمير في وضلوا عائد على الذين أشركوا خاصة أي : وبطل عنهم ما كانوا يفترون من أنّ للّه شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم ، والظاهر أنّ الذين مبتدأ وزدناهم الخبر . و

قال ابن عطية : يحتمل أن يكون قوله : الذين ، بدلاً من الضمير في يفترون . وزدناهم فعل مستأنف إخباره . وصدوا عن سبيل اللّه أي : غيرهم زدناهم عذاباً بسبب الصد فوق العذاب ، أي : الذي ترتب لهم على الكفر ضاعفوا كفرهم ، فضاعف اللّه عقابهم . وهذا المزيد عن ابن مسعود عقارب كأمثال النخل الطوال ، وعنه : حيات كأمثال الفيلة ، وعقارب كأمثال البغال .

وعن ابن عباس : أنها من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون بها ، وعن الزجاج : يخرجون من حر النار إلى الزمهرير ، فيبادرون من شدة برده إلى النار ، وعلل تلك الزيادة بكونهم مفسدين غيرهم ، وحاملين على الكفر . وفي كل أمة فيها منها حذف في السابق من أنفسهم وأثبته هنا وحذف هناك في وأثبته هنا ، والمعنى في كليهما : أنه يبعث

اللّه أنبياء الأمم فيهم منهم ، والخطاب في ذلك للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والإشارة بهؤلاء إلى أمته . و

قال ابن عطية : ويجوز أن يبعث اللّه شهداء من الصالحين مع الرسل . وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحداً على معصية فانهه ، فإنْ أطاعك وإلا كنت عليه شهيداً يوم القيامة انتهى . وكان الشهيد من أنفسهم ، لأنه كان كذلك حين أرسل إليهم في الدنيا من أنفسهم . وقال الأصم أبو بكر المراد الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان حتى تشهد عليه ، لأنه قال في صفة الشهيد من أنفسهم ، وهذا بعيد لمقابلته بقوله : وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ، فيقتضي المقابلة أنّ الشهداء على الأمم أنبياؤهم كرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. ونزلنا استئناف إخبار ، وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين . لما ذكر ما شرفه اللّه به من الشهادة على أمته ، ذكر ما أنزل عليه مما فيه بيان كل شيء من أمور الدين ، ليزيح بذلك علتهم فيما كلفوا ، فلا حجة لهم ولا معذرة . والظاهر أنّ تبياناً مصدر جاء على تفعال ، وإن كان باب المصادر أن يجيء على تفعال بالفتح كالترداد والتطواف ، ونظير تبيان في كسر تائه تلقاء . وقد جوّز الزجاج فتحه في غير القرآن . و

قال ابن عطية : تبياناً اسم وليس بمصدر ، وهو قول أكثر النحاة . وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين : أنه مصدر ولم يجيء على تفعال من المصادر إلا ضربان : تبيان وتلقاء .

قال الزمخشري{ فإن قلت } : كيف كان القرآن تبياناً لكل شيء ؟ { قلت} : المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة ، حيث أمر فيه باتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وطاعته .

وقيل : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى } وحثاً على الإجماع في قوله { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وقد رضي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه ، والاقتداء بآثارهم في قوله :{ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وقد اجتهدوا ، وقاسوا ، ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيين الكتاب ، فمن ثم كان تبياناً لكل شيء . وقوله : وقد رضي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى قوله : اهتديتم ، لم يقل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في إبطال الرأي ، والقياس ، والاستحسان ، والتعليل ، والقليد ما نصه : وهذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصلح قط ، وذكر إسناده إلى البزاز صاحب المسند قال : سألتم عما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مما في أيدي العامة ترويه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو كالنجوم ، بأيها اقتدوا اهتدوا . وهذا كلام لم يصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمى ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم ، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه . والكلام أيضاً منكر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يثبت ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه ، هذا نص كلام البزار . قال ابن معين : عبد الرحيم بن زيد كذاب خبيث ليس بشيء . وقال البخاري : هو متروك ، رواه أيضاً حمزة الجزري ، وحمزة

هذا ساقط متروك . ونصبوا تبياناً على الحال . ويجوز أن يكون مفعولاً من جله . وللمسلمين متعلق ببشرى ومن حيث المعنى هو متعلق بهدى ورحمة .

﴿ ٨٩