٩٢{إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ...} : عن ابن عباس في حديث فيه طول منه : إن عثمان بن مظعون كان جليس النبي صلى اللّه عليه وسلم وقتاً فقال له : عثمان ما رأيتك تفعل فعلتك الغداة ؟ قال : { وما رأيتني فعلت ؟ } قال : شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته على يمينك فتحرفت عني إليه وتركتني ، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك قال : {أو فطنت لذلك ؟ أتاني رسول اللّه آنفاً وأنت جالس } قال : فماذا قال لك : قال لي : : عن ابن عباس في حديث فيه طول منه : إن عثمان بن مظعون كان جليس النبي صلى اللّه عليه وسلم وقتاً فقال له : عثمان ما رأيتك تفعل فعلتك الغداة ؟ قال : { وما رأيتني فعلت ؟ } قال : شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته على يمينك فتحرفت عني إليه وتركتني ، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك قال : {أو فطنت لذلك ؟ أتاني رسول اللّه آنفاً وأنت جالس } قال : فماذا قال لك : قال لي : { إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } الآية . قال عثمان : فذلك حين استقر الإيمان في قلبي ، فأحببت محمداً صلى اللّه عليه وسلم لما ذكر اللّه تعالى . ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ، وصل به ما يقتضي التكاليف فرضاً ونفلاً وأخلاقاً وآداباً . والعدل فعل كل مفروض من عقائد ، وشرائع ، وسير مع الناس في أداء الأمانات ، وترك الظلم والإنصاف ، وإعطاء الحق والإحسان فعل كل مندوب إليه قاله ابن عطية . وقال الزمخشري : العدل هو الواجب ، لأن اللّه عز وجل عدل فيه على عباده ، فجعل ما فرضه عليهم واقعاً تحت طاقتهم . والإحسان الندب ، وإنما علق أمره بهم جميعاً ، لأنّ الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب انتهى . وفي قوله : تحت طاقتهم ، نزغة الاعتزال . وعن ابن عباس : العدل لا إله إلا اللّه ، والإحسان أداء الفرائض . وعنه أيضاً أنّ العدل هو الحق . وعن سفيان بن عيينة : أنه أسوأ السريرة والعلانية في العمل . وذكر الماوردي أنه القضاء بالحق قال تعالى :{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } وقال أبو سليمان : العدل في لسان العرب الانصاف . وقيل : خلع الأنداد . وقيل : العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال . وإيتاء ذي القربى : هو صلة الرحم ، وهو مندرج تحت الإحسان ، لكنه نبه عليه اهتمامه به وحضاً على الإحسان إليه . والفحشاء : الزنا ، أو ما شنعته ظاهرة من المعاصي . وفاعلها أبداً مستتر بها ، أو القبيح من فعل أو قول ، أو البخل ، أو موجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة ، أو مجاوزة حدود اللّه أقوال ، أولها لابن عباس . والمنكر : الشرك عن مقاتل ، أو ما وعد عليه بالنار عن ابن السائب ، أو مخالفة السريرة للعلانية عن ابن عيينة ، أو ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن العذاب في الآخرة . أو ما تنكره العقول أقوال ، ويظهر أنه أعم من الفحشاء لاشتماله على المعاصي والرذائل والبغي : التطاول بالظلم والسعاية فيه ، وهو داخل في المنكر ، ونبه عليه اهتماماً باجتنابه . وجمع في المأمور به والمنهى عنه بين ما يجب ويندب ، وما يحرم ويكره ، لاشتراك ذلك في قدر مشترك وهو الطلب في الأمر ، والترك في النهي . وقال أبو عبد اللّه الرازي : أمر بثلاثة ، ونهى عن ثلاثة . فالعدل التوسط بين الإفراط والتفريط ، وذلك في العقائد وأعمال الرعاة . فقال ابن عباس : العدل لا إله إلا اللّه ، وهو إثبات الإله الواحد ، فليس تعطيلاً محضاً ولا إثبات أكثر من إله . وإثبات كونه عالماً قادراً واجب الصفات فليس نفياً للصفات ، ولا إثبات صفة حادثة متغيرة . وكون فعل العبد بواسطة قدرته تعالى ، والداعية التي جعلها فيه فليس جبراً محضاً ، ولا استقلالاً بالفعل . وكونه تعالى يخرج من النار من دخلها من أهل التوحيد ، فليس إرجاء ولا تخليداً بالمعصية . وأما أعمال الرعاة فالتكاليف اللازمة لهم ، فليس قولاً بأنه لا تكليف ، ولا قولاً بتعذيب النفس واجتناب ما يميل الطبع إليه من : أكل الطيب ، والتزوج ، ورمى نفسه من شاهق ، والقصاص ، أو الدية ، أو العفو ، فليس تشديداً في تعيين القصاص كشريعة موسى عليه السلام ، ولا عفواً حتماً كشريعة عيسى عليه السلام ، وتجنب الحائض في اجتناب وطئها فقط فليس اجتناباً مطلقاً كشريعة موسى عليه السلام ، ولا حل وطئها حالة الحيض كشريعة عيسى عليه السلام ، والاختتان فليس إبقاء للقلفة ولا قطعاً للآلة كما ذهب إليه المانوية . وقال تعالى :{ وَكَذالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ } ولا تجعل الآيتين . ومن المشهور قولهم بالعدل : قامت السموات والأرض ، ومعناه : إن مقادير العناصر لو لم تكن متعادلة ، وكان بعضها أزيد ، لغلب الازدياد وانقلبت الطبائع . فالشمس لو قربت من العالم لعظمت السخونة واحترق ما فيه ، ولو زاد بعدها لاستوى الحر والبرد . وكذا مقادير حركات الكواكب ، ومراتب سرعتها ، وبطئها . والإحسان : الزيادة على الواجب من الطاعات بحسب الكمية والكيفية ، والدواعي ، والصوارف ، والاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية . ومن الإحسان الشفقة على الخلق ، وأصلها صلة الرحم ، والمنهى عنه ثلاثة . وذلك أنه أودع في النفس البشرية قوى أربعة : الشهوانية وهي تحصيل اللذات ، والغضبية وهي : إيصال الشر ، ووهمية : وهي شيطانية تسعى في الترفع والتراوس على الناس . فالفحشاء ما نشأ عن القوّة الشهوانية الخارجة عن أدب الشريعة ، والمنكر ما نشأ عن الغضبية ، والبغي ما نشأ عن الوهمية انتهى . ما تخلص من كلامه عفا اللّه عنه . ولما أمر تعالى بتلك الثلاث ، ونهى عن تلك الثلاث قال : يعظكم به ، أي بما ذكر تعالى من أمر ونهي ، والمعنى : ينبهكم أحسن تنبيه لعلكم تذكرون أي : تتنبهون لما أمرتم به ونهيتم عنه ، وعقد اللّه علم لما عقده الإنسان والتزمه مما يوافق الشريعة . وقال الزمخشري : هي البيعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه} وكأنه لحظ ما قيل أنها نزلت في الذين بايعوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام ، رواه عن بريدة . وقال قتادة ومجاهد : فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر . وقال ميمون بن مهران : الوفاء لمن عاهدته مسلماً كان أو كافراً ، فإنما العهد للّه . وقال الأصم : الجهاد وما فرض في الأموال من حق . وقيل : اليمين باللّه ، ولا تنقضوا العهود الموثقة بالإيمان ، نهى عن نقضها تهمماً بها بعد توكيدها أي : توثيقها باسم اللّه وكفالة اللّه وشهادته ، ومراقبته ، لأن الكفيل مراع لحال المكفول به . ولا تكونوا أي : في نقض العهد بعد توكيده باللّه كالمرأة الورهاء تبرم فتل غزلها ثم تنقضه نكثاً ، وهو ما يحل فتله . والتشبيه لا يقتضي تعيين المشبه به . وقال السدي ، وعبد اللّه بن كثير : هي امرأة حمقاء كانت بمكة . وعن الكلبي ومقاتل : هي من قريش خرقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم ، تلقب بجفراء ، اتخذت مغزلاً قدر ذراع ، وصنارة مثل أصبع ، وفلكة عظيمة على قدرها ، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن . وعن مجاهد : هذا فعل نساء أهل نجد ، تنقض إحداهن غزلها ثم تنفشه ، وتخلطه بالصوف فتغزله . وقال ابن الأنباري : ريطة بنت عمرو المرية ، ولقبها الجفراء من أهل مكة ، وكانت معروفة عند المخاطبين . والظاهر أنّ المراد بقوله : من بعد قوّة أي : شدة حدثت من تركيب قوى الغزل . ولو قدرناها واحدة القوى لم تكن تنتقض أنكاثاً . والنكث في اللغة الحبل إذا انتقضت قواه . وقال مجاهد : المعنى من بعد إمرار قوة . والدخل : الفساد والدغل ، جعلوا الإيمان ذريعة إلى الخدع والغدر ، وذلك أن المحلوف له مطمئن ، فيمكن الحالف ضره بما يريده . قالوا : نزلت في العرب كانوا إذا حالفوا قبيلة فجاء أكثر منها عدداً حالفوه وغدروا بالتي كانت أقل . وقيل : أن تكونوا أنتم أزيد خبراً ، فأسند إلى أمة ، والمراد المخاطبون . وقال ابن بحر : الدخل والداخل في الشيء لم تكن منه ، ودخلاً مفعول ثان . وقيل : مفعول من أجله ، وأن تكون أي : بسبب أن تكون وهي أربى مبتدأ وخبر . وأجاز الكوفيون أن تكون هي عماداً يعنون فضلاً ، فيكون أربى في موضع نصب ، ولا يجوز ذلك عند البصريين لتنكير أمة . والضمير في به عائد على المصدر المنسبك من أن تكون أي : بسبب كون أمة أربى من أمة يختبركم بذلك . قال الزمخشري : لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد اللّه ، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم وليبينن لكم : إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام انتهى . وقيل : يعود على الوفاء بالعهد . وقال ابن جبير ، وابن السائب ، ومقاتل : يعود على الكثرة . قال ابن الأنباري : لما كان تأنيثها غير حقيقي حمل على معنى التذكير ، كما حملت الصيحة على الصياح |
﴿ ٩٢ ﴾