٢٩

ولا تجعل يدك . . . . .

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } الآية . قيل : نزلت في إعطائه صلى اللّه عليه وسلم قميصه ولم يكن له غيره وبقي عرياناً .

وقيل : أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وعيينة مثل ذلك ، والعباس بن مرداس خمسين ثم كملها مائة فنزلت ، وهذه استعارة استعير فيها المحسوس للمعقول ، وذلك أن البخل معنى قائم بالإنسان يمنعه من التصرف في ماله فاستعير له الغل الذي هو ضم اليد إلى العنق فامتنع من تصرف يده وإجالتها حيث تريد ، وذكر اليد لأن بها الأخذ والإعطاء ، واستعير بسط اليد لإذهاب المال وذلك أن قبض اليد يحبس ما فيها ، وبسطها يذهب ما فيها ، وطابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها ، وغلها أبلغ في القبض وقد طابق بينهما أبو تمام . فقال في المعتصم : تعوّد بسط الكف حتى لوانّه

ثناها لقبض لم تجبه أنامله

وقال الزمخشري : هذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف ، أمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والاقتار انتهى . والظاهر أنه مراد بالخطاب أمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإلاّ فهو صلى اللّه عليه وسلم كان لا يدّخر شيئاً لغد ، وكذلك من كان واثقاً باللّه حق الوثوق كأبي بكر حين تصدّق بجميع ماله . وقال ابن جريج وغيره : المعنى لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق { وَلاَ تَبْسُطْهَا } فيما نهيتك عنه وروي عن قالون : كل البصط بالصاد فتقعد جواب للّهيئتين باعتبار الحالين ، فالملوم راجع لقوله :{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ} كما قال الشاعر : إن البخيل ملوم حيث كان

ولكن الجواد على علاتّه هرم

والمحسور راجع لنوله { وَلاَ تَبْسُطْهَا } وكأنه قيل فتلام وتحسر ،

﴿ ٢٩