١٨

قال هي عصاي . . . . .

{قَالَ هِىَ عَصَاىَ}

وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري عصَيّ بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم .

وقرأ الحسن عَصَايِ بكسر الياء وهي مروية عن ابن أبي إسحاق أيضاً وأبي عمرو معاً ، وهذه الكسرة لالتقاء الساكنين . وعن أبي إسحاق والجحدري عَصَايْ بسكون الياء .{ قَالَ هِىَ } أي أتحامل عليها في المشي والوقوف ، وهذا زيادة في الجواب كما جاء } هو الطهور ماؤه الحل ميتته} . في جواب من سأل أيتوضأ بماء البحر ؟ وكما جاء في جواب ألهذا حج ؟ قال : { نعم ولك أجر} . وحكمة زيادة موسى عليه السلام رغبته في مطاولة مناجاته لربه تعالى ، وازدياد لذاذته بذلك كما قال الشاعر : وأملي عتاباً يستطاب فليتني

أطلت ذنوباً كي يطول عتابه

وتعداده نعمه تعالى عليه بما جعل له فيها من المنافع ، وتضمنت هذه الزيادة تفصيلاً في قوله { قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ } وإجمالاً في قوله { وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَى}

وقيل :{ قَالَ هِىَ } جواب لسؤال آخر وهو أنه لما قال { هِىَ عَصَاىَ } قال له تعالى فما تصنع بها ؟ قال :{ قَالَ هِىَ } الآية .

وقيل : سأله تعالى عن شيئين عن العصا بقوله { وَمَا تِلْكَ } وبقوله { بِيَمِينِكَ } عما يملكه ، فأجابه عن { وَمَا تِلْكَ } ؟ بقوله { هِىَ عَصَاىَ } وعن قوله { بِيَمِينِكَ } بقوله { قَالَ هِىَ عَصَاىَ } إلى آخره انتهى . وفي التحقيق ليس قوله { بِيَمِينِكَ } بسؤال وقدم في الجواب مصلحة نفسه في قوله { قَالَ هِىَ } ثم ثنى بمصلحة رعيته في قوله { وَأَهُشُّ}

وقرأ الجمهور { وَأَهُهُّ } بضم الهاء والشين المعجمة ، والنخعي بكسرها كذا ذكر أبو الفضل الرازي وابن عطية وهي بمعنى المضمومة الهاء والمفعول محذوف وهو الورق . قال أبو الفضل : ويحتمل ذلك أن يكون من هش يهش هشاشة إذا مال ، أي أميل بها على غنمي بما أصلحها من السوق وتكسير العلف ونحوهما ، يقال منه : هش الورق والكلأ والنبات إذا جف ولأن انتهى .

وقرأ الحسن وعكرمة : وأَهُسُّ بضم الهاء والسين غير معجمة ، والهس السوق ومن ذلك الهس والهساس غير معجمة في الصفات . ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ وأَهُسُّ بضم الهمزة من أهس رباعياً وذكر صاحب اللوامح عن عكرمة ومجاهد وأَهُهُّ بضم الهاء وتخفيف الشين قال : ولا أعرف وجهه إلاّ أن يكون بمعنى العامة لكن فرّ من قراءته من التضعيف لأن الشين فيه تفش فاستثقل الجمع بين التضعيف والتفشي . فيكون كتخفيف ظلت ونحوه . وذكر الزمخشري عن النخعي أنه قرأ { عَلَيْهَا وَأَهُشُّ } بضم الهمزة والشين المعجمة من أهش رباعياً قال : وكلاهما من هش الخبز يهش إذا كان يتكسر لهشاشته . ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه اللّه تعالى فقال ما هي إلاّ عصا لا تنفع إلاّ منافع بنات جنسها كما ينفع العيدان ليكون جوابه مطابقاً

للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه ، ويجوز أن يريد عز وجل أن يعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة كأنه يقول أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة . كنت تعتد بها وتحتفل بشأنها وقالوا اسم العصا نبعة انتهى .

وقرأت فرقة { غَنَمِى } بسكون النون وفرقة عليّ غنمي بإيقاع الفعل على الغنم . والمآرب ذكر المفسرون أنها كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين ، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب ، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل ، وإذا قصر رشاؤه وصل بها وكان يقاتل بها السباع عن غنمه .

وقيل : كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل ، وإذا ظهر عدو حاربت عنه ، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت ، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب . وكانت تقيه الهوامّ ويردّ بها غنمه وإن بعد واو هذه العصا أخذها من بيت عصي الأنبياء التي كانت عند شعيب حين اتفقا على الرعية هبط بها آدم من الجنة وطولها عشرة أذرع ،

وقيل : اثنتا عشرة بذراع موسى عليه السلام وعامل المآرب وإن كان جمعاً معاملة الواحدة المؤنثة فأتبعها صفتها في قوله أخرى ولم يقل آخر رعياً للفواصل وهي جائز في غير الفواصل . وكان أجود وأحسن في الفواصل .

وقرأ الزهري وشيبة : مارب بغير همز كذا قال الأهوازي في كتاب الإقناع في القراءات ويعني واللّه أعلم بغير هم محقق ، وكأنه يعني أنهما سهلاها بين بين .

﴿ ١٨