٤٠

أن اقذفيه في . . . . .

وقد فسر هنا بقوله { أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ}

قال الزمخشري : و { ءانٍ } هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول . و

قال ابن عطية : و { ءانٍ } في قوله { أَنِ اقْذِفِيهِ } بدل من ما يعني أنّ{ ءانٍ } مصدرية فلذلك كان لها موضع من الإعراب . والوجهان سائغان والظاهر أن { التَّابُوتِ } كان من خشب .

وقيل : من بردى شجر مؤمن آل فرعون سدت خروقه وفرشت فيه نطعاً .

وقيل : قطناً محلوجاً وسدت فمه وجصصته وقيرته وألقته في { أَلِيمٌ } وهو اسم للبحر العذب .

وقيل : اسم للنيل خاصة والأول هو الصواب كقوله { فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمّ } ولم يغرقوا في النيل .

والظاهر أن الضمير في { فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمّ } عائد على موسى ، وكذلك الضميران بعده إذ هو المحدث عنه لا { التَّابُوتِ } إنما ذكر { التَّابُوتِ } على سبيل الوعاء والفضلة . و

قال ابن عطية : والضمير الأول في { قذفيه } عائد على موسى وفي الثاني عائد على { فِى التَّابُوتِ } ويجوز أن يعود على موسى .

وقال الزمخشري : والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظم

فإن قلت : المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل

قلت : ما ضرك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن ، والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر انتهى .

ولقائل أن يقول أن الضمير إذا كان صالحاً لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحاً ، وقد نص النحويون على هذا فعوده على { التَّابُوتِ } في قوله { فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ } راجح ، والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرحج ، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا رددنا على أبي محمد بن حزم في دعواه أن الضمير في قوله { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } عائد على خنزير لا على لحم لكونه أقرب مذكور ، فيحرم بذلك شحمه وغضروفه وعظمه وجلده بأن المحدث عنه هو لحم خنزير لا خنزير .

و { فَلْيُلْقِهِ } أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها ، ومنه قول النب : ي صلى اللّه عليه وسلم : { قوموا فلأصل لكم} . أخرج الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة ، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك وهو قوله { يَأْخُذْهُ}

وقال الزمخشري : لما كانت مشيئة اللّه وإرادته أن لا يخطىء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقاءه إليه سلك في ذلك سبل المجاز ، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ } انتهى . وقال الترمذي : إنما ذكره بلفظ الأمر لسابق علمه بوقوع المخبر به على ما أخبر به ، فكأن البحر مأمور ممتثل للأمر . وقال الفراء :{ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمّ } أمر وفيه معنى المجازاة أي اقذفيه يلقه اليم ، والظاهر أن البحر ألقاه بالساحل فالتقطه منه .

وروي أن فرعون كان يشرب في موضع من النيل إذ رأى التابوت فأمر به فسيق إليه وامرأته معه ففتح قرأوه فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه ابناً فأباح لها ذلك . وروي أن التابوت جاء في الماء إلى المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون يستقين منها الماء . فأخذت التابوت وجلبته إليها فأخرجته وأعلمته فرعون والعد والذي للّه ولموسى هو فرعون ، وأخبرت به أم موسى على طريق الإلهام ولذلك قالت لأخته { قُصّيهِ } وهي لا تدري أين استقر .

{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى} قيل : محبة آسية وفرعون ، وكان فرعون قد أحبه حباً شديداً حتى لا يتمالك أن يصبر عنه . قال ابن عباس : أحبه اللّه وحببه إلى خلقه . وقال عطية : جعلت عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه . وقال قتادة : كان في عينيه ملاحة ما رآه أحد إلاّ أحبه . و

قال ابن عطية : وأقوى الأقوال أنه القبول .

وقال الزمخشري :{ مِنّي } لا يخلوا أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أحببتك ومن أحبه اللّه أحبته القلوب ،

وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة أي محبة خالصة أو واقعة مني قد ركزتها أنا فيها في القلوب وزرعتها فيها ، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك .

وقرأ الجمهور { وَلِتُصْنَعَ } بكسر لام كي وضم التاء ونصب الفعل أي ولتُرَبَّي ويحسن إليك . وأنا مراعيك وراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به . قال قريباً منه قتادة . وقال النحاس : يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه وهو معطوف على علة محذوف أي ليتلطف بك { وَلِتُصْنَعَ } أو متعلقة بفعل متأخر تقديره فعلت ذلك .

وقرأ الحسن وأبو نهيك بفتح التاء . قال ثعلب : معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني .

وقرأ شيبة وأبو جعفر في رواية بإسكان اللام والعين وضم التاء فعل أمر ، وعن أبي جعفر كذلك إلا أنه كسر اللام .

{إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ } قيل اسمها مريم سبب ذلك أن آسية عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة ، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف به ويعرض للمراضع فيأبى ، وبقيت أمه بعد قذفه في اليم مغمومة فأمرت أخته بالتفتيش في المدينة لعلها تقع على خبره ، فبصرت به في طوافها فقالت { أَنَاْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } فتعلقوا بها وقالوا : أنت عرفين هذا الصبيّ ؟ فقالت : لا ، ولكن أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها ، فتركوها وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها فسرّت آسية وقالت لها : كوني معنى في القصر ، فقالت : ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي قالت : نعم ، فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع والنسب من الملكة ، ولما كمل رضاعه أرسلت آسية إليها أن جيئيني بولدي ليوم كذا ، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس ، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل شباب ، فسرّت به ودخلت به على فرعون ليراه وليهبه فأعجبه وقرّبه ، فأخذ موسى بلحية فرعون وتقدم ما جرى له عند ذكر العقدة .

والعامل في { إِذَا } قال ابن عطية فعل مضمر تقديره ومننا إذ .

وقال الزمخشري العامل في { إِذْ تَمْشِى }{ ألقيت } أو تصنع ، ويجوز أن يكون بدلاً من { أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا }

فإن قلت : كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان ؟

قلت : كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل لقيت فلاناً سنة كذا ، فتقول : وأنا لقيته إذ ذاك . وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها انتهى . وليس كما ذكر لأن السنة تقبل الاتساع فإذا وقع لقيهما فيها بخلاف هذين الطرفين فإن كل واحد منهما ضيق ليس بمتسع لتخصصيهما بما أضيفا إليه فلا يمكن أن يقع الثاني في الطرف الذي وقع فيه الأول ، إذ الأول ليس متسعاً لوقوع الوحي فيه ووقوع مشي الأخت فليس وقت وقوع الوحي مشتملاً على أجزاء وقع في بعضها المشي بخلاف السنة . وقال الحوفي :{ إِذْ } متعلقة بتصنع ، ولك أن تنصب { إِذْ } بفعل مضمر تقديره واذكر .

وقرأ الجمهور { كَى تَقَرَّ } بفتح التاء والقاف . وقرأت فرقة بكسر القاف ، وتقدم أنهما لغتان في قوله { وَقَرّى عَيْناً}

وقرأ جناح بن حبيش بضم التاء وفتح القاف مبنياً للمفعول . و { قَتَلْتَ نَفْساً } هو القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، واغتم بسبب القتل خوفاً من عقاب اللّه ومن اقتصاص فرعون ، فغفر اللّه له باستغفاره حين قال { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى } ونجاه من فرعون حين هاجر به إلى مدين والغمّ ما يغمّ على القلب بسبب خوف أو فوات مقصود ، والغمّ بلغة قريش القتل ،

وقيل : من غم التابوت .

وقيل : من غم البحر ، والظاهر أنه من غم القتل حين ذهبنا بك من مصر إلى مدين . والفتون مصدر جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي { فتناك}

ضروباً من الفتن ، والفتنة المحنة وما يشق على الإنسان .

وعن ابن عباس خلصناك من محنة بعد محنة . ولد في عام كان يقتل فيه الولدان ، وألقته أمه في البحر وهمّ فرعون بقتله ، وقتل قبطياً وآجر نفسه عشر سنين وضل الطريق وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة انتهى . وهذه الفتون اختبره بها وخلصه حتى صلح للنبوة وسلم لها والسنون التي لبثها في مدين عشر سنين . وقال وهب : ثمان وعشرون سنة منها مهر ابنته وبين مصر ومدين ثمان مراحل وفي الكلام حذف والتقدير { الْغَمّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } فخرجت خائفاً إلى { أَهْلِ مَدْيَنَ } فلبثت سنين وكان عمره حين ذهب إلى مدين اثني عشر عاماً وأقام عشرة أعوام في رعي غنم شعيب ، ثم ثمانية عشر عاماً بعد بنائه بامرأته بنت شعيب ، وولد له فيها فكمل له أربعون سنة وهي المدة التي عادة اللّه إرسال الأنبياء على رأسها .

{ثُمَّ جِئْتَ } إلى المكان الذي ناجيتك فيه وكلمتك واستنبأتك .{ عَلَى قَدَرٍ } أي وقت معين قدّرته لم تتقدمه ولم تتأخر عنه .

وقيل على مقدار من الزمان يوحى إلى الأنبياء فيه وهو الأربعون . وقال الشاعر : نال الخلافة أو جاءت على قدركما أتى ربه موسى على قدر

﴿ ٤٠