٥٤

كلوا وارعوا أنعامكم . . . . .

{كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } وقوله { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ } فيكون قوله { فَأَخْرَجْنَا } و { أَرَيْنَاهُ } التفاتاً من الضمير الغائب في { أعل } وسلك إلى ضمير المتكلم لمعظم نفسه ، ولا يكون الالتفات من قائلين وأبعد من ذهب إلى أن الذي نعت لقوله { إِنَّهُ رَبّى } فيكون في موضع رفع أو يكون في موضع نصب على المدح وقالهما الحوفي والزمخشري لكونه كان يكون كلام موسى فلا يتأتى الالتفات في قوله { فَأَخْرَجْنَا }{ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ}

و

قال ابن عطية : يحتمل أن يكون { فَأَخْرَجْنَا } من كلام موسى حكاية عن اللّه تعالى على تقدير يقول عز وجل { فَأَخْرَجْنَا } ويحتمل أن يكون كلام موسى تم عند قوله { وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء } ثم وصل اللّه كلام موسى بإخباره لمحمد صلى اللّه عليه وسلم والمراد بالخطاب في لكم الخلق أجمع نبههم على هذه الآيات .

وقرأ الأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وعاصم وحمزة والكسائي { مِهَاداً } بفتح الميم وإسكان الهاء ، وباقي السبعة مهاداً وكذا في الزخرف فقال المفضل : مصدران مهد مهداً ومهاداً . وقال أبو عبيد : مهاد اسم ، ومهد الفعل يعني المصدر . وقال آخر { مِهَاداً } مفرد ومهاد جمعه ، ومعنى ذلك أنه تعالى جعلها لهم يتصرفون عليها في جميع أحوالهم ومنافعهم ، ونهج لكم فيها طرقاً لمقاصدكم حتى لا تتعذر عليكم مصالحكم . والضمير في { بِهِ } عائد على الماء أي بسببه .

{أَزْواجاً } أي أصنافاً وهذا الالتفات في أخرجنا كهو في قوله { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه أنَزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا }{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا }{ وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } وفي هذا الالتفات تخصيص أيضاً بأنا نحن نقدر على مثل هذا ، ولا يدخل تحت قدرة أحد والأجود أن يكون { شَتَّى } في موضع نصب نعتاً لقوله { أَزْواجاً } لأنها المحدث عنها .

وقال الزمخشري : يجوز أن يكون صفة للنبات ، والنبات مصدر سُمِّيَ به النابت كما سُمِّيَ بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع ، يعني أنها { شَتَّى } مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل ، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم .

قالوا : من نعمته عز وجل أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام وقد جعل اللّه علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله { كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } أمر إباحة معمول لحال محذوفة أي { فَأَخْرَجْنَا } قائلين أي آذنين في الانتفاع بها ، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها ، عُدِيّ هنا { وَارْعَوْا } ورعى يكون لازماً ومتعدياً تقول : رعت الدابة رعياً ، ورعاها صاحبها رعاية إذا سامها وسرحها وأراحها قاله الزجاج . وأشار بقوله { إِنَّ فِى ذَلِكَ } للآيات السابقة من جعل الأرض مهداً وسلك سبلها وإنزال الماء وإخراج النبات . وقالوا { النُّهَى } جمع نهية وهو العقل سُمِّيَ بذلك لأنه ينهى عن القبائح ، وأجاز أبو علي أن يكون مصدراً كالهدي .

﴿ ٥٤