١٩

هذا ابتداء قصص وأخبار بمغيبات وعبر ونكر .{ عِلْمًا } لأنه طائفة من العلم . وقال قتادة : علماً : فهماً . وقال مقاتل : علماً بالقضاء . وقال ابن عطاء : علماً باللّه تعالى .

وقال الزمخشري : أو علماً سنياً عزيزاً .{ وَقَالاَ } قال :

فإن قلت : أليس هذا موضع الفاء دون الواو ، كقولك : أعطيته فشكر ومنعته فصبر ؟

قلت : بلى ، ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه ، فأضمر ذلك ، ثم عطف عليه التحميد ، كأنه قال : ولقد آتيناهما علماً ، فعملا به وعلماه ، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة ، { وَقَالاَ الْحَمْدُ للّه } ، والكثير المفضل عليه من لم يؤت علماً ، أو من يؤت مثل علمهما ، وفي الآية دليل على شرف العلم . انتهى . والموروث : الملك والنبوّة ، بمعنى : صار ذلك إليه بعد موت أبيه فسمي ميراثاً تجوزاً ، كما قيل : العلماء ورثة الأنبياء . وحقيقة الميراث في المال والأنبياء لا نورث مالاً ، وكان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً ، فنبىء سليمان من بينهم وملك .

وقيل : ولاه على بني إسرائيل في حياته من بين سائر أولاده ، فكانت الولاية في معنى الوراثة . وقال الحسن : ورث المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث .

وقيل : الملك والسياسة .

وقيل : النبوة فقط ، والأظهر القول الأول ، ويؤيده قوله :{ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ } ، فهذا يدل على النبوة ؛{ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } يدل على الملك ، وكان هذا شرحاً للميراث . وقوله :{ إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } يقوي ذلك ، ولا يناسب شيء من هذا وراثة المال .

وقوله :{ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ } تشهير لنعمة اللّه ، وتنويه بها واعتراف بمكانها ، ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير ، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم

الأمور . و { مَنطِقَ الطَّيْرِ } : استعارة لما يسمع منها من الأصوات ، وهو حقيقة في بني آدم ، لما كان سليمان يفهم منه ما يفهم من كلام بني آدم ، كما يفهم بعض الطير من بعض ، أطلق عليه منطق .

وقيل : كانت الطير تكلمه معجزة له ، كقصة الهدهد ، والظاهر أنه علم منطق الطير وعموم الطير .

وقيل : علم منطق الحيوان . قيل : والنبات ، حتى كان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها ، وإنما نص على الطير ، لأنه كان جنداً من جنوده ، يحتاج إليه في التظليل من الشمس ، وفي البعث في الأمور . وقال قتادة : والشعبي : وكذلك كانت هذه النملة القائلة ذات جناحين . وأورد المفسرون مما ذكروا بأن سليمان عليه السلام أخبر عن كثير من الطير بأنواع من الكلام ، تقديس للّه تعالى وعظات ، وعبر ما اللّه أعلم بصحته .

{وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } : ظاهره العموم ، والمراد الخصوص ، أي من كل شيء يصلح لنا ونتمناه ، وأريد به كثرة ما أوتي ، فكأنه مستغرق لجميع الأشياء . كما تقول : فلان يقصده كل أحد ، يريد كثرة فصاده ، وهذا كقوله تعالى في قصة بلقيس :{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } ؛ وبنى علمنا وأوتينا للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، وهو اللّه تعالى . وكانا مسندين لنون العظمة لا لتاء المتكلم ، لأنه إما إن أراد نفسه وأباه ، أو لما كان ملكاً مطاعاً خاطب أهل طاعته ومملكته بحاله التي هو عليها ، لا على سبيل التعاظم والتكبر .

{إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } : إقرار بالنعمة وشكر لها ومحمدة .

روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة خمسة وعشرون للجن ، ومثلها للإنس ، ومثلها للطير ، ومثلها للوحش ، وألف بيت من قوارير على الخشب ، فيها ثلاثمائة منكوحة ، وسبعمائة سرية ، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ ، ومنبره في وسطه من ذهب ، فيصعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، تقعد الأنبياء على كراسي الفضة ، وحولهم الناس ، وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط ، فتسير به مسيرة شهر ، وتفصيل هذه الأشياء يحتاج إلى صحة نقل ، وكان ملكه عظيماً ، ملأ الأرض ، وانقاد له أهل المعمور منها . وتقدم لنا أنه ملك الأرض بأسرها أربعة : مؤمنان : سليمان وذو القرنين ، وكافران : بختنصر ونمروذ . وحشر الجنود يقتضي سفراً وفسر الجنود أنهم الجن والإنس والطير ، وذكر المفسرون الوحش رابعاً .

{فَهُمْ يُوزَعُونَ } : يحشر أولهم على آخرهم ، أي يوقف متقدمو العسكر حتى يأتي آخرهم فيجتمعون ، لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة ، أو يكفون عن المسير حتى يجتمعوا .

وقيل : يجتمعون من كل جهة .

وقيل : يساقون .

وقيل : يدفعون .

وقيل : يحبسون . كانت الجيوش تسير معه إذا سار ، تنزل إذا نزل .{ حَتَّى إِذَا أَتَوْا } : هذه غاية لشيء مقدر ، أي وساروا حتى إذا أتوا ، أو يضمن يوزعون معنى فعل يقتضي أن تكون حتى غاية له ، أي فهم يسيرون مكنوفاً بعضهم من مفارقة بعض . وعدى أتوا بعلى ، إما لأن إتيانهم كان من فوق ،

وإما أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم : أتى على الشيء ، إذا أتى على آخره وأنفذه ، كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف حطمهم ، قاله الزمخشري .

وقال ابن عطية : والظاهر أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض ، ولذلك يتهيأ حطم النمل بنزولهم في وادي النمل . ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح ، فأحست النمل بنزولهم في وادي النمل ، ووادي النمل قيل بالشام .

وقيل : بأقصى اليمن ، وهو معروف عند العرب مذكور في أشعارها . وقال كعب : وادي السدر من الطائف . والظاهر صدور القول من النملة ، وفهم سليمان كلامها ، كما فهم منطق الطير . قال مقاتل : من ثلاثة أميال . وقال الضحاك بلغته : الريح كلامها . وقال ابن بحر : نطقت بالصوت معجزة لسليمان ، ككلام الضب والذراع للرسول .

وقيل : فهمه إلهاماً من اللّه ، كما فهمه جنس النمل ، لا أنه سمع قولاً . وقال الكلبي : أخبره ملك بذلك . قال الشاعر : لو كنت أوتيت كلام الحكل

علم سليمان كلام النمل

والحكل : ما لا يسمع صوته . وذكروا اختلافاً في صغر النملة وكبرها ، وفي اسمها العلم ما لفظه . وليت شعري ، من الذي وضع لها لفظاً يخصها ، أبنو آدم أم النمل ؟ وقالوا : كانت نملة عرجاء ، ولحوق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنث ، بل يصح أن يقال في المذكر : قالت نملة ، لأن نملة ، وإن كان بالتاء ، هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث . وما كان كذلك ، كالنملة والقملة ، مما بينه في الجمع وبين واحدة من الحيوان تاء التأنيث ، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث ، ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على أنه ذكر أو أنثى ، لأن التاء دخلت فيه للفرق ، لا دالة على التأنيث الحقيقي ، بل دالة على الواحد من هذا الجنس .

وقال الزمخشري ، وعن قتادة : أنه دخل الكوفة ، فالتف عليه الناس فقال : سلوا عما شئتم . وكان أبو حنيقة حاضراً ، وهو غلام حدث ، فقال : سلوه عن نملة سليمان ، أكانت ذكراً أم أنثى : فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى . فقيل له : من أين عرفت ؟ فقال : من كتاب اللّه ، وهو قوله : { قَالَتْ نَمْلَةٌ } ، ولو كان ذكراً لقال قال نملة .

قال الزمخشري : وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى ، فيميز بينهما بعلامة ، نحو قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى ، وهو وهي . انتهى . وكان قتادة بن دعامة السدوسي بصيراً بالعربية ، وكونه أفحم ، يدل على معرفته باللسان ، إذ علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث ، وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر ، إذ هو مما لا يتميز فيه أحد هذين ، فتذكيره وتأنيثه لا يعلم ذلك من إلحاق العلامة للفعل فتوقف ، إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من اللّه .

وأما استنباط تأنيثه من كتاب اللّه من قوله :{ قَالَتْ نَمْلَةٌ } ، ولو كان ذكراً لقال : قال نملة ، وكلام النحاة على خلافه ، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبار المؤنث ، سواء كان ذكراً أم أنثى .

وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة ، فبينهما قدره مشترك ، وهو إطلاقهما على الذكر والمؤنث ، وبينهما فرق ، وهو أن الحمامة والشاة يتميز فيهما المذكر من المؤنث ، فيمكن أن تقول : حمامة ذكر وحمامة أنثى ، فتميز بالصفة .

وأما تمييزه بهو وهي ، فإنه لا يجوز . لا تقول : هو الحمامة ، ولا هو الشاة ؛

وأما النملة والقملة فلا يتيمز فيه المذكر من المؤنث ، فلا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث ، وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان العاقل نحو : المرأة ، أو غير العاقل كالدابة ، إلا أن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك ، فيجوز أن تلحق العلامة الفعل ، ويجوز أن لا تلحق ، على ما قرر ذلك في باب الإخبار عن المؤنث في علم العربية .

وقرأ الحسن ، وطلحة ، ومعتمر بن سليمان ، وأبو سليمان التيمي : نملة ، بضم الميم كسمرة ، وكذلك النمل ، كالرجلة والرجل لعتان . وعن سليمان التيمي : نمل ونمل بضم النون والميم ، وجاء الخطاب بالأمر ، كخطاب من يعقل في قوله :{ أَدْخِلُواْ } وما بعده ، لأنها أمرت النمل كأمر من يعقل ، وصدر من النمل الامتثال لأمرها .

وقرأ شهر بن حوشب : مسكنكم ، على الإفراد . وعن أبي : أدخلن مساكنكن لا يحطمنكم : مخففة النونن التي قبل الكاف .

وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وعيسى بن عمر الهمداني ، الكوفي ، ونوح القاضي : بضم الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون ، مضارع حطم مشدداً . وعن الحسن : بفتح الياء وإسكان الحاء وشد الطاء ، وعنه كذلك مع كسر الحاء ، وأصله : لا يحطتمنكم من الاحتطام .

وقرأ ابن أبي إسحاق ، وطلحة ، ويعقوب ، وأبو عمرو في رواية عبيد : كقراءة الجمهور ، إلا أنهم سكنوا نون التوكيد .

وقرأ الأعمش : بحذف النون وجزم الميم ، والظاهر أن قوله :{ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ، بالنون خفيفة أو شديدة ، نهي مستأنف ، وهو من باب : لا أرينك

ههنا ، بهن غير النمل ، والمراد النمل ، أي لا تظهروا بأرض الوادي فيحطمكم ، ولا تكن هنا فأراك .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : لا يحطمنكم ما هو ؟

قلت : يحتمل أن يكون جواباً للأمر ، وأن يكون هنا بدلاً من الأمر ، والذي جوز أن يكون بدلاً منه ، لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة لا أرينك ههنا ، أرادت لا يحطمنكم جنود سليمان ، فجاءت بما هو أبلغ ونحوه : عجبت من نفسي ومن إشفاقها . انتهى .

وأما تخريجه على أنه أمر ، فلا يكون ذلك إلا على قراءة الأعمش ، إذ هو مجزوم ، مع أنه يحتمل أن يكون استئناف نفي ،

وأما مع وجود نون التوكيد ، فإنه لا يجوز ذلك إلا إن كان في الشعر . وإذا لم يجز ذلك في جواب الشرط إلا في الشعر ، فأحرى أن لا يجوز في جواب الأمر إلا في الشعر . وكونه جواب الأمر متنازع فيه على ما قرر في النحو ، ومثال مجيء نون التوكيد في جواب الشرط ، قول الشاعر : نبتم نبات الخيزرانة في الثرى

حديثاً متى يأتك الخير ينفعا

وقول الآخر : مهما تشا منه فزارة يعطه

ومهما تشا منه فزارة يمنعا

قال سيبويه : وذلك قليل في الشعر ، شبهوه بالنفي حيث كان مجزوماً غير واجب . انتهى . وقد تنبه أبو البقاء لشيء من هذا قال :

وقيل هو جواب الأمر ، وهو ضعيف ، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار .

وأما تخريجه على البدل فلا يجوز ، لأن مدلول { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } مخالف لمدلول { أَدْخِلُواْ}

وأما قوله : لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم ، فهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب ، والبدل من صفة الألفاظ . نعم لو كان اللفظ القرآني لا تكونوا حيث أنتم لا يحطمنكم لتخيل فيه البدل ، لأن الأمر بدخول المساكن نهى عن كونهم في ظاهر الأرض .

وأما قوله : أنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلى آخر ، فيسوغ زيادة الأسماء ، وهو لا يجوز ، بل الظاهر إسناد الحطم إليه وإلى جنوده ، وهو على حذف مضاف ، أي خيل سليمان وجنوده ، أو نحو ذلك مما يصح تقديره .{ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } : جملة حالية ، أي إن وقع حطم ، فليس ذلك بتعمد منهم ، إنما يقع وهم لا يعلمون بحطمنا ، كقوله :{ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، وهذا التفات حسن ، أي من عدل سليمان وأتباعه ورحمته ورفقه أن لا يحطم نملة فما فوقها إلا بأن لا يكون لهم شعور بذلك .

وما أحسن ما أتت به هذه النملة في قولها وأغربه وأفصحه وأجمعه للمعاني ، أدركت فخامة ملك سليمان ، فنادت وأمرت وأنذرت . وذكروا أنه جزى بينها وبين سليمان محاورات ، وأهدت له نبقة ، وأنشدوا أبياتاً في حقارة ما يهدى إلى العظيم ، والاستعذار من ذلك ، ودعاء سليمان للنمل بالبركة ، واللّه أعلم بصحة ذلك أو افتعاله . والنمل حيوان قوي الحس شمام جداً ، يدخر القوت ، ويشق الحبة قطعتين لئلا تنبت ، والكزبرة بأربع ، لأنها إذا قطعت قطعتين أنبتت ، وتأكل في عامها بعض ما

تجمع ، وتدخر الباقي عدة . وفي الحديث :  { النهي عن قتل أربع من الدواب : الهدهد والصرد والنملة والنحلة } ، خرجه أبو داود عن ابن عباس . وروي من حديث أبي هريرة : وتبسم سليمان عليه السلام ، إما للعجب بما دل عليه قولها : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ، وهو إدراكها رحمته وشفقته ورحمة عسكره ،

وإما للسرور بما آتاه اللّه مما لم يؤت أحداً ، وهو إدراكه قول ما همس به ، الذي هو مثل في الصغر ، ولذلك دعا أن يوزعه اللّه شكر ما أنعم به عليه . وانتصب ضاحكاً على الحال ، أي شارعاً في الضحك ومتجاوزاً حد التبسم إلى الضحك ، ولما كان التبسم يكون للاستهزاء وللغضب ، كما يقولون ، تبسم تبسم الغضبان ، وتبسم تبسم المستهزىء ، وكان الضحك إنما يكون للسرور والفرح ، أتى بقوله :{ ضَاحِكاً}

وقرأ ابن السميفع : ضحكاً ، جعله مصدراً ، لأن تبسم في معنى ضحك ، فانتصابه على المصدر به ، أو على أنه مصدر في موضع الحال ، كقراءة ضاحكاً .

{وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } : أي اجعلني شكر نعمتك وآلفه وأرتبطه ، حتى لا ينفلت عني ، حتى لا أنفك شاكراً لك .

وقال ابن عباس : أوزعني : اجعلني أشكر . وقال ابن زيد : حرضني . وقال أبو عبيدة : أولعني . وقال الزجاج : امنعني عن الكفران .

وقيل : ألهمني الشكر ، وأدرج ذكر نعمة اللّه على والديه في أن يشكرهما ، كما يشكر نعمة اللّه على نفسه ، لما يجب للوالد على الولد من الدعاء لهما والبر بهما ، ولا سيما إذا كان الولد تقياً للّه صالحاً ، فإن والديه ينتفعان بدعائه وبدعاء المؤمنين لهما بسببه ، كقولهم : رحم اللّه من خلفك ، رضي اللّه عنك وعن والديك . ولما سأل ربه شيئاً خاصاً ، وهو شكر النعمة ، سأل شيئاً عاماً ، وهو أن يعمل عملاً يرضاه اللّه تعالى ، فاندرج فيه شكر النعمة ، فكأنه سأل إيزاع الشكر مرتين ، ثم دعا أن يلحق بالصالحين . قال ابن زيد : هم الأنبياء والمؤمنون ، وكذا عادة الأنبياء أن يطلبوا جعلهم من الصالحين ، كما قال يوسف عليه السلام :{ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ} وقال تعالى ، عن إبراهيم عليه السلام :{ وَإِنَّهُ فِى الاْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} قيل : لأن كمال الصلاح أن لا يعصي اللّه تعالى ولا يهم بمعصية ، وهذه درجة عالية .

﴿ ١٩