٣٦

في الكلام حذف تقديره : فأخذ الهدهد الكتاب وذهب به إلى بلقيس وقومها وألقاه إليهم ، كما أمره سليمان . فقيل : أخذه بمنقاره .

وقيل : علقه في عنقه ، فجاءها حتى وقف على رأسها ، وحولها جنودها ، فرفرف بجناحيه ، والناس ينظرون إليه ، حتى رفعت رأسها ، فألقى الكتاب في حجرها .

وقيل : كانت في قصرها قد غلقت الأبواب واستلقت على فراشها نائمة ، فألقي الكتاب على نحرها .

وقيل : كانت في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم ، فإذا نظرت إليها سجدت ، فجاء الهدهد فسدها بجناحه ، فرأت ذلك وقامت إليه ، فألقى الكتاب إليها ، وكانت قارئة عربية من قوم تبع .

وقيل : ألقاه من كوة وتوارى فيها .

فأخذت الكتاب ونادت أشراف قومها :{ قَالَتْ ياأَيُّهَا أَيُّهَا الْمَلاَ} وكرم الكتاب لطبعه بالخاتم ، وفي الحديث : { كرم الكتاب ختمه } أو لكونه من سليمان ، وكانت عالمة بملكه ، أو لكون الرسول به الطير ، فظنته كتاباً سماوياً ؛ أو لكونه تضمن لطفاً وليناً ، لا سباً ولا ما يغير النفس ، أو لبداءته باسم اللّه ، أقوال . ثم أخبرتهم فقالت : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } ، كأنها قيل لها : ممن الكتاب وما هو ؟ فقالت :{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } ، وإنه كيت وكيت . أبهمت أولاً ثم فسرت ، وفي بنائها ألقي للمفعول دلالة على جهلها بالملقي ، حيث حذفته ، أو تحقيراً له ، حيث كان طائراً ، إن كانت شاهدته . والظاهر أن بداءة الكتاب من سليمان باسم اللّه الرحمن الرحيم ، إلى آخر ما قص اللّه منه خاصة ، فاحتمل أن يكونن من سليمان مقدماً على بسم اللّه ، وهو الظاهر ، وقدمه لاحتمال أن يندر منها ما لا يليق ، إذ كانت كافرة ، فيكون اسمه وقاية لاسم اللّه تعالى . أو كان عنواناً في ظاهر الكتاب ، وباطنه فيه بسم اللّه إلى آخره . واحتمل أن يكون مؤخراً في الكتابة عن بسم اللّه ، وإن ابتدأ الكتاب باسم اللّه ، وحين قرأته عليهم بعد قراءتها له في نفسها ، قدمته في الحكاية ، وإن لم يكن مقدماً في الكتابة .

وقال أبو بكر بن العربي : كانت رسل المتقدمين إذا كتبوا كتاباً بدؤوا بأنفسهم ، من فلان إلى فلان ، وكذلك جاءت الإشارة . وعن أنس : ما كان أحد أعظم حرمة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتاباً بدؤوا بأنفسهم . وقال أبو الليث في { كتاب البستان} له : ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز ، لأن الأمة قد أجمعت عليه وفعلوه .

وقرأ الجمهور : إنه من سليمان ، وإنه بكسر الهمزة فيهما .

وقرأ عبد اللّه : وإنه من سليمان ، بزيادة واو عطفاً على { إِنّى أُلْقِىَ}

وقرأ عكرمة ، وابن أبي عبلة : بفتحهما ، وخرج على البدل من كتاب ، أي ألقى إليّ أنه ، أو على أن يكون التقدير لأنه كأنها . عللت كرم الكتاب لكونه من سليمان وتصديره ببسم اللّه .

وقرأ أبي : أن من سليمان وأن بسم اللّه ، بفتح الهمزة ونون ساكنة ، فخرج على أن أن هي المفسرة ، لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى القول ، وعلى أنها أن المخففة من الثقيلة ، وحذفت الهاء وبسم اللّه الرحمن الرحيم ، استفتاح شريف بارع المعنى مبدوء به في الكتب في كل لغة وكل شرع . وأن في قوله :{ أَن لا تَعْلُواْ } ،قيل : في موضع رفع على البدل من كتاب .

وقيل : في موضع نصب على معنى بأن لا تعلوا ، وعلى هذين التقديرين تكون أن ناصبة للفعل .

وقال الزمخشري : وأن في { أَن لا تَعْلُواْ عَلَىَّ } مفسرة ، فعلى هذا تكون لا في لا تعلوا للنهي ، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه . وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير هو أن لا تعلوا ، فيكون خبر مبتدأ محذوف . ومعنى لا تعلوا : لا تتكبروا ، كما يفعل الملوك .

وقرأ ابن عباس ، في رواية وهب بن منبه والأشهب العقيلي : أن لا تعلوا ، بالغين المعجمة ، أي ألا تتجاوزوا الحد ، وهو من الغلو . والظاهر أنه طلب منهم أن يأتوه وقد أسلموا ، وتركوا الكفر وعبادة الشمس .

وقيل : معناه مذعنين مستسلمين من الانقياد والدخول في الطاعة

وما كتبه سليمان في غاية الإيجاز والبلاغة ، وكذلك كتب الأنبياء .

والظاهر أن الكتاب هو ما نص اللّه عليه فقط . واحتمل أن يكون مكتوباً بالعربي ، إذ الملوك يكون عندهم من يترجم بعدة ألسن ، فكتب بالخط العربي واللفظ العربي ، لأنها كانت عربية من نسل تبع بن شراحيل الحميري . واحتمل أن يكون باللسان الذي كان سليمان يتكلم به ، وكان عندها من يترجم لها ، إذ كانت هي عارفة بذلك اللسان . وروي أن نسخة الكتاب من عبد اللّه سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ : السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين . وكانت كتب الأنبياء جملاً لا يطيلون ولا يكثرون ، وطبع الكتاب بالمسك ، وختمه بخاتمة . وروي أنه لم يكتب أحد بسم اللّه الرحمن الرحيم قبل سليمان ، ولما قرأت على الملأ الكتاب ، ورأت ما فيه من الانتقال إلى سليمان ، استشارتهم في أمرها . قال قتادة : وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر ، وعنه : وثلاثة عشر ، كل رجل منهم على عشرة آلاف ، وكانت بأرض مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام ، وذكر عن عسكرها ما هو أعظم وأكثر من هذا ، واللّه أعلم بذلك . وتقدم الكلام في الفتوى في سورة يوسف ، والمراد هنا : أشيروا عليّ بما عندكم في ما حدث لها من الرأي السديد والتدبير . وقصدت بإشارتهم : استطلاع آرائهم واستعطافهم وتطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا .

{مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً } : أي مبرمة وفاصلة أمراً ، { حَتَّى تَشْهَدُونِ } : أي تحضروا عندي ، فلا أستبد بأمر ، بل تكونون حاضرين معي . وفي قراءة عبد اللّه : ما كنت قاضية أمراً ، أي لا أبت إلا وأنتم حاضرون معي . وما كنت قاطعة أمراً ، عام في كل أمر ، أي إذا كانت عادتي هذه معكم ، فكيف لا أستشيركم في هذه الحادثة الكبرى التي هي الخروج من الملك والانسلاك في طاعة غيري والصيرورة تبعاً ؟ فراجعها الملأ بما أقرعينها من قولهم : إنهم { أُوْلُواْ قُوَّةٍ } ،أي قوة بالعدد والعدد ، { وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } : أي أصحاب شجاعة ونجدة . أظهروا القوة العرضية ، ثم القوة الذاتية ، أي نحن متهيؤون للحرب ودفع هذا الحادث . ثم قالوا :{ وَالاْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ } ، وذلك من حسن محاورتهم ، إذ وكلوا الأمر إليها ، وهو دليل على الطاعة المفرطة ، أي نحن ذكرنا ما نحن عليه ، ومع ذلك فالأمر موكول إليك ، كأنهم أشاروا أولاً عليه بالحرب ، أو أرادوا : نحن أبناء الحرب لا أبناء الاستشارة ، وأنت ذات الرأي والتدبير الحسن . فانظري ماذا تأمرين به ، نرجع إليك ونتبع رأيك ، وفانظري من التأمل والتفكر ، وماذا هو المفعول الثاني لتأمرين ، والمفعول الأول محذوف لفهم المعنى ، أي تأمريننا . والجملة معلق عنها انظري ، فهي في موضع مفعول لا نظري بعد إسقاط الحرف من اسم الاستفهام .

ولما وصل إليها كتاب سليمان ، لا على يد رجل بل على طائر ، استعظمت ملك سليمان ، وعلمت أن من سخر له الطير حتى يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب ، غير ممتنع عليه تدويخ الأرض وملوكها ، فأخبرت بحال الملوك ومالت إلى المهاداة والصلح فقالت :{ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً } : أي تغلبوا عليها ، { أَفْسَدُوهَا } : أي خربوها بالهدم والحرق والقطع ، وأذلوا أعزة أهلها بالقتل والنهب والأسر ، وقولها فيه تزييف لآرائهم في الحرب ، وخوف عليهم وحياطة لهم ، واستعظام لملك سليمان . والظاهر أن { وَكَذالِكَ يَفْعَلُونَ } هو من قولها ، أي عادة الملوك المستمرة تلك من الإفساد والتذليل ، وكانت ناشئة في بيت الملك ، فرأت ذلك وسمعت . ذكرت ذلك تأكيداً لما ذكرت من حال الملوك .

وقيل : هو من كلام اللّه إعلاماً لرسوله صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، وتصديقاً لإخبارها عن الملوك إذا تغلبوا .

ولما كانت عادة الملوك قبول الهدايا ، وأن قبولها يدل على الرضا والإلفة ، قالت :{ وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ } ،أي إلى سليمان ومن معه ، رسلاً بهدية ، وجاء لفظ الهدية مبهماً . وقد ذكروا في تعيينها أقوالاً مضطربة متعارضة ، وذكروا من حالها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية ، وكلامه مع رسولها ما اللّه أعلم به . و { فَنَاظِرَةٌ } معطوف على { مُرْسِلَةٌ} و { بِمَ } متعلق بيرجع . ووقع للحوفي أن البائ متعلقة بناظرة ، وهو وهم فاحش ، والنظر هنا معلق أيضاً . والجملة في موضع مفعول به ، وفيه دلالة على أنها لم تثق بقبول الهدية ، بل جوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان . والهدية : اسم لما يهدي ، كالعطية هي اسم لما يعطى . وروي أنها قالت لقومها : إن كان ملكاً دنياوياً ، أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبياً ، لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه ، وفي الكلام حذف تقديره : فأرسلت الهدية ، فلما جاء ، أي الرسول سليمان ، والمراد بالرسول الجنس لا حقيقة المفرد ، وكذلك الضمير في ارجع والرسول يقع على الجمع

والمفرد والمذكر والمؤنث .

وقرأ عبد اللّه : فلما جاءوا ، قرأ : ارجعوا ، جعله عائداً على قوله : { الْمُرْسَلُونَ} و { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } : استفهام إنكار واستقلال ، وفي ذلك دلالة على عزوفه عن الدنيا ، وعدم تعلق قلبه عليه الصلاة والسلام بها .

ثم ذكر نعمة اللّه عليه ، وإن ما آتاه اللّه من النبوة وسعة الملك خير مما آتاكم ، بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون بحبكم الدنيا ، والهدية تصح إضافتها إلى المهدي وإلى المهدي إليه ، وهي هنا مضافة للمهدي إليه ، وهذا هو الظاهر . ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي ، أي بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك ، فإنكم قدرتم على إهداء مثلها . ويجوز أن تكون عبارة عن الرد ، كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها .

وقرأ جمهور السبعة : أتمدونني ، بنونين ، وأثبت بعض الياء .

وقرأ حمزة : بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم .

وقرأ المسيبي ، عن نافع : بنون واحدة خفيفة .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : ما الفرق بين قولك : أتمدونني بمال وأنا أغني منكم ، وبين أن يقوله بالفاء ؟

قلت : إذا قلته بالواو ، فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى ، وهو مع ذلك يمدني بالمال ، وإذا قلته بالفاء ، فقد جعلته ممن خفيت عنه حالي ، وأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده ، كأني أقول له : أنكر عليك ما فعلت ، فإني غني عنه وعليه . ورد قوله :{ فَمَا ءاتَانِى اللّه}

فإن قلت : فما وجه الإضراب ؟

قلت : لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره ، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه ، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضاً ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها . انتهى .

﴿ ٣٦