٤٠

في الكلام حذف تقديره : فرجع المرسل إليها بالهدية ، وأخبرها بما أقسم عليه سليمان ، فتجهزت للمسير إليه ، إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتال نبي . فروي أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان ، فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات ، بعضها في جوف بعض ، في آخر قصر من قصورها ، وغلقت الأبواب ووكلت به حراساً يحفظونه ، وتوجهت إلى سليمان في

أقيالها وأتباعهم .

قال عبد اللّه بن شداد : فلما كانت على فرسخ من سليمان ، قال : { أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } ؟

وقال ابن عباس : كان سليمان مهيباً ، لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه . فنظر ذات يوم رهجاً قريباً منه فقال : ما هذا ؟ فقالوا : بلقيس ، فقال ذلك . واختلفوا في قصد سليمان استدعاء عرشها . فقال قتادة ، وابن جريج : لما وصف له عظم عرشها وجودته ، أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويمنع أخذ أموالهم ، والإسلام على هذا الدين ، وهذا فيه بعد أن يقع ذلك من نبي أوتي ملكاً لم يؤته غيره .

وقال ابن عباس ، وابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند اللّه ، وليغرب عليها سليمان والإسلام على هذا الاستسلام . وأشار الزمخشري لقول فقال : ولعله أوحي إليه عليه السلام باستيثاقها من عرشها ، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه به من إجراء العجائب على يده ، مع اطلاعها على عظيم قدرة اللّه تعالى ، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان ويصدقها . انتهى . وقال الطبري : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله :{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } ، وهذا فيه بعد ، لأنه قد ظهر صدقة في حمل الكتاب ، وما ترتب على حمله من مشورة بلقيس قومها وبعثها بالهدية .

وقيل : أراد أن يؤتي به ، فينكر ويغير ، ثم ينظر أتثبته أم تنكره ، اختباراً لعقلها . والظاهر ترتيب هذه الأخبار على حسب ما وقعت في الوجود ، وهو قول الجمهور .

وعن ابن عباس أنه قال :{ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } ؟ حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال :{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} ففي ترتيب القصص تقديم وتأخير ،

وفي قوله :{ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } دليل على جواز الاستعانة ببعض الاتباع في مقاصد الملوك ، ودليل على أنه قد يخص بعض أتباع الأنبياء بشيء لا يكون لغيرهم ، ودليل على مبادرة من طلبه منه الملوك قضاء حاجة ، وبداءة الشياطين في التسخير على الإنس ، وقدرتهم بأقدار اللّه على ما يبعد فعله من الإنس .

وقرأ الجمهور : عفريت ، وأبو حيوة : بفتح العين .

وقرأ أبو رجاء ، وأبو السمال ، وعيسى ، ورويت عن أبي بكر الصديق : عفرية ، بكسر العين ، وسكون الفاء ، وكسر الراء ، بعدها ياء مفتوحة ، بعدها تاء التأنيث . وقال ذو الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية

مصوّب في سواد الليل مقتضب

وقرأت فرقة : عفر ، بلا ياء ولا تاء ، ويقال في لغة طيىء وتميم : عفراة بالألف وتاء التأنيث ، وفيه لغة سادسة عفارية ، ويوصف بها الرجل ، ولما كان قد يوصف به الإنس خص بقوله من الجن .

وعن ابن عباس : اسمه صخر .

وقيل : كوري .

وقيل : ذكران . و { ءاتِيكَ } : يحتمل أن يكون مضارعاً واسم فاعل . وقال قتادة ، ومجاهد ، ووهب :{ مِن مَّقَامِكَ } : أي من مجلس الحكم ، وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم .

وقيل : قبل أن تستوي من جلوسك قائماً .{ وَإِنّى عَلَيْهِ } : أي على الإتيان به لقوي على حمله ؛{ أَمِينٌ } : لا أختلس منه شيئاً . قال الحسن : كان كافراً ، لكنه كان مسخراً ، والعفريت لا يكون إلا كافراً .

{قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ } ،قيل : هو من الملائكة ، وهو جبريل ، قاله النخعي . والكتاب : اللوح المحفوظ ، أو كتاب سليمان إلى بلقيس .

وقيل : ملك أيد اللّه به سليمان .

وقيل : هو رجل من الإنس ، واسمه آصف بن برخيا ، كاتب

سليمان ، وكان صديقاً عالماً قاله الجمهور . أو اسطوام ، أو هود ، أو مليخا ، قاله قتادة . أو اسطورس ، أو الخضر عليه السلام ، قاله ابن لهيعة . وقالت جماعة : هو ضبة بن اد جد بني ضبة ، من العرب ، وكان فاضلاً يخدم سليمان ، كان على قطعة من خيله ، وهذه أقوال مضطربة ، وقد أبهم اللّه اسمه ، فكان ينبغي أن لا يذكر اسمه حتى يخبر به نبي . ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه السلام ، كأنه يقول لنفسه : { قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ ءاتِيكَ } ،أو يكون خاطب بذلك العفريت ، حكى هذا القول الزمخشري وغيره ، كأنه استبطأ ما قال العفريت ، فقال له سليمان ذلك على تحقير العفريت . والكتاب : هو المنزل من عند اللّه ، أو اللوح المحفوظ ، قولان . والعلم الذي أوتيه ، قال : اسم اللّه الأعظم وهو : يا حي يا قيوم .

وقيل : يا ذا الجلال والإكرام .

وقيل بالعبرانية : أهيا شراهيا . وقال الحسن : اللّه ثم الرحمن . والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة ، وأنه أقصر في المدة من مدة العفريت ، ولذلك روي أن سليمان قال : أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت ، ولما كان الناظر موصوفاً بإرسال البصر ، كما قال الشاعر : وكنت متى أرسلت طرفك رائدا

لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

وصف برد الطرف ، ووصف الطرف بالارتداد . فالمعنى أنك ترسل طرفك ، فقبل أن ترده أتيتك به ، وصار بين يديك . فروي أن آصف قال لسليمان عليه السلام : مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد طرفه فنظر نحو اليمن ، فدعا آصف فغاب العرش في مكانه بمأرب ، ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة اللّه ، قبل أن يرد طرفه . وقال ابن جبير ، وقتادة : قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى . وقال مجاهد : قبل أن تحتاج إلى التغميض ، أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض ، وذلك ارتداده .

قال ابن عطية : وهذان القولان يقابلان قول من قال : إن القيام هو من مجلس الحكم ، ومن قال : إن القيام هو من الجلوس ، فيقول في ارتداد الطرف هو أن تطرف ، أي قبل أن تغمض عينيك وتفتحهما ، وذلك أن الثاني يعطي الأقصر في المدة ولا بد . انتهى .

وقيل : طرفك مطروفك ، أي قبل أن يرجع إليك من تنظر إليه من منتهى بصرك ، وهذا هو قول ابن جبير وقتادة المتقدم ، لأن من يقع طرفك عليه هو مطروفك . وقال الماوردي : قبل أن ينقبض إليك طرفك بالموت ، فخبره أنه سيأتيه قبل موته ، وهذا تأويل بعيد ، بل المعنى آتيك به سريعاً .

وقيل : ارتداد الطرف مجاز هنا ، وهو من باب مجاز التمثيل ، والمراد استقصار مدة الإتيان به ، كما تقول لصاحبك : افعل كذا في لحظة ، وفي ردة طرف ، وفي طرفة عين ، تريد به السرعة ، أي آتيك به في مدة أسرع من مدة العفريت .

{فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً } عنده : في الكلام حذف تقديره : فدعا اللّه فأتاه به ، فلما رآعه : أي عرش بلقيس . قيل : نزل على سليمان من الهواء .

وقيل : نبع من الأرض .

وقيل : من تحت عرش سليمان ، وانتصب مستقراً على الحال ، وعنده معمول له . والظرف إذا وقع في موضع الحال ، كان العامل فيه واجب الحذف . ف

قال ابن عطية : وظهر العامل في الظرف من قوله :{ مُسْتَقِرّاً } ، وهذا هو المقدر أبداً في كل ظرف وقع في موضع الحال . وقال أبو البقاء : ومستقراً ، أي ثابتاً غر متقلقل ، وليس بمعنى الحضور المطلق ، إذ لو كان كذلك لم يذكر . انتهى . فأخذ في مستقراً أمراً زائداً على الاستقرار المطلق ، وهو كونه غير متقلقل ، حتى يكون مدلوله غير مدلول العندية ، وهو توجيه حسن لذكر العامل في الظرف الواقع حالاً ؛ وقد رد ذكر العامل في ما وقع خبراً من الجار والمجرور التام في قول الشاعر : لك العزان مولاك عزوان يهن

فأنت لدى بحبوحة الهون كائن

{قَالَ هَاذَا مِن فَضْلِ رَبّى } : أي هذا الإتيان بعرشها ، وتحصيل ما أردت من ذلك ، هو من فضل ربي عليّ وإحسانه ، ثم علل

ذلك بقوله : سقط : ليبلوني أأشكر أم أكفر {} قال ابن عباس : المعنى أأشكر على السرير وسوقه أم أكفر ؟ إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني . انتهى . وتلقى سليمان النعمة وفضل اللّه بالشكر ، إذ ذاك نعمة متجددة ، والشكر قيد للنعم . وأأشكر أم أكفر في موضع نصب ليبلوني ، وهو معلق ، لأنه في معنى التمييز ، والتمييز في معنى العلم ، وكثير التعليق في هذا الفعل إجراء له مجرى العلم ، وإن لم يكن مرادفاً له ، لأن مدلوله الحقيقي هو الاختبار .{ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } : أي ذلك الشكر عائد ثوابه إليه ، إذ كان قد صان نفسه عن كفران النعمة ، وفعل ما هو واجب عليه من شكر نعمة اللّه عليه .{ وَمَن كَفَرَ } : أي فضل اللّه ونعمته عليه ، فإن ربي غني عن شكره ، لا يعود منفعتها إلى اللّه ، لأنه هو الغني المطلق الكريم بالإنعام على من كفر نعمته . والظاهر أن قوله :{ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ } هو جواب الشرط ، ولذلك أضمر فاء في قوله :{ غَنِىٌّ } ،أي عن شكره . ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمة ، أي ومن كفر فلنفسه ، أي ذلك الكفر عائد عقابه إليه . ويجوز أن تكون ما موصولة ، ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط .

﴿ ٤٠