٢٩

{مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ } : عام في كونهم تحت ملكه وقهره . وقال الحسن :{ قَانِتُونَ } : قائمون بالشهادة على وحدانيته ، كما قال الشاعر : وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

وقال ابن عباس : مطيعون ، أي في تصريفه ، لا يمتنع عنه شيء يريد فعله بهم ، من حياة وموت وصحة ومرض ، فهي طاعة الإرادة لا طاعة العبادة .

وقيل : قائمون يوم القيامة ، يوم يقوم الناس لرب العالمين . وإذا حمل القنوت على الإخلاص ، كما قال ابن جبير ، أ على الإقرار بالعبودية ، أو قانتون من ملك ومؤمن ، لأن كل عام مخصوص .{ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } : أي والعود أهون عليه ، وليست أهون أفعل تفصيل ، لأنه تفاوت عند اللّه في النشأتين : الإبداء والإعادة ، فلذلك تأوله ابن عباس والربيع بن خيثم على أنه بمعنى هين ، وكذا هو في مصحف عبد اللّه . والضمير في عليه عائد على اللّه .

وقيل : أهون للتفضيل ، وذلك بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في المشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون من البداءة ، للاستغناء عن الروية التي كانت في البداءة ؛ وهذا ، وإن كان الاثنان عنده تعالى من اليسر في حيز واحد .

وقيل : الضمير في عليه عائد على الخلق ، أي والعود أهون على الخلق : بمعنى أسرع ، لأن البداءة فيها تدرج من طور إلى طور إلى أن يصير إنساناً ، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات في الأطوار ، إنما يدعوه اللّه فيخرج ، فكأنه قال : وهو أيسر عليه ، أي أقصر مدة وأقل انتقالاً .

وقيل : المعنى وهو أهون على المخلوق ، أي يعيد شيئاً بعد إنشائه ، فهذا عرف المخلوقين ، فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق ؟

قال ابن عطية : والأظهر عندي عود الضمير على اللّه تعالى ، ويؤيده قوله تعالى :{ وَلَهُ الْمَثَلُ الاعْلَى } ، كما جاء بلفظ فيه استعاذة واستشهاد بالمخلوق على الخالق ، وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم ، خلص جانب العظمة ، بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به ، فكيف ولا تمثال مع شيء ؟ انتهى .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : لم أخرت الصلة في قوله :{ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } ، وقدمت في قوله :{ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ؟

قلت : هنالك قصد الاختصاص ، وهو تجبره ، فقيل : وهو على هين ، وإن كان مستصعباً عندك ، وإن تولد بين هرم وعاقر .

وأما هنا لا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء ؟ فلو قدمت الصلة لتغير المعنى . انتهى . ومبنى كلامه على أن تقديم المعمول يؤذن بالاختصاص ، وقد تكلمنا معه في ذلك ، ولم نسلمه في قوله :{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ}

{وَلَهُ الْمَثَلُ الاعْلَى } ،قيل : هو متعلق بما قبله ، قاله الزجاج ، وهو قوله :{ وَهُوَ أَهْوَنُ } ؛ قد ضربه لكم مثلاً فيما يسهل أو يصعب .

وقيل : بما بعده من قوله :{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ}

وقيل : المثل : الوصف الأرفع الأعلى الذي ليس لغيره مثله ، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما .{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } : أي القاهر لكل شيء ، الحكيم الذي أفعالى على مقتضى حكمته . وعن مجاهد : المثل الأعلى قوله :{ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ اللّه } ، وله الوصف بالوحدانية ، ويؤيده قول :{ ضَرَبَ لَكُمْ}

وقال ابن عباس وغيره : بين تعالى أمر الأصنام

وفساد معتقد من يشركها باللّه ، بضربه هذا المثل ، ومعناه : أنكم أيها الناس ، إذا كان لكم عبيد تملكونهم ، فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهم أموركم ، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة ، وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم ، أو يقاسمونكم إياها في حياتكم ، كما يفعل بعضكم ببعض ؛ فإذا كان هذا فيكم ، فكيف تقولون : إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته وتثبتون في جانبه ما لا يليق عندكم بجوانبكم ؟ وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير . وقال السدي : كانوا يورثون آلهتهم ، فنزلت .

وقيل : لما نزلت ، قال أهل مكة : لا يكون ذلك أبداً ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { فلم يجوز لربكم } ؟ ومن في : { مّنْ أَنفُسِكُمْ } لابتداء الغاية ، كأنه قال : أخذ مثلاً ، وافترى من أقرب شيء منكم ، وهو أنفسكم ، ولا يبعد . ومن في :{ مِمَّا مَلَكَتْ } للتبعيض ، ومن في :{ مّن شُرَكَاء } زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي . يقول : ليس يرضى أحد منكم أن يشركه عبده في ماله وزوجته وما يختص به حتى يكون مثله ، فكيف ترضون شريكاً للّه ، وهو رب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد ؟

وقال أبو عبد اللّه الرازي : وبين المثل والممثل به مشابهة ومخالفة . فالمشابهة معلومة ، والمخالفة من وجوه : قوله :{ مّنْ أَنفُسِكُمْ } : أي من نسلكم ، مع حقارة الأنفس ونقصها وعجزها ، وقاس نفسه عليكم مع عظمتها وجلالتها وقدرتها . وقوله :{ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : أي عبيدكم ، والملك ما قبل النقل بالبيع ، والزوال بالعتق ، ومملوكه تعالى لا خروج له عن الملك . فإذا لم يجز أن يشرككم مملوككم ، وهو مثلكم من جميع الوجوه ومثلكم في الآدمية ، حالة الرق ، فكيف يشرك اللّه مملوكه من جميع الوجوه المباين له بالكلية ؟ وقوله :{ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ } : يعني أن الميسر لكم في الحقيقة إنما هو اللّه ومن رزقه حقيقة ، فإذا لم يجز أن يشرككم فيما هو لكم من حيث الاسم ، فكيف يكون له تعالى شريك فيما له من جهة الحقيقة ؟ انتهى ، وفيه بعض تلخيص . و { شُرَكَاء } في موضع رفع بالابتداء ، و { فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ } متعلق به ، و { لَكُمْ } الخبر ، و { مِمَّا مَلَكَتْ } في موضع الحال ، لأنه نعت نكرة تقدم عليها وانتصب على الحال ، والعامل فيها العامل في الجار والمجرور ، والواقع خبراً ، وهو مقدر بعد المبتدأ . وما في فيما { رَزَقْنَاكُمْ } واقعة على النوع ، والتقدير : هل شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم كائنون لكم ؟ ويجوز أن يتعلق لكم بشركاء ، ويكون مما رزقناكم في موضع الخبر ، كما تقول : لزيد في المدينة مبغض ، فلزيد متعلق بمبغض الذي هو مبتدأ ، وفي المدينة الخبر ، و { فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } جملة في موضع الجواب للاستفهام المضمن معنى النفي ، وفيه متعلق بسواء ، و { تَخَافُونَهُمْ } خبر ثان لأنتم ، والتقدير : فأنتم مستوون معهم فيما رزقناكم ، تخافونهم كما يخاف بعضكم بعضاً أيها السادة . والمقصود نفي الشركة والإستواء والخوف ، وليس النفي منسحباً على الجواب وما بعده فقط ، كأحد وجهي ما تأتينا فتحدثنا ، أي ما تأتينا فتحدثنا ، إنما تأتي ولا تحدث ، بل هو على الوجه الآخر ، أي ما تأتينا فكيف تحدثنا ؟ أي ليس منك إتيان فلا يكون حديث . وكذلك هذا ليس لهم شريك ، فلا استواء ولا خوف .

وقرأ الجمهور : ، بالنصب ، أضيف المصدر إلى الفاعل ؛ وابن أبي عبيدة : بالرفع ، أضيف المصدر للمفعول ، وهما وجهان حسنان ، ولا قبح في إضافة المصدر إلى المفعول مع وجود الفاعل .

{كَذالِكَ } : أي مثل ذلك التفصيل ، { نُفَصّلُ الآيَاتِ } : أي نبينها ، لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها ، لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها . ألا ترى كيف صور الشرك بالصورة المشوهة ؟

وقرأ الجمهور : نفصل ، بالنون ، حملاً على رزقناكم ؛ وعباس عن ابن عمر : بياء الغيبة ، رعياً لضرب ، إذ هو مسند للغائب . وذكر بعض العلماء في هذه الآية دليلاً على صحة أصل الشركة بين المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، كأنه يقول : الممتنع والمستقبح شركة العبيد لساداتهم ؛ أما شركة السادات بعضهم لبعض فلا يمتنع ولا يستقبح . والإضراب ببل في قوله :{ بَلِ اتَّبَعَ } جاء على ما تضمنته الآية ، إذ المعنى : ليس لهم حجة ولا معذرة فيما فعلوا من إشراكهم باللّه ، بل ذلك بمجرد هوى بغير علم ، لأنه قد يكون هوى للإنسان ، وهو يعلم . و { الَّذِينَ ظَلَمُواْ } : هم المشركون ، اتبعوا أهواءهم جاهلين هائمين على أوجههم ، لا يرغمهم عن هواهم علم ، إذ هم خالون من العلم

الذي قد يردع متبع الهوى . { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللّه } : أي لا أحد يهدي من أضله اللّه ، أي هؤلاء ممن أضلهم اللّه ، فلا هادي لهم .

وقال الزمخشري : من أضل اللّه : من خذله اللّه ولم يلطف به ، لعلمه أنه ممن لا لطف له ممن يقدر على هداية مثله .{ وَمَا لَهُم مّن نَّاصِرِينَ } : دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال .

﴿ ٢٩