٣٢

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } : فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت ، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه . فإن من اهتم بالشيء ، عقد عليه طرفه وقوم له وجهه مقبلاً به عليه ، والدين دين الإسلام . وذكر الوجه ، لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه . و { حَنِيفاً } : حال من الضمير في أقم ، أو من الوجه ، أو من الدين ، ومعناه : مائلاً عن الأديان المحرفة المنسوخة .{ فِطْرَةَ اللّه } : منصوب على المصدر ، كقوله :{ صِبْغَةَ اللّه } ،

وقيل : منصوب بإضمار فعل تقديره : التزم فطرة اللّه .

وقال الزمخشري : الزموا فطرة اللّه ، أو عليكم فطرة اللّه . وإنما أضمرت على خطاب الجماعة لقوله :{ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } ، ومنيبين حال من الضمير في الزموا . وقوله :{ وَأَقِيمُواْ } ،{ وَلاَ تَكُونُواْ } ، معطوف على هذا المضمر . انتهى .

وقيل :{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ } ، المراد به : فأقيموا وجوهكم ، وليس مخصوصاً بالرسول وحده ، وكأنه خطاب لمفرد أريد به الجمع ، أي : فأقم أيها المخاطب ، ثم جمع على المعنى ، لأنه لا يراد به مخاطب واحد . فإذا كان هذا ، فقوله :{ مُّنِيبِينَ } ،{ وَأَقِيمُواْ } ،{ وَلاَ تَكُونُواْ } ملحوظ فيه معنى الجمع . وقول الزمخشري : أو عليكم فطرة اللّه لا يجوز ، لأن فيه حذف كلمة الإغراء ، ولا يجوز حذفها ، لأنه قد حذف الفعل وعوض عليك منه . فلو جاء حذفه لكان إجحافاً ، إذ فيه حذف العوض والمعوض منه .

والفطرة ، قيل : دين الإسلام ، والناس مخصوصون بالمؤمنين .

وقيل : العهد الذي أخذه اللّه على ذرية آدم حين أخرجهم نسماً من ظهره ورجح الحذاق . إنها القابلية التي في الطفل للنظر في مصنوعات اللّه ، والاستدلال بها على موجده ، فيؤمن به ويتبع شرائعه ، لكن قد عتعرض له عوارض تصرفه عن ذلك ، كتهويد أبويه له ، وتنصيرهما ، إغواء شياطين الإنس والجن .

{لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه} : أي لا تبديل لهذه القابلية من جهة الخالق . وقال مجاهد ، وابن جبير ، والضحاك ، والنخعي ، وابن زيد : لا تبديل لدين اللّه ، والمعنى : لمعتقدات الأديان ، إذ هي متفقة في ذلك .

وقال الزمخشري : أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير .

وقال ابن عباس : لا تبديل لقضاء اللّه بسعادتهم وشقاوتهم ،

وقيل : هو نفي معناه : النهي ، أي لا تبدلوا ذلك الدين .

وقيل :{ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه } بمعنى : الواحدانية مترشحة فيه ، لا تغير لها ، حتى لو سألته : من خلق السموات والأرض ؟ تقول : اللّه . ويستغرب ما روي عن ابن عباس أن معنى { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه } : النهي عن خصاء الفحول من الحيوان . وقول من ذهب إلى أن المعنى في هذه الجملة ألجأ على الكفرة ، اعترض به أثناء الكلام ، كأنه يقول : أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا ، فإن هؤلاء الكفرة ومن خلق اللّه لهم الكفر ، و { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه } : أي أنهم لا يفلحون ذلك الذي أمرت بإقامة وجهك له ، هو الدين المبالغ في الاستقامة . والقيم : بياء مبالغة ، من القيام ، بمعنى الاستقامة ، ووزنه فعيل ، أصله قيوم كيد ، اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فيها ، وهو بناء مختص بالمعتل العين ، لم يجىء منه في الصحيح إلا بيئس وصيقل علم لامرأة .

{مُّنِيبِينَ } : حال من { النَّاسِ } ، ولا سيما إذا أريد بالناس : المؤمنون ، أو من الضمير في : الزموا فطرة اللّه ، وهو تقدير الزمخشري ، أو من الضمير في :{ فَأَقِمْ } ، إذ المقصود : الرسول وأمته ، وكأنه حذف معطوف ، أي فأقم وجهك وأمتك . وكذا زعم الزجاج في :{ الْحَكِيمُ يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } : أي يا أيها النبي والناس ، ودل على ذلك مجيء الحال في { مُّنِيبِينَ } جمعاً ، وفي { إِذَا طَلَّقْتُمُ } جاء الخطاب فيه وفي ما بعده . جمعاً ، أو على خبر كان مضمرة ، أي كونوا منيبين ، ويدل عليه قوله بعد { وَلاَ تَكُونُواْ } ، وهذه احتمالات منقولة كلها .{ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } : من اليهود والنصارى ، قاله قتادة . وقال ابن زيد : هم اليهود ؛ وعن أبي هريرة وعائشة : أنهم أهل القبلة ، ولفظة الإشراك على هذا تجوز بأنهم صاروا في دينهم فرقاً . والظاهر أن المشركين : كل من

أشرك ، فيدخل فيهم أهل الكتاب وغيرهم . و { مِنَ الَّذِينَ } : بدل من المشركين ، { فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } : أي دين الإسلام وجعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم .{ وَكَانُواْ شِيَعاً } : كل فرقة تشايع إمامها الذي كان سبب ضلالها .{ كُلُّ حِزْبٍ } : أي منهم فرح بمذهبه مفتون به . والظاهر أن { كُلُّ حِزْبٍ } مبتدأ و { فَرِحُونَ } الخبر .

وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون { مِنَ الَّذِينَ } منقطعاً مما قبله ومعناه : من المفارقين دينهم . كل حزب فرحين بما لديهم ، ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل ، كقوله :

وكل خليل غيرها ضم نفسه

انتهى . قدر أولاً فرحين مجرورة صفة لحزب ، ثم قال : ولكنه رفع على الوصف لكل ، لأنك إذا

قلت : من قومك كل رجل صالح ، جاز في صالح الخفض نعتاً لرجل ، وهو الأكثر ، كقوله : جادت عليه كل عين ترة

فتركن كل حديقة كالدرهم

وجاز الرفع نعتاً لكل ، كقوله : وعليه هبت كل معصفة

هو جاء ليس للبها دبر

يرفع هو جاء صفة لكل .

﴿ ٣٢