٣٥

{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُواْ}

الضر : الشدة ، من فقر ، أو مرض ، أو قحط ، أو غير ذلك ؛ والرحمة : الخلاص من ذلك الضر .{ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ } : أفردوه بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر ، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا هو تعالى ، فلهم في ذلك الوقت

إنابة وخضوع ، وإذا خلصهم من ذلك الضر ، أشرك فريق ممن اخلص ، وهذا الفريق هم عبدة الأصنام .

قال ابن عطية : ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين ، إذ جاءهم فرج بعد شدة ، علقوا ذلك بمخلوقين ، أو بحذق آرائهم ، أو بغير ذلك ، ففيه قلة شكر اللّه ، ويسمى مجازاً . وقال أبو عبد اللّه الرازي : يقول : تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني وسبب الصنم الفلاني ، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه يخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً ، فإنه شرك خفي . انتهى . و { إِذَا فَرِيقٌ } : جواب { إِذَا أَذَاقَهُمْ } ،الأولى شرطية ، والثانية للمفاجأة ، وتقدم نظيره ، وجاء هنا فريق ، لأن قوله :{ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ } عام للمؤمن والكافر ، فلا يشرك إلا الكافر . وضر هنا مطلق ، وفي آخر العنكبوت { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } لأنه في مخصوصين من المشركين عباد الأصنام ، والضر هناك معين ، وهو ما يتخوف من ركوب البحر .{ إِذَا هُمْ } : أي ركاب البحر عبدة الأصنام ، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده . واللام في { لِيَكْفُرُواْ } لام كي ، أو لام الأمر للتهديد ، وتقدم نظيره في آخر العنكبوت .

وقرأ الجمهور :{ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، بالتاء فيهما .

وقرأ أبو العالية : فيتمتعوا ، بياء قبل التاء ، عطف أيضاً على { لِيَكْفُرُواْ } ،أي لتطول أعمارهم على الكفر ؛ وعنه وعن عبد اللّه : فليتمتعوا . وقال هارون في مصحف عبد اللّه : يمتعوا .{ أَمْ أَنزَلْنَا } ، أم : بمعنى بل ، والهمزة للإضراب عن الكلام السابق ، والهمزة للاستفهام عن الحجة استفهام إنكار وتوبيخ . والسلطان : البرهان ، من كتاب أو نحوه .{ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } : أي يظهر مذهبهم وينطق بشركهم ، والتكلم مجاز لقوله :{ هَاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ} وهو يتكلم : جواب للاستفهام الذي تضمنه أم ، كأنه قال : بل أنزلنا عليهم سلطاناً ، أي برهاناً شاهداً لكم بالشرك ، فهو يشهد بصحة ذلك ، وإن قدر ذا سلطان ، أي ملكاً ذا برهان ، كان التكلم حقيقة .

﴿ ٣٥