٣٩

ومناسبة { فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى } لما قبله : أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض ، وجعل في ذلك آية للمؤمن ، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج ، لأن من الإيمان الشفقة على خلق اللّه ، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق اللّه من المال ، وصرفه إلى من يقرب منه من حج ، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل . وقال الحسن : هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم ، { وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}

وقيل : للرسول ، عليه السلام . وذو القربى : بنو هاشم وبنو المطلب ، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء . وقال الحسن : حق المسكين وابن السبيل من الصدقة المسماة لهما . واحتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب . أثبت تعالى لذي القربى حقاً ، وللمسكين وابن السبيل حقهما .

والسورة مكية ، فالظاهر أن الحق ليس الزكاة ، وإنما يصير حقاً بجهة الإحسان والمواساة . وللاهتمام بذي القربى ، قدم على المسكين وابن السبيل ، لأن بره صدقة وصلة .{ ذالِكَ } : أي الإيتاء ، { خَيْرٌ } : أي يضاعف لهم الأجر في الآخرة ، وينمو ما لهم في الدنيا لوجه اللّه ، أي التقرب إلى رضا اللّه لا يضره . ثم ذكر تعالى من يتصرف في ماله غلى غير الجهة المرضية فقال ؛{ وَمَا ءاتَيْتُمْ } أكلة اليربو ، ليزيد ويزكو في المال ، فلا يزكو عند اللّه ، ولا يبارك فيه لقوله :{ يَمْحَقُ اللّه الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ} قال السدّي : نزلت في ربا ثقيف ، كانوا يعملون بالربا ، ويعمله فيهم قريش .

وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وطاوس : هذه الآية نزلت

في هبات ، للثواب . و

قال ابن عطية : وما جرى مجراهما مما يصنع للمجازاة ، كالسلم وغيره ، فهو وإن كان لا إثم فيه ، فلا أجر فيه ولا زيادة عند اللّه .

وقال ابن عباس أيضاً ، والنخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع به ، فذلك النفع لهم . وقال الشعبي قريباً من هذا وهو : أن ما خدم به الإنسان غيره انتفع به ، فذلك النفع لهم . وقال الشعبي أيضاً قريباً من هذا وهو : أن لا يربو عند اللّه ، والظاهر القول الأول ، وهو النهي عن الربا .

وقرأ الجمهور : { وَمَا ءاتَيْتُمْ } ، الأول بمد الهمزة ، أي وما أعطيتم ؛ وابن كثير : بقصرها ، أي وما جئتم .

وقرأ الجمهور : ليربو ، بالياء وإسناد الفعل إلى الربا ؛ وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وأبو رجاء ، والشعبي ، ونافع ، وأبو حيوة : بالتاء مضمومة ، وإسناد الفعل إليهم .

وقرأ أبو مالك : ليربوها ، بضمير المؤنث .

والمضعف : ذو أضعاف في الأجر . قال الفراء : هم أصحاب المضاعفة ، كما تقول : هو مسمن ، أي صاحب إبل سمان ، ومعطش : أي صاحب إبل عطشى .

وقرأ أبي :{ الْمُضْعِفُونَ } ، بفتح العين ، اسم مفعول .

وقال الزمخشري :{ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } ، التفات حسن ، كأنه قال لملائكته وخواص خلقه : فأولئك الذين يريدون وجه اللّه بصدقاتهم هم المضعفون ، والمعنى : المضعفون به بدلالة أولئك هم المضعفون ، والحذف لما في الكلام من الدليل عليه ، وهذا أسهل مأخذاً ، والأول أملأ بالفائدة : انتهى . وإنما احتاج إلى تقدير ما قدر ، لأن اسم الشرط ليس بظرف ، لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه يتم به الربط .

﴿ ٣٩