٢٨{وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الاْرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } : تقدم في أول السورة سبب نزول هذه الآية . ولما ذكر تعالى أن ما في السموات والأرض ملك له ، وكان ذلك متناهياً ، بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها ، فقال :{ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الاْرْضِ } ، وأن بعد لو في موضع رفع على الفاعلية ، أي لو وقع أو ثبت على رأي المبرد ، أو في موضع مبتدأ محذوف الخبر على رأي غيره ، وتقرر ذلك في علم النحو . و { مِن شَجَرَةٍ } : تبيين لما ، وهو في التقرير في موضع الحال من الضمير الذي في الجار والمجرور المنتقل من العامل فيه ، وتقديره : ولو أن الذي استقر في الأرض كائناً من شجرة وأقلام خبر لأن ، وفيه دليل على بطلان دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله : إن خبر أن الجائية بعد لو لا يكون اسماً جامداً ولا اسماً مشتقاً ، بل يجب أن يكون فعلاً ، وهو قول باطل ، ولسان العرب طافع بالزيادة عليه . قال الشاعر : ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيداً وأيماً وقال الآخر : ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم وقال آخر : ولو أن حياً فائت الموت فاته أخو الحرب فوق القارح القدوان وهو كثير في لسانهم . والظاهر أن الواو في قوله : { وَالْبَحْرِ } ، في قراءة من رفع ، وهم الجمهور ، واو الحال ؛ والبحر مبتدأ ، و { يَمُدُّهُ } الخبر ، أي حال كون البحر ممدوداً . وقال الزمخشري : عطفاً على محل إن ومعمولها على ولو ، ثبت كون الأشجار أقلاماً ، وثبت أن البحر مدوداً بسبعة أبحر . انتهى . وهذا لا يتم إلا على رأي المبرد ، حيث زعم أن { ءانٍ } في موضع رفع على الفاعلية . وقال بعض النحويين : هو عطف على أن ، لأنها في موضع رفع بالإبتداء ، وهو لا يتم إلا على رأي من يقول : إن أن بعد لو في موضع رفع على الابتداء ، ولولا يليها المبتدأ اسماً صريحاً إلا في ضرورة شعر ، نحو قوله : لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري فإذا عطفت والبحر على أن ومعموليها ، وهما رفع بالابتداء ، لزم من ذلك أن لو يليها الاسم مبتدأ ، إذ يصير التقدير : ولو البحر ، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة ، إلا أنه قد يقال : إنه يجوز في المعطوف عليه نحو : رب رجل وإخيه يقولان ذلك . وقرأ عبد اللّه : وبحر يمده ، بالتنكير بالرفع ، والواو للحال ، أو للعطف على ما تقدم ؛ وإن كان الواو واو الحال ، كان بحر ، وهو نكرة ، مبتدأ ، وذكروا في مسوغات الابتداء بالنكرة أن تكون واو الحال تقدمته ، نحو قوله : سرينا ونجم قد أضاء فقد بدا محياك أخفى ضوؤه كل شارق وقرأ الجمهور :{ يَمُدُّهُ } بالياء ، من مد ؛ وابن مسعود ، وابن عباس : بتاء التأنيث ، من مد أيضاً ؛ وعبد اللّه أيضاً ، والحسن ، وابن مطرف ، وابن هرمز : بالياء من تحت ، من أمد ؛ وجعفر بن محمد : والبحر مداده ، أي يكتب به من السواد . و قال ابن عطية : هو مصدر . انتهى .{ مِن بَعْدِهِ } : أي من بعد نفاد ما فيه ، { سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } : لا يراد به الاقتصار على هذا العدد ، بل جيء للكثرة ، كقوله : المؤمن من يأكل في معي واحد ، والكافر في سبعة أمعاء ، لا يراد به العدد ، بل ذلك إشارة إلى القلة والكثرة . ولما كان لفظ سبعة ليس موضوعاً في الأصل للتكثير ، وإن كان مراداً به التكثير ، جاء مميزه بلفظ القلة ، وهو أبحر ، ولم يقل بحور ، وإن كان لا يراد به أيضاً إلا التكثير ، ليناسب بين اللفظين . فكما يجوز في سبعة ، واستعمل للتكثر ، كذلك يجوز في أبحر ، واستعمل للتكثير . وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى ، وكتب بها الكتاب كلمات اللّه . {مَّا نَفِدَتْ } ، والمعنى : ولو أن أشجار الأرض أقلام ، والبحر ممدود بسبعة أبحر ، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات اللّه، { مَّا نَفِدَتْ } ، ونفدت الأقلام والمداد الذي في البحر وما يمده ، كما قال :{ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّى } الآية . وقال الزمخشري : فإن قلت : زعمت أن قوله :{ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ } ، حال في أحد وجهي الرفع ، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال ، قلت : هو كقوله : وقد اغتدي والطير في وكناتها وجئت والجيش مصطف ، وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف . يجوز أن يكون المعنى : وبحرها ، والضمير للأرض . انتهى . وهذا الذي جعله سؤالاً وجواباً من واضح النحو الذي لا يجهله المبتدئون فيه ، وهو أن الجملة لا سمية إذا كانت حالاً بالواو ، لا يحتاج إلى ضمير يربط ، واكتفى بالواو فيها . وأما قوله : وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف ، فليس بجيد ، لأن الظرف إذا وقع حالاً ، ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف . والجملة الاسمية إذا كانت حالاً بالواو ، فليس فيها ضمير منتقل . وأما قوله : ويجوز ، فلا يجوز إلا على رأي الكوفيين ، حيث يجعلون أل عوضاً من الضمير . وقال الزمخشري : فإن قلت : لم قيل :{ مِن شَجَرَةٍ } ، على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر ؟ قلت : أريد تفصيل الشجر ونقضها شجرة شجرة ، حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بريت أقلاماً . انتهى . وهذا النوع هو مما أوقع فيه المفرد موقع الجمع ، والنكرة موقع المعرفة ، ونظيره :{ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } ،{ مَّا يَفْتَحِ اللّه لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } ،{ وَللّه يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ مَن دَابَّةٍ } ؛ وكقول العرب : هو أول فارس ، وهذا أفضل عالم ، يريد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب ، وأول الفرسان . أخبروا بالمفرد والنكرة ، وأرادوا به معنى الجمع المعرف بأل ، وهو مهيع في كلام العرب معروف . وكذلك يتقدر هذا من الشجرات ، أو من الأشجار . وفي هذا الكلام من المبالغة في تكثير الأقلام والمداد ما ينبغي أن يتأمل ، وذلك أن الأشجار مشتمل كل واحدة منها على الأغصان الكثيرة ، وتلك الأغصان كل غصن منها يقطع على قدر القلم ، فيبلغ عدد الأقلام في التناهي إلى ما لايعلم به ، ولا يحيط إلا اللّه تعالى . وقرأ الجمهور :{ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّه } ، بالألف والتاء . وقرأ زيد بن علي : كلمة اللّه ، على التوحيد . وقرأ الحسن : ما نفد ، بغير تاء ، كلام اللّه . قال أبو علي : المراد بالكلمات ، واللّه أعلم : ما في المعدوم دون ما خرج من العدم إلى الوجود . وقالت فرقة : المراد بكلمات اللّه : معلوماته . وقال الزمخشري : فإن قلت : الكلمات جمع قلة ، والمواضع مواضع التكثير لا التقليل ، فهلا قيل : كلم اللّه ؟ قلت : معناه أن كلماته لا تفي بكتبها البحار ، فكيف بكلمة ؟ انتهى . وعلى تسليم أن كلمات جمع قلة ، فجموع القلة إذا تعرفت بالألف واللام غير العهدية ، أو أضيفت ، عمت وصارت لا تخص القليل ، والعام مستغرق لجميع الأفراد .{ أَنَّ اللّه عَزِيزٌ } : كامل القدرة ، فمقدوراته لا نهاية لها .{ حَكِيمٌ } : كامل العلم ، فمعلوماته لا نهاية لها . ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعلمه ، ذكر ما يبطل استبعادهم للحشر .{ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ } : إلا كخلق نفس واحدة وبعثها ، ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتي : كونوا فيكونون ، فالقليل والكثير ، والواحد والجمع ، لا يتفاوت في قدرته . وقال النقاش : هذه الآية في أبيّ بن خلف ، وأبي الأسد ، ونبيه ومنبه ابني الحجاج ، قالوا : يا محمد : إنا نرى الطفل يخلق بتدريج ، وأنت تقول : اللّه يعيدنا دفعة واحدة ، فنزلت .{ إِنَّ اللّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ } : سميع كل صوت ، بصير يبصر كل مبصر في حالة واحدة ، لا يشغله إدراك بعضها عن بعض ، فكذلك الخلق والبعث . |
﴿ ٢٨ ﴾