٣٣

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه يُولِجُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ ...}

{يُولِجُ الَّيْلَ } : الجملتين شرحت في آل عمران وهنا .{ إِلَى أَجَلٍ } ، ويدل على الأنتهاء ، أي : يبلغه وينتهي إليه . وفي الزمر :{ لاِجَلٍ } ، ويدل على الاختصاص بجعل الجري مختصاً بإدراك أجل مسمى ، وجري الشمس مختص بآخر السنة ، وجري القمر بآخر الشهر ؛ فكلا المعنيين متناسب لجريهما ، فلذلك عدى بهما .

وقرأ عياش ، عن أبي عمرو : بما يعملون ، بياء الغيبة .{ ذالِكَ بِأَنَّ اللّه } الآية ، تقدم شرحها في الحج وهنا .{ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ } ، وفي الحج { مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } ، بزيادة هو . ولما ذكر تعالى تسخير النيرين وإمتنانه بذلك علينا ، ذكر أيضاً من سخر الفلك من العالم الأرضي بجامع ما اشتركا فيه من الجريان .

وقرأ الجمهور :{ أَلَمْ تَرَ } على الإفراد اللفظي .

وقرأ الأعرج ، والأعمش ، وابن يعمر : بنعمات اللّه ، بكسر النون وسكون العين جمعاً بالألف والتاء .

وقرأ ابن أبي عبلة : بفتح النون وكسر العين بالألف والتاء والباء ، وتحتمل السبية : أي تجري بسبب الريح وتسخير اللّه ، وتحتمل الحالية ، أي مصحوبة بنعمة اللّه ، وهي ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات . و

قال ابن عطية : الباء للالصاق . انتهى .

وقرأ موسى بن الزبير :{ الْفُلْكِ } ، بضم اللام . و { صَبَّارٍ شَكُورٍ } : بنيتا مبالغة ، وفعال أبلغ لزيادة حروفه .

ولما تقدم ذكر جري الفلك في البحر ، وكأن في ذلك ما لا يخفى على راكبه من الخوف ، وتقدم ذكر النعمة ، ناسب الختم بالصبر على ما يحذر ، وبالشكر على ما أنعم به تعالى ، وشبه الموج في ارتفاعه واسوداده واضطرابه بالظلل ، وهو السحاب .

وقيل : كالظلل : كالجبال ، أطلق على الجبل ظلة .

وقرأ محمد بن الحنفية : كالظلال ، وهما جمع ظلة ، نحو : قلة وقلل وقلال . وقوله :{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ } ، فيه التفات خرج من ضمير الخطاب في { لِيُرِيَكُمْ } إلى ضمير الغيبة في { غَشِيَهُمْ} و { مَوْجٍ } : اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بتاء التأنيث ، فهو يدل على الجمع ، ولذلك شبهه بالجمع .

{فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } ، قال الحسن : أي مؤمن يعرف حق اللّه في هذه النعم . وقال مجاهد : مقتصد على كفره : أي يسلم للّه ويفهم أن نحو هذا من القدرة ، وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها . قيل :أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر .

قال الزمخشري : يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند

الخوف لا ينبغي لأحد قط . انتهى . وكثر استعمال الزمخشري قط ظرفاً ، والعامل فيه غير ماضٍ ، وهو مخالف لكلام العرب في ذلك . فقبل حذف مقابل فمنهم مؤمن مقتصد تقديره : ومنهم جاحد ودل عليه ، قوله : { وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَا} وعلى هذا القول يكون مقتصد معناه : مؤمن مقتصد في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء ، موف بما عاهد اللّه عليه في البحر ، وختم هنا ببنيتي مبالغة ، وهما :{ خَتَّارٍ } ، و { كَفُورٌ} فالصبار الشكور معترف بآيات اللّه ، والختار الكفور يجحد بها . وتوازنت هذه الكلمات لفظاً ومعنىً . أما لفظاً فظاهر ،

وأما معنىً فالختار هو الغدار ، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر ، لأن الصبارّ يفوّض أمره إلى اللّه ،

وأما الغدار فيعهد ويغدر ، فلا يصبر على العهد :

وأما الكفور فمقابلته معنى للشكور واضحة . ولما ذكر تعالى الدلائل على الوحدانية والحشر من أوّل السورة ، أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بهذا اليوم العظيم .

لا يجزي : لا يقضي ، ومنه قيل للمتقاضي : المتجازي ، وتقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة . ولما كان الوالد أكثر شفقة على الولد من الولد على أبيه ، بدأ به أولاً ، وأتى في الإسناد إلى الوالد بالفعل المقتضي للتجدد ، لأن شفقته متجددة على الولد في كل حال ، وأتى في الإسناد إلى الولد باسم الفاعل ، لأنه يدل على الثبوت ، والثبوت يصدق بالمرة الواحدة . والجملة من لا يجزي صفة ليوم ، والضمير محذوف ، أي منه ، فإما أن يحذف برمته ،

وإما على التدريج حذف الخبر ، فتعدى الفعل إلى الضمير وهو منصوب فحذف .

وقرأ الجمهور : لا يجزي مضارع جزى ؛ وعكرمة : بضم الياء وفتح الزاي مبنياً للمفعول ؛ وأبو السماك ، وعامر بن عبد اللّه ، وأبو السوار : لا يجزىء ، بضم الياء وكسر الزاي مهموزاً ، وومعناه : لا يغني ؛ يقال : أجزأت عنك جزاء فلان : أي أغنيت . ويجوز في { وَلاَ مَوْلُودٌ } وجهان :

أحدهما : أن يكون معطوفاً على والد ، والجملة من قوله :{ هُوَ } ، صفة مولود .

والثاني : أن يكون مبتدأ ، وهو مبتدأ ثان ، وجاز خبره ، والجملة خبر للأول ، وجاز الابتداء به ، وهو نكرة لوجود مسوغ ذلك ، وهو النفي . وذهل المهدوي فقال : لا يكون { وَلاَ مَوْلُودٌ } مبتدأ ، لأنه نكرة وما بعده صفة ، فيبقى بلا خبر و { شَيْئاً } منصوب بجاز ، وهو من باب الأعمال ، لأنه يطلبه { لاَّ يَجْزِى } ويطلبه { جَازٍ } ، فجعلناه من أعمال الثاني ، لأنه المختار .

وقرأ ابن أبي إسحاق ، وابن أبي عبلة ، ويعقوب : نغرنكم ، بالنون الخفيفة .

وقرأ سماك بن حرب ، وأبو حيوة : الغرور بالضم ، وهو مصدر ؛ والجمهور : بالفتح ، وفسره ابن مجاهد والضحاك بالشيطان ، ويمكن حمل قراءة الضم عليه جعل الشيطان نفس الغرور مبالغة .

وقال الزمخشري :

فإن قلت : قوله :{ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } هو وارد على طريق من التوكيد ، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه .

قلت : الأمر كذلك ، لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية ، وقد انضم إلى ذلك قوله :{ هُوَ } ، وقوله :{ مَوْلُودٌ } ، والسبب في مجيئه هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين ، وغالبهم قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي ، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس أن ينفعوا آباءهم في الآخرة ، وأن يشفعوا لهم ، وأن يغنوا عنهم من اللّه شيئاً ، فلذلك جيء به على الطريق الأوكد . ومعنى التوكيد في لفظ المولود : أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه ، لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده ، لأن الولد يقع على الولد ، وولد الولد بخلاف المولود ، فإنه لمن ولد منك .

﴿ ٣٣