١١

{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً ياجِبَالُ جِبَالٍ أَوّبِى مَعَهُ ...}

مناسبة قصة داود وسليمان ، عليهما السلام ، لما قبلها ، هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته عندهم ، فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره ، إذ طفحت ببعضه أخبارهم وشعراؤهم على ما يأتي ذكره ، إن شاء اللّه ، من تأويب الجبال والطير مع داود ، والإنة الحديد ، وهو الجرم المستعصي ، وتسخير الريح لسليمان ، وإسالة النحاس له ، كما ألان الحديد لأبيه ، وتسخير الجن فيما شاء من الأعمال الشاقة .

وقيل : لما ذكر من ينيب من عباده ، ذكر من جملتهم داود ، كما قال : { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } ، وبين ما آتاه اللّه على إنابته فقال :{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً } ،

وقيل : ذكر نعمته على داود وسليمان ، عليهما السلام ، احتجاجاً على ما منح محمداً صلى اللّه عليه وسلم :أي لا تستبعدوا هذا ، فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً بكذا وكذا . فلما فرغ التمثيل لمحمد ، عليه السلام ، رجع التمثيل لهم بسبأ ، وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو . انتهى . والفضل الذي أوتي داود : الزبور ، والعدل في القضاء ، والثقة باللّه ، وتسخير الجبال ، والطير ، وتليين الحديد ، أقوال .{ مِن جِبَالٍ } : هو إضمار القول ، إما مصدر ، أي قلنا { مِن جِبَالٍ } ، فيكون بدلاً من { فَضْلاً } ،

وأما فعلاً ، أي قلنا ، فيكون بدلاً من { ءاتَيْنَا } ،

وإما على الاستئناف ، أي قلنا { مِن جِبَالٍ } ، وجعل الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته ، ودلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث نادى الجبال وأمرها .

وقرأ الجمهور :{ أَوّبِى } ، مضاعف آب يؤوب ، ومعناه : سبحي معه ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد . وقال مؤرج ، وأبو ميسرة : أوبي : سبحي ، بلغة الحبشة ، أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح ، أي تردد بالذكر ، وضعف الفعل للمبالغة ، قاله ابن عطية . ويظهر أن التضعيف للتعدية ، فليس للمبالغة ، إذا أصله آب ، وهو لازم بمعنى : رجع اللازم فعدى بالتضعيف ، إذ شرحوه بقولهم : رجعي معه التسبيح .

قال الزمخشري : ومعنى تسبيح الجبال : أن اللّه يخلق فيها تسبيحاً ، كما خلق الكلام في الشجرة ، فيسمع منها ما يسمع من المسبح ، معجزة لداود . قيل : كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين ، وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها . انتهى . وقوله : كما خلق الكلام في الشجرة ، يعني أن الذي يسمع موسى هو مما خلقه اللّه في الشجرة من الكلام ، لا أنه كلام اللّه حقيقة ، وهو مذهب المعتزلة .

وأما قوله : تساعده الجبال على نوحه بأصدائها فليس بشيء ، لأن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة ، واللّه تعالى نادى الجبال وأمرها بأن تؤوب معه ، والصدى لا تؤمر الجبال بأن تفعله ، إذ ليس فعلاً لها ، وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما يقوم عليه البرهان . وقال الحسن : معنى { أَوّبِى مَعَهُ } : سيري معه أين سار ، والتأويب : سير النهار . كان الإنسان يسير الليل ثم يرجع للسير بالنهار ، أي يردده ، وقال تميم بن مقبل : لحقنا بحي أوبوا السير بعدما

رفعنا شعاع الشمس والطرف تجنح

وقال آخر : يومان يوم مقامات وأندية

ويوم سير إلى الاعداء تأويب

وقيل : أوّبي : تصرفي معه على ما يتصرف فيه . فكان إذا قرأ الزبور ، صوتت الجبال معه وأصغت إليه الطير ، فكأنها فعلت ما فعل .

وقرأ ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن أبي إسحاق : أوبي ، أمر من أوب : أي رجعي معه في التسبيح ، أو في

السير ، على القولين . فأمر الجبال كأمر الواحدة المؤنثة ، لأن جمع ما لا يعقل يجوز فيه ذلك ، ومنه : يا خيل اللّه اركبي ، ومنه : يا رب أخرى ، وقد جاء ذلك في جميع ما يعقل من المؤنث ، قال الشاعر : تركنا الخيل والنعم المفدى

وقلنا للنساء بها أقيمي

لكن هذا قليل .

وقرأ الجمهور : { وَالطَّيْرُ } ، بالنصب عطفاً على موضع { مِن جِبَالٍ} قال سيبويه : وقال أبو عمرو : بإضمار فعل تقديره : وسخرنا له الطير . وقال الكسائي : عطفاً على { فَضْلاً } ،أي وتسبيح الطير . وقال الزجاج : نصبه على أنه مفعول معه . انتهى ، وهذا لا يجوز ، لأن قبله معه ، ولا يقتضي الفعل اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف ، فكما لا يجوز : جاء زيد مع عمر ومع زينب إلا بالعطف ، كذلك هذا .

وقرأ السلمي ، وابن هرمز ، وأبو يحيى ، وأبو نوفل ، ويعقوب ، وابن أبي عبلة ، وجماعة من أهل المدينة ، وعاصم في رواية : والطير ، بالرفع ، عطفاً على لفظ { مِن جِبَالٍ } ؛

وقيل : عطفاً على الضمير في { أَوّبِى } ، وسوغ ذلك الفصل بالظرف ؛

وقيل : رفعاً بالابتداء ، والخبر محذوف ، أي والطير تؤوّب . وإلانة الحديد ، قال ابن عباس وقتادة : صار كالشمع . وقال الحسن : كالعجين ، وكان يعمله من غير نار . وقال السدي : كالطين المبلول والعجين والشمع ، يصرفه كيف شاء من غير نار ولا ضرب مطرقة .

وقيل : أعطي قوة يلين بها الحديد . وقال مقاتل : وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليلة ثمنها ألف درهم ، وكان داود يتنكر فيسأل الناس عن حاله ، فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله ، فقال : نعم العبد لولا خلة فيه ، فقال : وما هي ؟ فقال : يرتزق من بيت المال ، ولو أكل من عمل يده تمت فضائله ، فدعا اللّه أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه ، د فعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فأثرى ، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين . وأن في { أَنِ اعْمَلْ } مصدرية ، وهي على إسقاط حرف الجر ، أي ألناه لعمل { سَابِغَاتٍ} وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة ، ولا يصح ، لأن من شرطها أن يتقدمها معنى القول ، وأن ليس فيه معنى القول . وقدر بعضهم قبلها فعلاً محذوفاً حتى يصح أن تكون مفسرة ، وتقديره : وأمرناه أن اعمل ، أي اعمل ، ولا ضرورة تدعو إلى هذا المحذوف . وقرىء : صابغات ، بالصاد بدلاً من السين ، وتقدم أنها لغة في قوله : وأسبغ عليكم نعمه .{ وَقَدّرْ فِى السَّرْدِ } ، قال ابن زيد : هو في قدر الحلقة ، أي لا تعملها صغيرة فتضعف ، فلا يقوى الدرع على الدفاع ، ولا كبيرة فينال لابسها من خلالها .

وقال ابن عباس : هو في المسمار ، لا يرق فينكسر ، ولا يغلظ فيفصم ، بالفاء وبالقاف . وقال قتادة : إن الدروع كانت قبل صفائح كانت ثقالاً ، وهو أول من صنع الدرع حلقاً . والظاهر أن الأمر في قوله :{ اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ } لآل داود ، وإن لم يجر لهم ذكر . ويجوز أن يكون أمر الداود شرفه اللّه بأن خاطبه خطاب الجمع .

﴿ ١١