٢١{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً } : جاءت هذه الجملة بعد قوله :{ وَبَدَّلْنَاهُمْ } ، وذلك أنه لما ذكر ما أنعم به عليهم من جنتيهم ، وذكر تبديلها بالخمط والأثل والسدر ، ذكر ما كان أنعم به عليهم من اتصال قرارهم ، وذكر تبديلها بالمفاوز والبراري . وقوله :{ وَجَعَلْنَا } ، وصف تعالى حالهم قبل مجيء السيل ، وهو أنه مع ما كان منهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم ، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلها أربابها ، وقدّر السير بأن قرب القرى بعضها من بعض . قال ابن عطية : حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في أخرى ، ولا يحتاج إلى حمل زاد . والقرى : المدن ، ويقال للجمع الصغير أيضاً قرية . والقرى التي بورك فيها بلاد الشام ، بإجماع من المفسرين . والقرى الظاهرة هي التي بين الشأم ومأرب ، وهي الصغار التي هي البوادي . انتهى . وما ذكره من أن القرى التي بورك فيها هي قرى الشام بإجماع ليس كما ذكر ، قال مجاهد : هي السراوي . وقال وهب : قرى صنعاء . وقال ابن جبير : قرى مأرب . وقال ابن عباس : قرى بيت المقدس . وبركتها : كثرة أشجارها أو ثمارها . ووصف قرى بظاهرة ، قال قتادة : متصلة على الطريق ، يغدون فيقيلون في قرية ، ويروحون فيبيتون في قرية . قيل : كان كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق . وقال المبرد : ظاهرة : مرتفعة ، أي في الآكام والظراب ، وهو أشرف القرى . وقيل : ظاهرة ، إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى . وقيل : ظاهرة : معروفة ، يقال هذا أمر ظاهر : أي معروف ، وقيل : ظاهرة : عامرة . و قال ابن عطية : والذي يظهر لي أن معنى ظاهرة : خارجة عن المدة ، فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن ، كأنه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن . وظواهر المدن : ما خرج عنها في الفيافي والفحوص ، ومنه قولهم : نزلنا بظاهر فلاة أى خارجاً عنها ، وقوله :{ ظَاهِرَةً } : تظهر ، تسميه الناس إياها بالبادية والضاحية ، ومن هذا قول الشاعر : فلو شهدتني من قريش عصابة قريش البطاح لا قريش الظواهر يعني : الخارجين من بطحاء مكة . وفي الحديث : { وجاء أهل الضواحي يسكنون الغرف} .{ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } : قد ذكر أن الغادي يقيل في قرية ، والرائح في أخرى ، إلى أن يصل إلى مقصوده آمناً من عدو وجوع وعطش وآفات المسافر . قال الضحاك : مقادير المراحل كانت القرى على مقاديرها . وقال الكلبي : مقادير المقيل والمبيت ، وقال القتبي : بين كل قرية وقرية مقدار واحد معلوم ، وقيل : بين كل قريتين نصف يوم ، وهذه أقوال متقاربة . والظاهر أن قوله :{ سِيرُواْ } ، أمر حقيقة على لسان أنبيائهم . وقال الزمخشري : ولا قول ثم ، ولكنهم لما مكنوا من السير ، وسويترلهم أسبابه ، فكأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه . انتهى . ودخول الفاء في قوله فكأنهم لا يجوز ، والصواب كأنهم لأنه خبر لكنم . وقال قتادة : كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشر في أمان ، ولو وجد الرجل قاتل ابنه لم يهجه ، وكان المسافر لا يأخذ زاداً ولا سقاء مما بسط اللّه لم من النعم . وقال الزمخشري : { سِيرُواْ فِيهَا } ، إن شئتم بالليل ، وإن شئتم بالنهار ، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات ؛ أو سيروا فيا آمنين ولا تخافون ، وإن تطاولت مدة أسفاركم فيها وامتدت أياماً وليالي ؛ أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم ، فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها إلا آمنين . انتهى . وقدم الليالي ، لأنها مظنة الخوف لمن قال : ومنّ عليهم بالأمن ، حتى يساوي الليل النهار في ذلك . ولما طالت بهم مدة النعمة بطروا وملوا العافية ، وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، كما فعلت بنو إسرائيل ، وقالوا : لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأغلى قيمة ، فتمنوا أن يجعل اللّه بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد فقالوا :{ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وقرأ جمهور السبعة : ربنا بالنصب على النداء ، باعد : طلب ؛ وابن كثير ، وأبو عمرو ، وهشام : كذلك ، إلا أنهم شددوا العين ؛ وابن عباس ، وابن الحنفية ، وعمرو بن فائد : ربنا رفعاً ، بعد فعلاً ماضياً مشدد العين ؛ وابن عباس أيضاً ، وابن الحنفية أيضاً ؛ وأبو رجاء ، والحسن ، ويعقوب ، وأبو حاتم ، وزيد بن علي ، وابن يعمر أيضاً ؛ وأبو صالح ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، ومحمد بن علي ، وسلام ، وأبو حيوة : كذلك ، إلا أنه بألف بين الباء والعين ؛ وسعيد بن أبي الحسن أخي الحسين ، وابن الحنفية أيضاً ، وسفيان بن حسين ، وابن السميفع : ربنا بالنصب ، بعد بضم العين فعلاً ماضياً بين بالنصب ، إلا سعيداً منهم ، فضم نون بين جعله فاعلاً ، ومن نصب ، فالفاعل ضمير يعود على السير ، أي أبعد السير بين أسفارنا ، فمن نصب ربنا جعله نداء ، فإن جاء بعده طلب كان ذلك أشراً منهم وبطراً وإن جاء بعد فعلاً ماضياً كان ذلك شكوى مما أحل بهم من بعد الأسفار التي طلبوها أولاً ، ومن رفع ربنا فلا يكون الفعل إلا ماضياً ، وهي جملة خبرية فيها شكوى بعضهم إلى بعض مما حل بهم من بعد الأسفار . ومن قرأ باعد ، أو بعد بالألف والتشديد ، فبين مفعول ، به لأنهما فعلان متعديان ، وليس بين ظرفاً . ألا ترى إلى قراءة من رفعه كيف جعله اسماً ؟{ فَكَذَلِكَ } إذا نصب وقرىء بعد مبنياً للمفعول . وقرأ ابن يعمر : بين سفرنا مفرداً ؛ والجمهور : بالجمع .{ وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } : عطف على { فَقَالُواْ} وقال الكلبي : هو حال ، أي وقد ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل .{ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } : أي عظاة وعبراً يتحدث بهم ويتمثل . وقيل : لم يبق منهم إلا الحديث ، ولو بقي منهم طائفة لم يكونوا أحاديث .{ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } : أي تفريفاً ، اتخذه الناس مثلاً مضروباً ، فقال كثير : أيادي سبايا عز ما كنت بعدكم فلم يحل للعينين بعدك منظر وقال قتادة : فرقناهم بالتباعد . وقال ابن سلام : جعلناهم تراباً تذروه الرياح . وقال الزمخشري : غسان بالشام ، وأنمار بيثرب ، وجذام بتهامة ، والأزد بعمان ؛ وفي التحرير وقع منهم قضاعة بمكة ، وأسد بالبحرين ، وخزاعة بتهامة . وفي الحديث أن سبأ أبو عشرة قبائل ، فلما جاء السيل على مأرب ، وهو اسم بلدهم ، تيامن منهم ستة قبائل ، أي تبدّدت في بلاد اليمن : كندة والأزد والسفر ومذ حج وأنمار ، التي منها بجيلة وخثعم ، وطائفة قيل لها حجير بقي عليها اسم الأب الأول ؛ وتشاءمت أربعة : لخم وجذام وغسان وخزاعة ، ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة ، وهم الأوس والخزرج ، ومنها عاملة وغير ذلك . {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } : أي في قصص هؤلاء لآية : أي علامة .{ لّكُلّ صَبَّارٍ } ، عن المعاصي وعلى الطاعات .{ شَكُورٍ } ، للنعم . والظاهر أن الضمير في { عَلَيْهِمْ } عائد على من قبله من أهل سبأ ، وقيل : هو لبني آدم . وقرأ ابن عباس ، وقتادة ، وطلحة ، والأعمش ، وزيد بن علي ، والكوفيون :{ صَدَقَ } بتشديد الدال ، وانتصب { ظَنَّهُ } على أنه مفعول بصدق ، والمعنى : وجد ظنه صادقاً ، أي ظن شيئاً فوقع ما ظن . وقرأ باقي السبعة : بالتخفيف ، فانتصب ظنه على المصدر ، أي يظن ظناً ، أو على إسقاط الحرف ، أي في ظنه ، أو على المفعول به نحو قولهم : أخطأت ظني ، وأصبت ظني ، وظنه هذا كان حين قال : { لأضلنهم } ،{ الاْرْضِ وَلاغْوِيَنَّهُمْ } ، وهذا مما قاله ظناً منه ، فصدق هذا الظن . وقرأ زيد بن علي ، والزهري ، وجعفر بن محمد ، وأبو الجهجاه الأعرابي من فصحاء العرب ، وبلال بن أبي برزة : بنصب إبليس ورفع ظنه . أسند الفعل إلى ظنه ، لأنه ظناً فصار ظنه في الناس صادقاً ، كأنه صدقه ظنه ولم يكذبه . وقرأ عبد الوارث عن أبي عمر : وإبليس ظنه ، برفعهما ، فظنه بدل من إبليس بدل اشتمال . {فَاتَّبَعُوهُ } : أي في الكفر .{ إِلاَّ فَرِيقاً } : هم المؤمنون ، ومن لبيان الجنس ، ولا يمكن أن تكون للتبعيض لاقتضاء ذلك ، إن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس . وفي قوله :{ إِلاَّ فَرِيقاً } ، تقليل ، لأن المؤمنين بالإضافة إلى الكفار قليل ، كما قال : لاحتنكن ذريته إلا قليلاً .{ وَمَا كَانَ لَهُ } : أي لا بليس ، { عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَانٍ } : أي من تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستواء ، ولا حجة إلا الحكمة بينه وبين تميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها . وعلل التسلط بالعلم ، والمراد ما تعلق به العلم ، قاله الزمخشري . و قال ابن عطية :{ إِلاَّ لِنَعْلَمَ } موجوداً ، لأن العلم متقدم أولاً . انتهى . وقال معناه ابن قتيبة ، قال : لنعلم حادثاً كما علمناه قبل حدوثه . وقال قتادة : ليعلم اللّه به المؤمن من الكافر عاماً ظاهراً يستحق به العقاب والثواب ؛ وقيل : ليعلم أولياؤنا وحزبنا . وقال الحسن : واللّه ما كان له سوط ولا سيف ، ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه . انتهى . كما قال تعالى عنه :{ مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى} وقرأ الزهري : إلا ليعلم ، بضم الياء وفتح اللام ، مبنياً للمفعول . وقال ابن خالويه : إلا ليعلم من يؤمن بالياء .{ وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } ، إما للمبالغة عدل إليها عن حافظ ، وإما بمعنى محافظ ، كجليس وخليل . والحفظ يتضمن العلم والقدرة ، لأن من جهل الشيء وعجز لا يمكنه حفظه . |
﴿ ٢١ ﴾