٢٤

{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ اللّه لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ ...}

لما بين حال الشاكرين وحال الكافرين ، وذكر قريشاً ومن لم يؤمن بمن مضى ، عاد إلى خطابهم فقال : { قُلْ } ، يا محمد للمشركين الذين ضرب لهم المثل بقصة سبأ المعروفة عندهم بالنقل في أخبارهم وأشعارهم ، { ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ، وهم معبوداتهم من الملائكة والأصنام ، وهو أمر بدعاء هو تعجيز وإقامة للحجة . وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً ، أي ادعوهم ليكشفوا عنكم ما حل بكم ، والجؤوا إليهم فيما يعنّ لكم . وزعم : من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية ، والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين ، والثاني محذوف أيضاً لدلالة المعنى ، ونابت صفته منابه ، التقدير : الذي زعمتموهم آلهة من دونه ؛ وحسن حذف الثاني قيام صفته مقامه ، ولولا ذلك ما حسن ، إذ في حذف إحدى مفعولي ظن وأخواتها اختصاراً خلاف ، منع ذلك ابن ملكوت ، وأجازه الجمهور ، وهو مع ذلك قليل ، ولا يجوز أن يكون الثاني من دونه ، لأنه لا يستقل كلاماً . لو

قلت : هم من دونه ، لم يصح ، ولا الجملة من قوله :{ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } ، لأنه لو كانت هذه النسبة مزعومة لهم لكانوا معترفين بالحق قائلين له . ولو كان ذلك توحيداً منهم ، وأن آلهتهم ومعبوداتهم لا يملكون شيئاً باعترافهم . ثم أخبر عن آلهتهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة ، وهو أحقر الأشياء ، وإذا انتفى ملك الأحقر عنهم ، فملك الأعظم أولى . ثم ذكر مقر ذلك المثقال ، وهو السموات والأرض . ثم أخبر أنهم ما لهم في السموات ولا في الأرض من شركة ، فنفى نوعي الملك من الاستبداد والشركة . ثم نفى الإعانة منهم له تعالى في شيء مما أنشأ بقوله :{ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } ، فبين عجز معبوداتهم من جميع الجهات .

ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له ، نفى أن شفاعتهم تنفع ، والنفي منسحب على الشفاعة ، أي لا شفاعة لهم فتنفع ، وليس المعنى أنهم يشفعون ، ولا تنفع شفاعتهم ، أي لا يقع من معبوداتهم شفاعة أصلاً . ولأن عابديهم كفار ، فإن كان المعبودون أصناماً أو كفاراً ، كفرعون ، فسلب الشفاعة عنهم ظاهر ، وإن كانوا ملائكة أو غيرهم ممن عبد ، كعيسى عليه السلام ، فشفاعتهم إذا وجدت تكون لمؤمن . و { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } : استثناء مفرغ ، فالمستثنى منه محذوف تقديره : ولا تنفع الشفاعة لأحد { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} واحتمل قوله لأحد أن يكون مشفوعاً له ، وهو الظاهر ، فيكون قوله :{ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ،أي المشفوع ، أذن لأجله أن يشفع فيه ؛ والشافع ليس بمذكور ، وإنما دل عليه المعنى . واحتمل أن يكون شافعاً ، فيكون قوله :{ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } بمعنى : إلا لشافع أذن له أن يشفع ، والمشفوع ليس بمذكور ، إنما دل عليه المعنى . وعلى هذا الاحتمال تكون اللام في { أَذِنَ لَهُ } لام التبليغ ، لا لام العلة .

وقال الزمخشري : يقول : الشفاعة لزيد على معنى أنه الشافع ، كما يقول : الكرم لزيد ، وعلى معنى أنه المشفوع له ، كما تقول : القيام لزيد ، فاحتمل قوله :{ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } أن يكون على أحد هذين الوجهين ، أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له ، أو لا تنفع الشافعة إلا كائنة لمن أذن له ، أي لشفيعه ، أو هي اللام الثانية في قولك : أذن لزيد لعمرو ، أي لأجله ، وكأنه قيل : إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله ، وهذا وجه لطيف ، وهو الوجه ، وهذا تكذيب لقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . انتهى . فجعل إلا لمن أذن له استثناء مفرغاً من الأحوال ، ولذلك قدره : إلا كائنة ، وعلى ما قررناه استثناء من الذوات .

وقال أبو عبد اللّه الرازي : المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة : قائل :

إن اللّه خلق السموات وجعل الأرض والأرضيات في حكمها ، ونحن من جملة الأرضيات ، فنعبد الكواكب والملائكة السماوية ، وهم إلهنا ، واللّه إلههم ، فأبطل بقوله : { لاَّ يَمْلِكُونَ } ،{ فِي السَّمَاوَاتِ } ، كما اعترفتم ، { وَلاَ فِى الاْرْضِ } ، خلاف ما زعمتم . وقائل : السموات من اللّه استبداداً ، والأرضيات منه بواسطة الكواكب ، فإنه تعالى خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات وحركات وطوالع ، فجعلوا مع اللّه شركاء في الأرض ، والأولون جعلوا الأرض لغيره ، فأبطل بقوله :{ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } ،أي الأرض ، كالسماء للّه لا لغيره ، ولا لغيره فيهما نصيب . وقائل : التركيبات والحوادث من اللّه ، لكن فوض إلى الكواكب ، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ، ويسلب عن المأذون له فيه ، جعلوا السموات معينة للّه ، فأبطل بقوله :{ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } وقائل : نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ، فأبطل بقوله :{ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ } ، الجملة ، وأل في الشفاعة الظاهر أنها للعموم ، أي شفاعة جميع الخلق .

وقيل : للعهد ، أي شفاعة الملائكة التي زعموها شركاء وشفعاء . انتهى ، وفيه بعض تلخيص . وقال أبو البقاء : اللام في { لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } يجوز أن تتعلق بالشفاعة ، لأنك تقول : أشفعت له ، وأنت تعلق بتنفع . انتهى ، وهذا فيه قلة ، لأن المفعول متأخر ، فدخول اللام عليه قليل .

وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : أذن بضم الهمزة ؛ وباقي السبعة : بفتحها ، أي أذن اللّه له . والظاهر أن الضمير في قوله :{ قُلُوبِهِمْ } عائد على ما عادت عليه الضمائر التي للغيبة في قوله :{ لاَّ يَمْلِكُونَ } ، وفي { مَّا لَهُم } ، و { مَّا لَهُم مِنْهُمْ } ، وهم الملائكة الذين دعوهم آلهة وشفعاء ، ويكون التقدير : إلا لمن أذن له منهم .

و { حَتَّى } : تدل على الغاية ، وليس في الكلام عائد على أن حتى غاية له . ف

قال ابن عطية : في الكلام حذف يدل عليه الظاهر ، كأنه قال : ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم ، بل هم عبدة أو مسلمون أبداً ، يعني منقادون ، { حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال : وتظاهرت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن قوله :{ حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } ، إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي ، أي جبريل ، وبالأمر يأمر اللّه به سمعت ، كجر سلسلة الحديد على الصفوان ، فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة .

وقيل : خوف أن تقوم الساعة ، فإذا فزع ذلك عن قلوبهم ، أي أطير الفزع عنها وكشف ، يقول بعضهم لبعض ولجبريل :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } ؟ فيقول المسؤولون : قال { الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ } ، وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى ، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله :{ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } لم تتصل له هذه الآية بما قبلها ، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار ، بعد حلول الموت : ففزع عن قلوبهم بفقد الحياة ، فرأوا الحقيقة ، وزال فزعهم مما يقال لهم في حياتهم ، فيقال لهم حينئذ :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } ؟ فيقولون : قال الحق ، يقرون حين لا ينفعكم الإقرار . وقالت فرقة : الآية في جميع العالم . وقوله :{ حَتَّى } ، يريد في الآخرة ، والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح ، وهو الذي تظاهرت به الأحاديث ، وهذا بعيد . انتهى . وإذا كان الضمير في { عَن قُلُوبِهِمْ } لا يعود على { الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ، كان عائداً على من عاد عليه الضمير في قوله :{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ } ، ويكون الضمير في { عَلَيْهِمْ } عائداً على جميع الكفار ، ويكون حتى غاية لقوله :{ فَاتَّبَعُوهُ } ، ويكون التفزيع حالة مفارقة الحياة ، أو يجعل اتباعهم إياه مستصحباً لهم إلى يوم القيامة مجازاً}

والجملة بعد من قوله :{}

والجملة بعد من قوله :{ قُلِ ادْعُواْ } اعتراضية بين المغيا والغاية . قال ابن زيد : أقروا باللّه حين لا ينفعهم الإقرار ،

فالمعنى : فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم ما كان يطلبهم به ، { قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} وقال الحسن : وإنما يقال للمشركين { مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } على لسان الأنبياء ، فأقروا حين لا ينفع .

وقيل :{ حَتَّى } غاية متعلقة بقوله :{ زَعَمْتُمْ } ،أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم : قال الحق . انتهى . فيكون في الكلام التفاوت من خطاب في { زَعَمْتُمْ } إلى غيبة في { فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}

وعن ابن عباس : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فإذا أدن فزع ودام فزعه حتى إذا أزيل التفزيع عن قلوبهم . قال بعض الشافعين من الملائكة لبعض الملائكة :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } في قبول شفاعتنا ؟ فيجيب بعضهم لبعض : قال أي اللّه الحق ، أي القول الحق ، وهو قبول شفاعتهم ، إذا كان تعالى أذن لهم في ذلك ، ولا يأذن إلا وهو مريد

لقبول الشفاعة .

وقال الزمخشري : فإن قلت بم اتصل قوله : { حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } ؟ ولا شيء وقعت حتى غاية له .

قلت : بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظار الإذن وتوقفاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص . ومثل هذه الحال دل عليه قوله ، عز من قائل :{ رَبّ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً } ، كأنه قيل : يتربصون ويتوقفون ملياً فزعين وهلين .

{حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } : أي كشف الفزع من قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن . تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } ؟ قال الحق ، أي القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى . انتهى . وتلخص من هذا أن حتى غائيه إما لمنطوق وهو زعمتم ، ويكون الضمير في { عَن قُلُوبِهِمْ } التفاتاً ، وهو للكفار ، أو هو فاتبعوه ، وفيه تناسق الضمائر لغائب . والفصل بالاعتراض والضمير أيضاً للكفار ، والضمير في { قَالُواْ } للملائكة ، وضمير الخطاب في { رَبُّكُمْ } ، والغائب في { قَالُواْ } الثانية للكفار .

وأما لمحذوف ، فما قدره ابن عطية لا يصح أن يغيا ، لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، وهم عبدة منقادون دائماً لا ينفكون عن ذلك ، لا إذا فزع عن قلوبهم ، ولا إذا لم يفزع ، وحمل ذلك على الملائكة حال الوحي لا يناسب الآية ، وكون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، في قصة الوحي قال : { فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم } ، لا يدل على أن هذه الآية في الملائكة حالة تكلم اللّه بالوحي . والحديث رواه ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال :  { إذا تكلم اللّه عز وجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام ، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم ، فيقولون : يا جبريل ماذا قال ربك ؟ قال فيقول الحق ،  فينادون الحق} . وما قدره الزمخشري يحتمل ، إلا أن فيه تخصيص الذين زعمتم من دونه بالملائكة ، والذين عبدوهم ملائكة وغيرهم . وتخصيص من أذن له بالملائكة أيضاً ، والمأذون لهم في الشفاعة الملائكة وغيرهم . ألا ترى إلى ما حكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في { الشفاعة في قوله عز وجل ؟}.

وقرىء : فزع مشدداً ، من الفزع ، مبنياً للمفعول ، أي أطير الفزع عن قلوبهم . وفعل تأتي لمعان منها : الإزالة ، وهذا منه نحوه : قردت البعير ، أي أزلت القراد عنه .

وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وطلحة ، وأبو المتوكل الناجي ، وابن السمفيع ، وابن عامر : مبنياً للفاعل من الفزع أيضاً ، والضمير الفاعل في فزع إن كان الضمير في عن قلوبهم للملائكة ، فهو اللّه ، وإن كان للكفار ، فالضمير لمغويهم .

وقرأ الحسن :{ فُزّعَ } من الفزع ، بتخفيف الزاي ، مبنياً للمفعول ، و { عَن قُلُوبِهِمْ } في موضع رفع به ، كقولك : انطلق يزيد .

وقرأ الحسن أيضاً ، وأبو المتوكل أيضاً ، وقتادة ، ومجاهد : فزع مشدداً ، مبنياً للفاعل من الفزع .

وقرأ الحسن أيضاً : كذلك ، إلا أنه خفف الزاي .

وقرأ عبد اللّه بن عمر ، والحسن أيضاً ، وأيوب السختياني ، وقتادة أيضاً ، وأبو مجلز : فرغ من الفراغ ، مشدد الراء ، مبنياً للمفعول .

وقرأ ابن مسعود ، وعيسى افرنقع : عن قلوبهم ، بمعنى انكشف عنها ،

وقيل : تفرق .

وقال الزمخشري : والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين ، كما ركب قمطر من حروف القمط مع زيادة الراء . انتهى . فإن عني الزمخشري أن العين من حروف الزيادة ، وكذلك الراء ، وهو ظاهر كلامه ، فليس بصحيح ، لأن العين والراء ليستا من حروف الزيادة . وإن عنى أن الكلمة فيها حروف ، وما ذكروا زائداً إلى ذلك العين والراء كمادة فرقع وقمطر ، فهو صحيح لولا إيهام ما قاله الزمخشري في هذه الكلمة ، لم أذكر هذه القراءة لمخالفتها سواد المصحف . وقالوا أيضاً في قوله تعالى :{ حَتَّى إِذَا فُزّعَ } أقوالاً غير ما سبق . قال كعب : إذا تكلم اللّه عز وجل بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرت فزعاً ، قالوا فيما بينم :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ}

وقيل : إذا دعاهم إسرافيل من قبورهم ، قالوا مجيبين ماذا ، وهو من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ ، كما قاله زهير

إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم

طوال الرماح لإضعاف ولا عزل

وقيل : هو فزع ملائكة أدنى السموات عند نزول المدبرات إلى الأرض .

وقيل : لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبعث اللّه محمداً ، أنزل اللّه جبريل بالوحي ، فظنت الملائكة أنه قد نزل بشيء من أمر الساعة ، وصعقوا لذلك ، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي ، قاله قتادة ومقاتل وابن السائب .

وقيل : الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ، ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم اللّه فانحدروا ، سمع لهم صوت شديد ، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخرون سجداً يصعقون ، رواه الضحاك عن ابن مسعود .

وهذه الأقوال والتي قبلها لا تكاد تلائم ألفاظ القرآن ، فاللّه أسأل أن يرزقنا فهم كتابه ، وأقر بها عندي أن يكون الضمير في { قُلُوبِهِمْ } عائداً على من عاد عليه اتبعوه وعليهم ، وممن هو منها في شك ، وتكون الجملة بعد ذلك اعتراضاً . وقوله :{ قَالُواْ } ،أي الملائكة ، لأولئك المتبعين الشاكين يسألونهم سؤال توبيخ :{ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } ، على لسان من بعث إليكم بعد أن كشف الغطاء عن قلوبهم ، فيقرون إذ ذاك أن الذي قاله ، وجاءت به أنبياؤه ، وهو الحق ، لا الباطل الذي كنا فيه من اتباع إبليس . وشكنا في البعث ماذا يحتمل أن تكون ما منصوبة بقال ، أيأي شيء قال ربكم ، وأن يكون في موضع رفع على أن ذا موصولة ، أي ما الذي قال ربكم ، وذا خبره ، ومعموله قال ضمير محذوف عائد على الموصول .

وقرأ ابن أبي عبلة : قالوا الحق ، برفع الحق ، خبر مبتدأ ، أي مقوله الحق ، { وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ } ، تنزيه منهم له تعالى وتمجيد . ثم رجع إلى خطاب الكفار فسألهم عمن يرزقهم ، محتجاً عليهم بأن رازقهم هو اللّه ، إذ لا يمكن أن يقولوا إن آلهتهم ترزقهم وتسألهم أنهم { لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ } ، وأمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله :{ قُلِ اللّه } ، لأنهم قد لا يجيبون حباً في العناد وإيثاراً للشرك . ومعلوم أنه لا جواب لهم ولا لأحد إلا بأن يقول هو اللّه .{ وَأَنَا } : أي الموحدين الرازق العابدين ، {أَوْ إِيَّاكُمْ } : المشركين العابدين الأصنام والجمادات .{ لَعَلَى هُدًى } : أي طريقة مستقيمة ، أو في حيرة واضحة بينة . والمعنى : أن أحد الفريقين منا ومنكم لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال ، أخرج الكلام مخرج الشك والاحتمال . ومعلوم أن من عبد اللّه ووحده هو على الهدى ، وأن من عبد غيره من جماد أو غيره في ضلال . وهذه الجملة تضمنت الإنصاف واللطف في الدعوى إلى اللّه ، وقد علم من سمعها أنه جملة اتصاف ، والرد بالتورية والتعريض أبلغ من الرد بالتصريح ، ونحوه قول العرب : أخزى اللّه الكاذب مني ومنك ، يقول ذاك من يتيقن أن صاحبه هو الكاذب ، ونظيره قوله الشاعر : فأنيي ماوأيك كان شرا

فسيق إلى المقادة في هوان

وقال حسان : أتهجوه ولست له بكفؤ

فشركما لخيركما الفداء

وهذا النوع يسمى في علم البيان : استدراج المخاطب . يذكر له أمراً يسلمه ، وإن كان بخلاف ما ذكر حتى يصغي إليه إلى ما يلقيه إليه ، إذ لو بدأ به بما يكره لم يصغ ، ولا يزال ينقله من حال إلى حال حتى يتبين له الحق ويقبله . وهنا لما سمعوا الترداد بينه وبينهم ، ظهر لهم أنه غير جازم أن الحق معه ، فقال لهم بطريق الاستدلال : إن آلهتكم لا تملك مثقال ذرة ، ولا تنفع ولا تضر ، لأنها جماد ، وهم يعلمون ذلك ، فتحقق أن الرازق لهم والنافع والضار هو اللّه سبحانه .

وقيل : معنى الجملة استنقاص المشركين والاستهزاء بهم ، وقد بينوا أن آلهتهم لا ترزقهم شيئاً ولا تنفع ولا تضر ، فأراد اللّه من نبيه ، وأمره أن يوبخهم ويستنقصهم ويكذبهم بقول غير مكشوف ، إن كان ذلك أبلغ في استنقاصهم ، كقولك : إن أحدنا لكاذب ، وقد

علمت أن من خاطبته هو الكاذب ، ولكنك وبخته بلفظ غير مكشوف . وأوهنا على موضوعها لكونها لأحد الشيئين ، أو الأشياء . وخبر { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِيَّاكُمْ } هو { لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ، ولا يحتاج إلى تقدير حذف ، إذ المعنى : أن أحدنا لفي أحد هذين ، كقولك : زيد أو عمر وفي القصر ، أو في المسجد ، لا يحتاج هذا إلى تقدير حذف ، إذ معناه : أحد هذين في أحد هذين .

وقيل : الخبر محذوف ، فقيل : خبر لا وله ، والتقدير : وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، فحذف لدلالة خبر ما بعده عليه ، فلعلى هدى أو في ضلال مبين المثبت خبر عنه ، أو إياكم ، إذ هو على تقدير إنا ، ولكنها لما حذفت اتصل الضمير ،

وقيل : خبر الثاني ، والتقدير : أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وحذف لدلالة خبر الأول عليه ، وهو هذا المثبت { لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ، ولا حاجة لهذا التقدير من الحذف لو كان ما بعد أو غير معطوف بها ، نحو : زيد أو عمر وقائم ، كان يحتاج إلى هذا التقدير ، وإن مع ما يصلح أن يكون خبراً لأن اسمها عطف عليه بأو ، والخبر معطوف بأو ، فلا يحتاج إليه . وذهب أبو عبيدة إلى أن أو بمعنى الواو ، فيكون من باب اللف والنشر ، والتقدير : وإنا لعلى هدى ، وإياكم في ضلال مبين ، فأخبر عن كل بما ناسبه ، ولا حاجة إلى إخراج أو عن موضوعها . وجاء في الهدى بعلى ، لأن صاحبه ذو استعلاء ، وتمكن مما هو عليه ، يتصرف حيث شاء . وجاء في الضلال بعن لأنه منغمس في حيرة مرتبك فيها لا يدري أين يتوجه .

﴿ ٢٤