٣١{قُلْ أَرُونِىَ الَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء } : الظاهر أن أرى هنا بمعنى أعلم ، فيتعدى إلى ثلاثة : الضمير للمتكلم هو الأول ، والذين الثاني ، وشركاء الثالث ، أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة ، وهل يملكون مثقال ذرة أو يرزقونكم ؟ وقيل : هي رؤية بصر ، وشركاء نصب على الحال من الضمير المحذوف في ألحقتم ، إذ تقديره : ألحقتموهم به في حال توهمه شركاء له . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى قوله : أروني ، وكان يراهم ويعرفهم ؟ قلت : أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء باللّه ، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم ، ليطلعهم على حالة القياس إليه والإشراك به . و { كَلاَّ } : ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة ، كما قال إبراهيم :{ أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه } ، بعد ما حجهم ، وقد نبه على تفاحش غلطهم ، وأن يقدروا اللّه حق قدره بقوله :{ هُوَ اللّه الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ } ، كأنه قال : أي الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات ؟ وهو راجع إلى اللّه وحده ، أو هو ضمير الشأن كما في قوله :{ قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ} انتهى . وقول ابن عطية ، لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له ، أي لا نفع له ، ليس بجيد ، بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ، ولا يريد حقيقة الأمر ، بل المعنى : أن الذين هم شركاء اللّه على زعمكم ، هم ممن إن أريتموهم افتضحتم ، لأنهم خشب وحجر وغير ذلك من الحجارة والجماد ، كما تقول للرجل الخسيس الأصل : أذكر لي أباك الذي قايست به فلاناً الشريف ولا تريد حقيقة الذكر ، وإنما أردت تبكيته ، وأنه إن ذكر أباه افتضح . و { كَافَّةً } : اسم فاعل من كف ، وقيل : مصدر كالعاقبة والعافية ، فيكون على حذف مضاف ، أي إلا ذا كافة ، أي ذا كف للناس ، أي منع لهم من الكفر ، أو ذا منع من أن يشذوا عن تبليغك . وإذا كان اسم فاعل ، فقال الزجاج وغيره : هو حال من الكاف في { رأسلناك } ، والمعنى : إلا جامعاً للناس في الإبلاغ ، والكافة بمعنى الجامع ، والهاء فيه للمبالغة ، كهي في علامة وراوية . وقال الزمخشري : إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم ، قال : ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ ، لأن تقدم حال المجرور عليه في الإصالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار ، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى ، لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني ، فلا بد من ارتكاب الخطأين . انتهى . أما كافة بمعنى عامة ، فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ، ولم يتصرف فيها بغير ذلك ، فجعلها صفة لمصدر محذوف ، خروج عما نقلوا ، ولا يحفظ أيضاً استعماله صفة لموصوف محذوف . وأما قول الزجاج : إن كافة بمعنى جامعاً ، والهاء فيه للمبالغة ، فإن اللغة لا تساعد على ذلك ، لأن كف ليس بمحفوظ أن معناه جمع . وأما قول الزمخشري : ومن جعله حالاً إلى آخره ، فذلك مختلف فيه . ذهب الأكثرون إلى أن ذلك لا يجوز ، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان ومن معاصرينا ابن مالك إلى أنه يجوز ، وهو الصحيح . ومن أمثلة أبي علي زيد : خير ما يكون خير منك ، التقدير : زيد خير منك خير ما يكون ، فجعل ما يكون حالاً من الكاف في منك ، وقدمها عليه ، قال الشاعر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلاً عليه شديد وقال آخر : تسليت طراً عنكم بعد بينكم بذكركم حتى كأنكم عندي أي : تسليت عنكم طراً ، أي جميعاً . وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به ، ومن ذلك قول الشاعر : مشغوفة بك قد شغفت وإنما حتم الفراق فما إليك سبيل وقال الآخر : غافلاً تعرض المنية للمر ء فيدعى ولات حين إباء أي : شغفت بك مشغوفة ، وتعرض المنية للمرء غافلاً . وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل ، فتقديمها عليه دون العامل أجوز ، وعلى أن كافة حال من الناس ، حمله ابن عطية وقال : قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله : أي إلى العرب والعجم وسائر الأمم ، وتقدير إلى الناس كافة . انتهى . وقول الزمخشري : وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ، إلى آخر كلامه ، شنيع ؟ لأن قائل ذلك لا يحتاج إلى أن يتأول اللام بمعنى إلى ، لأن أرسل يتعدى بإلى ويتعدى باللام ، كقوله : { نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} ولو تأول اللام بمعنى إلى ، لم يكن ذلك خطأ ، لأن اللام قد جاءت بمعنى إلى ، وإلى قد جاءت بمعنى اللام ، وأرسل مما جاء متعدياً بهما إلى المجرور . ثم حكى تعالى مقالتهم في الاستهزاء بالبعث ، واستعالجهم على سبيل التكذيب ، ولم يجابوا بتعيين الزمان ، إذ ذاك مما انفرد تعالى بعلمه ، بل أجيبوا بأن ما وعدوا به لا بد من وقوعه ، وهو ميعاد يوم القيامة ، وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة ، ويجوز أن يكون سؤالهم عما وعدوا به من العذاب في الدنيا واستعجلوا به استهزاء منهم . وقال أبو عبيد : الوعد والوعيد والميعاد بمعنى . وقال الجمهور : الوعد في الخير ، والوعيد في الشر ، والميعاد يقع لهذا . والظاهر أن الميعاد اسم على وزن مفعال استعمل بمعنى المصدر ، أي قل لكم وقوع وعد يوم وتنجيزه . وقال الزمخشري : الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان ، وهو ههنا الزمان ، والدليل عليه قراءة من قرأ ميعاد يوم فأبدل منه اليوم . انتهى . ولا يتعين ما قال ، إذ يكون بدلاً على تقدير محذوف ، أي قل لكم ميعاد يوم ، فلما حذف أعرب ما قام مقامه بإعرابه . وقرأ الجمهور : { مّيعَادُ يَوْمٍ } بالإضافة . ولما جعل الزمخشري الميعاد ظرف زمان قال : أما الإضافة فإضافته تبيين ، كما تقول : سحق ثوب وبعير سانية . وقرأ ابن أبي عبلة ، واليزيدي : ميعاد يوماً بتنوينهما . قال الزمخشري : وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره لكم ميعاد ، أعني يوماً ، وأريد يوماً من صفته ، أعني كيت وكيت ، ويجوز أن يكون انتصابه على حذف مضاف ، ويجوز أن يكون الرفع على هذا للتعظيم . انتهى . لما جعل الميعاد ظرف زمان ، خرج الرفع والنصب على ذلك ، ويجوز أن يكون انتصابه على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم من صفته كيت وكيت . وقرأ عيسى : ميعاد منوناً ، ويوم بالنصب من غير تنوين مضافاً إلى الجملة ، فاحتمل تخريج الزمخشري على التعظيم ، واحتمل تخريجاً على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم كذا . وجاء هذا الجواب على طريق التهديد مطابقاً لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت ، وأنهم مرصدون بيوم القيامة ، يفاجئهم فلا يستطيعون تأخراً عنه ولا تقدماً عليه . واليوم : يوم القيامة ، وهو السابق إلى الذهن ، أو يوم مجيء أجلهم عند حضور منيتهم ، أو يوم بدر ، أقوال . و { لَن نُّؤْمِنَ بِهَاذَا الْقُرْءانِ } : يديه يعني الذي تضمن التوحيد والرسالة والبعث المتقدم ذكرها فيه .{ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } : هو ما نزل من كتب اللّه المبشرة برسول اللّه . يروي أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب ، فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في كتبهم ، وأغضبهم ذلك ، وقرنوا إلى القرآن ما تقدم من كتب اللّه في الكفر ، ويكون { الَّذِينَ كَفَرُواْ } مشركي قريش ومن جرى مجراهم . والمشهور أن { الَّذِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ } : التوراة والإنجيل وما تقدم من الكتب ، وهو مروي عن ابن جريج . وقالت فرقة :{ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } : هي القيامة ، قال ابن عطية : وهذا خطأ ، قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة ، وأنه المتقدم في الزمان ، وقد بيناه فيما تقدم . انتهى .{ وَلَوْ تَرَى إِذَا الظَّالِمُونَ } : أخبر عن حالهم في صفة التعجب منها ، وترى في معنى رأيت لإعمالها في الظرف الماضي ، ومفعول ترى محذوف ، أي حال الظالمين ، إذ هم { مَوْقُوفُونَ} وجواب لو محذوف ، أي لرأيت لهم حالاً منكرة من ذلهم وتخاذلهم وتحاورهم ، حيث لا ينفعهم شيء من ذلك . ثم فسر ذلك الرجوع والجدل بأن الأتباع ، وهم الذين استضعفوا ، قالوا لرؤسائهم على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم :{ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } : أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر . وأتى الضمير بعد لولا ضمير رفع على الأفصح . وحكى الأئمة سيبويه والخليل وغيرهما مجيئه بضمير الجر نحو : لولاكم ، وإنكار المبرد ذلك لا يلتفت إليه . ولما كان مقاماً ، استوى فيه المرؤوس والرئيس . بدأ الأتباع بتوبيخ مضليهم ، إذ زالت عنهم رئاستهم ، ولم يمكنهم أن ينكروا أنهم ما جاءهم رسول ، بل هم مقرون . ألا ترى إلى قول المتبوعين :{ بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ } ؟ فالجمع المقرون بأن الذكر قد جاءهم ، فقال لهم رؤساؤهم :{ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ } ، فأتوا بالاسم بعد أداة الاستفهام إنكاراً ، لأن يكونوا هم الذين صدوهم . صددتم من قبل أنفسكم وباختياركم بعد أداة الاستفهام ، كأنهم قالوا : نحن أخبرناكم وحلنا بينكم وبين الذكر بعد أن هممتم على الدخول في الإيمان ، بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم الضلالة على الهدى ، فكنتم مجرمين كافرين باختياركم ، لا لقولنا وتسويلنا . ولما أنكر رؤساؤهم أنهم السبب في كفرهم ، وأثبتوا بقولهم :{ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } ، أن كفرهم هو من قبل أنفسهم ، قابلوا إضراباً بإضراب ، فقال الأتباع :{ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ } : أي ما كان إجرامنا من جهتنا ، بل مكركم لنا دائماً ومخادعتكم لنا ليلاً ونهاراً ، إذ تأمروننا ونحن أتباع لا نقدر على مخالفتكم ، مطيعون لكم لاستيلائكم علينا بالكفر باللّه واتخاذ الأنداد . وأضيف المكر إلى الليل والنهار اتسع في الظرفين ، فهما في موضع نصب على المفعول به على السعة ، أو في موضع رفع على الإسناد المجازي ، كما قالوا : ليل نائم ، والأولى عندي أن يرتفع مكر على الفاعلية ، أي بل صدنا مكركم بالليل والنهار ، ونظيره قول القائل : أنا ضربت زيداً بل ضربه عمرو ، فيقول : بل ضربه غلامك ، والأحسن في التقدير أن يكون المعنى : ضربه غلامك . وقيل : يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً ، أي سبب كفرنا . وقرأ قتادة ، ويحيى بن يعمر : بل مكر بالتنوين ، الليل والنهار نصب على الظرف . وقرأ سعيد بن جبير بن محمد ، وأبو رزين ، وابن يعمر أيضاً : بفتح الكاف وشد الراء مرفوعة مضافة ، ومعناه : كدور الليل والنهار واختلافهما ، ومعناها : الإحالة على طول الأمل ، والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء الكفر باللّه . وقرأ ابن جبير أيضاً ، وطلحة ، وراشد هذا من التابعين ممن صحح المصاحف بأمر الحجاج : كذلك ، إلا أنهم نصبوا الراء على الظرف ، وناصبه فعل مضمر ، أي صدد تمونا مكر الليل والنهار ، أي في مكرهما ، ومعناه دائماً . وقال صاحب اللوامح : يجوز أن ينتصب بإذ تأمروننا مكر الليل والنهار . انتهى . وهذا وهم ، لأن ما بعد إذ لا يعمل فيما قبلها . وقال الزمخشري : بل يكون الإغراء مكراً دائماً لا يفترون عنه . انتهى . |
﴿ ٣١ ﴾