٣٦{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ...} {وَمَا أَرْسَلْنَا } الآية : هذه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مما مني به من قومه قريش ، من الكفر والافتخار بالأموال والأولاد . وإن ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفين مع أنبيائهم ، فلا يهمنك أمرهم و .{ مّن نَّذِيرٍ } : عام ، أي تنذرهم بعذاب اللّه إن لم يوحدوه . و { قَالَ مُتْرَفُوهَا } : جملة حالية ، ونص على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل ، لما شغلوا به من زخرفة الدنيا وما غلب على عقولهم منها ، فقلوبهم أبداً مشغولة منهمكة بخلاف الفقراء . فإنهم خالون من مستلذات الدنيا ، فقلوبهم أقبل للخير ، ولذلك هم أتباع الأنبياء ، كما جاء في حديث هرقل . وبما متعلق بكافرون ، وبه متعلق بأرسلتم ، وما عامة في ما جاءت به النذر من طلب الإيمان باللّه وإفراده بالعبادة والأخبار بأنهم رسله إليهم ، والبعث والجزاء على الأعمال . والظاهر أن الضمير في { وَقَالُواْ } عائد على المترفين ؛ وقيل : عائد على قريش ، ويدل عليه ما بعده من الخطاب في قوله :{ قُلْ } ، لأن من تقدم من المترفين الهالكين لا يخاطبون ، فلا يقول إلا الموجودون ، وقوله :{ وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ } ؛ واحتجوا على رضا اللّه عنهم بإحسانه تعالى إليهم ، فلو يتكرم عليهم ما بوسع علينا ، وأما أنتم فلهو انكم عليه حرمكم أيها التابعون للرسل . ثم نقول : إن يعذبوا نفياً عاماً ، لأن الأنبياء قد ينذرون بعذاب عاجل في الدنيا ، أو آجل في الآخرة ، فنفواهم جميع ذلك . فإما أن يكونوا منكرين للآخرة ، فقد نفوا تعذيبهم فيها ، لأنها إذ لم تكن ، فلا يكون فيها عذاب . وإما أن يكونوا مقرين بها حقيقة ، أو على سبيل الفرض ، فيقولون : كما أنعم علينا في الدنيا ، ينعم علينا في الآخرة على حالة الدنيا قياساً فاسداً ، فأبطل اللّه ذلك بأن الرزق فضل منه يقسم علينا في الآخرة على حالة الدنيا ، كما شاء .{ لِمَن يَشَاء } ، فقد بوسع على العاصي ويضيق على الطائع ، وقد يوسع عليهما ، والوجود شاهد بذلك ، فلا تقاس التوسعة في الدنيا ، لأن ذلك في الآخرة إنما هو على الأعمال الصالحة . وقرأ الأعمش : ويقدر في الموضعين مشدداً ؛ والجمهور : مخففاً ، ومعناه : ويضيق مقابل يبسط . {وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ } : مثل هؤلاء الكفرة ، { لاَّ يَعْلَمُونَ } أن الرزق مصروف بالمشيئة ، وليس دليلاً على الرضا ثم أخبر تعالى أن أموالهم وأولادهم التي افتخروا بها ليست بمقربة من اللّه ، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح . وقرأ الجمهور :{ بِالَّتِى } ، وجمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون التي هي التقوى ، وهي المقربة عند اللّه زلفى وحدها ، أي ليست أموالكم تلك الموضوعة للتقريب . انتهى . فجعل التي نعتاً لموصوف محذوف وهي التقوى . انتهى ، ولا حاجة إلى تقدير هذا الموصوف . والظاهر أن التي راجع إلى الأموال والأولاد ، وقاله الفراء . وقال أيضاً ، هو والزجاج : حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، والتقدير :{ وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} انتهى . ولا حاجة لتقدير هذا المحذوف ، إذ يصح أن يكون التي لمجموع الأموال والأولاد . وقرأ الحسن : باللاتي جمعاً ، وهو أيضاً راجع للأموال والأولاد . وقرى بالذي ، وزلفى مصدر ، كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من المعنى ، أي يقربكم . وقرأ الضحاك : زلفا بفتح اللام وتنوين الفاء ، جمع زلفة ، وهي القربة . |
﴿ ٣٦ ﴾