٤١{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } : أي المكذبين ، من تقدم ومن تأخر . وقرأ الجمهور : نحشرهم ، نقول بالنون فيهما ، وحفص بالياء ، وتقدمت في الأنعام وخطاب الملائكة تقريع للكفار ، وقد علم تعالى أن الملائكة منزهون برآء مما وجه عليهم من السؤال ، وإنما ذلك على طريق توقيف الكفار ، وقد علم سوء ما ارتبكوه من عبادة غير اللّه ، وأن من عبدوه متبرىء منهم . و { هَؤُلاء } مبتدأ و ، خبره { كَانُواْ يَعْبُدُونَ } ، و { إِيَّاكُمْ } مفعول { يَعْبُدُونَ} ولما تقدم انفصل ، وإنما قدم لأنه أبلغ في الخطاب ، ولكون { يَعْبُدُونَ } فاصلة . فلو أتى بالضمير منفصلاً ، كان التركيب يعبدونكم ، ولم تكن فاصلة . واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان عليها إذا كان جملة ، وهي مسألة خلاف ، أجاز ذلك ابن السراج ، ومنع ذلك قوم من النحويين ، وكذلك منعوا توسطه إذا كان جملة . وقال ابن السراج : القياس جواز ذلك ، ولم يسمع . ووجه الدلالة من الآية أن تقديم المعمول مؤذن بتقديم العامل ، فكما جاز تقديم { إِيَّاكُمْ } ، جاز تقديم { يَعْبُدُونَ } ، وهذه القاعدة ليست مطردة ، والأولى منع ذلك إلى أن يدل على جوازه سماع من العرب . ولما أجابوا اللّه بدؤا بتنزيهه وبرائته من كل سوء ، كما قال عيس عليه السلام : { سُبْحَانَكَ } ، ثم انتسبوا إلى موالاته دون أولئك الكفرة ، أي { أَنتَ وَلِيُّنَا } ، إذ موالاة بيننا وبينهم . وفي قولهم :{ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } ، إشعار لهم بما عبدوه ، وإن لم يصرح به . لكن الإضراب ببل يدل عليه وذلك لأن المعبود إذ لم يكن راضياً بعبادة عابده مريداً لها ، لم يكن ذلك العابد عابداً له حقيقة ، فلذلك قالوا :{ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } ، لأن أفعالهم القبيحة من وسوسة الشياطين وإغوائهم ومراداتهم عابدون لهم حقيقة ، فلذلك قالوا :{ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } ، إذ الشياطين راضون تلك الأفعال . وقيل : صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن ، وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها . وقيل : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت ، فيعبدون بعبادتها . و قال ابن عطية : لم تنف الملائكة عبادة البشر اياها ، وإنما أقرت أنها لم يكن لها في ذلك مشاركة . وعبادة البشر الجن هي فيما يقرون بطاعتهم إياهم ، وسماعهم من وسوستهم واغوائهم ، فهذا نوع من العبادة . وقد يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن ، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت ، في سورة الأنعام وغيرها . انتهى . وإذا هم قد عبدوا الجن ، فما وجه قولهم : أكثرهم مؤمنون ، ولم يقولوا جميعهم ، وقد أخبروا أنهم كانوا يعبدون الجن ؟ والجواب أنهم لم يدعوا إلا حاطة ، إذ قد يكون في الكفارة من لم يطلع الملائكة عليهم ، أو أنهم حلموا على الأكثر بإيمانهم بالجن لأن الإيمان من عمل القلب ، فلم يذكروا الاطلاع على جميع أعمال قلوبهم ، لأن ذلك للّه تعالى . ومعنى { مُؤْمِنُونَ } : مصدقون أنهم معبودوهم ، وقيل : مصدقون أنهم بنات اللّه ، وأنهم ملائكة ، { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} وأما من قال بأن الأكثر بمعنى الجميع ، فلا يرد عليه شيء ، لكنه ليس موضوع اللغة . |
﴿ ٤١ ﴾