٤٥{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } : توعد لهم ممن تقدمهم من الأمم ، وما آل إليه أمرهم ، وتسلية لرسوله بأن عادتهم في التكذيب عادة الأمم السابقة ، وسيحل بهم ما حل بأولئك . وأن الضميرين في :{ بَلَغُواْ } وفي :{ مَا ءاتَيْنَاهُمْ } عائدان على { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } ، ليتناسقا مع قوله تعالى :{ فَكَذَّبُواْ } ،أي ما بلغوا في شكر النعمة وجزاء المنة معشار ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم . وقال ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد : الضمير في { بَلَغُواْ } لقريش ، وفي { مَا ءاتَيْنَاهُمْ } للأمم { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} والمعنى : وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوة الأجسام وكثرة الأموال ، وحيث كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من القوة ، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك ؟ وقيل : الضمير في { بَلَغُواْ } عائد على { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } ، وفي { ءاتَيْنَاهُمُ } على قريش ، وما بلغ الأمم المتقدمة معشار ما آتينا قريشاً من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به . وأورد ابن عطية هذه الأقوال احتمالات ، والزمخشري ذكر الثاني ، وأبو عبد اللّه الرازي اختار الثالث ، قال : أي { الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البرهان ، وذلك لأن كتاب محمد ، عليه السلام ، أكمل من سائر الكتب وأوضح ، ومحمد ، عليه السلام ، أفضل من جميع الرسل وأفصح ، وبرهانه أو في ، وبيانه أشفى ، ويؤيد ما ذكرنا ، { وَمَا ءاتَيْنَاهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } تغني عن القرآن . فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب ، حمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب ، وكان أولى . انتهى . وعن ابن عباس : فليس أنه أعلم من أمّته ، ولا كتاب أبين من كتابه . والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع ، ومعناهما : العشر والربع . وقال قوم : المعشار عشر العشر . قال ابن عطية : وهذا ليس بشيء . انتهى . وقيل : والعشر في هذا القول عشر المعشرات ، فيكون جزأ من ألف جزء . قال الماوردي : وهو الأظهر ، لأن المراد به المبالغة في التقليل . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى { فَكَذَّبُواْ رُسُلِى } ، وهو مستغنى عنه بقوله { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } ؟ قلت : لما كان معنى قوله :{ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } ، وفعل الذين من قبلهم التكذيب ، وأقدموا عليه ، جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه ، ونظيره أن يقول القائل : أقدم فلان على الكفر ، فكفر بمحد صلى اللّه عليه وسلم. ويجوز أن ينعطف على قوله :{ مَا بَلَغُواْ } ، كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو ، فيفضل عليه .{ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } : للمكذبين الأوّلين ، ليحذروا من مثله . انتهى . وفكيف : تعظيم للأمر ، وليست استفهاماً مجرداً ، وفيه تهديد لقريش ، أي أنهم معرضون لنكير مثله ، والنكير مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل ، والفعل على وزن أفعل ، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر ، وحذفت إلى من نكير تخفيفاً لأنها أجزأته . |
﴿ ٤٥ ﴾