٤٦{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ } ، قال : هي طاعة اللّه وتوحيده . وقال السدي : هي لا إله إلاّ اللّه . قال قتادة : هي أن تقوموا . قال أبو علي :{ أَن تَقُومُواْ } في موضع خفض على البدل من واحدة . وقال الزمخشري :{ بِواحِدَةٍ } : بخصلة واحدة ، وهو فسرها بقوله :{ أَن تَقُومُواْ } على أن عطف بيان لها . انتهى . وهذا لا يجوز ، لأن بواحدة نكرة ، وأن تقوموا معرفة لتقديره قيامكم للّه . وعطف البيان فيه مذهبان : أحدهما : أنه يشترط فيه أن يكون معرفة من معرفة ، وهو مذهب الكوفيين ، وأما التخالف فلم يذهب إليه ذاهب ، وإنما هو وهم من قائله . وقد ردّ النحويون على الزمخشري في قوله :{ ءانٍ مَّقَامِ إِبْراهِيمَ } عطف بيان من قوله :{ بَيّنَاتٍ فَاسْأَلْ } ، وذلك لأجل التحالف ، فكذلك هذا . والظاهرر أن القيام هنا هو الانتصاب في الأمر ، والنهوض فيه بالهمة ، لا القيام الذي يراد به المقول على القولين ، ويبعد أن يراد به ما جوزه الزمخشري من القيام عن مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتفرقهم عن مجتمعهم عنده . والمعنى : إنما أعظكم بواحدة فيها إصابتكم الحق وخلاصكم ، وهي أن تقوموا لوجه اللّه متفرقين اثنين اثنين ، وواحداً واحداً ، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء به . وإنما قال :{ مَثْنَى وَفُرَادَى } ، لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم تشويش الخاطر والمنع من التفكر ، وتخليط الكلام ، والتعصب للمذاهب ، وقلة الإنصاف ، كما هو مشاهد في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة ، فلا يوقف فيها على تحقيق . وأما الاثنان ، إذا نظر انظر إنصاف ، وعرض كل واحد منهما على صاحبه ما ظهر له ، فلا يكاد الحق أن يعدوهما . وأما الواحد ، إذا كان جيد الفكر ، صحيح النظر ، عارياً عن التعصب ، طالباً للحق ، فبعيد أن يعدوه . وانتصب { مَثْنَى وَفُرَادَى } على الحال ، وقدم مثنى ، لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة ، إذا انقدح الحق بين الاثنين ، فكر كل واحد منهما بعد ذلك ، فيزيد بصيرة . قال الشاعر : إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة فيزداد بعض القوم من بعضهم علما {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } : عطف على { أَن تَقُومُواْ } ، فالفكرة هنا في حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيما نسبوه إليه . فإن الفكرة تهدي غالباً إلى الصواب إذا عرى صاحبها عما يشوش النظر ، والوقف عند أبي حاتم عند قوله :{ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } ، نفي مستأنف . قال ابن عطية : وهو عند سيبويه جواب ما ينزل منزلة القسم ، لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين ، ويكون على هذا في آيات اللّه والإيمان به . انتهى . واحتمل أن يكون تتفكروا معلقاً ، والجملة المنفية في موضع نصب ، وهو محط التفكر ، أي ثم تتفكروا في انتفاء الجنة على محمد صلى اللّه عليه وسلم. فإن إثبات ذلك لا يصح أن يتصف به من كان أرجح قريش عقلاً ، وأثبتهم ذهناً ، وأصدقهم قولاً ، وأنزههم نفساً ، ومن ظهر على يديه هذا القرآن المعجز ، فيعلمون بالفكرة أن نسبته للجنون لا يمكن ، ولا يذهب إلى ذلك عاقل ، وأن من نسبه إلى ذلك فهو مفتر كاذب . والظاهر أن ما للنفي ، كما شرحنا . وقيل : ما استفهام ، وهو استفهام لا يراد به حقيقته ، بل يؤول معناه إلى النفي ، التقدير : أي شيء بصاحبكم من الجنون ، أي ليس به شيء من ذلك . ولما نفى تعالى عنه الجنة أثبت أنه { نَّذِيرٍ } ،{ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } : أي هو متقدم في الزمان على العذاب الذي توعدوا به ، وبين يدي يشعر بقرب العذاب . |
﴿ ٤٦ ﴾