٧

والصافات صفا

الزجر : الدفع عن الشيء بتسليط وصياح . والزجرة : الصيحة ، من قولك : زجر الراعي الإبل والغنم ، إذا صاح عليهما فرجعت لصوته ، قال الشاعر : زجر أبي عروة السباع إذا

أشفق أن يختلطن بالغنم

يريد تصويته بها . الثاقب : الشديد النفاذ . اللازب : اللازم ما جاوره واللاصق به . اللذيذ : المستطاب ، يقال لذا لشيء يلذ ، فهو لذيذ ولذ على وزن فعل ، كطلب . قال الشاعر : تلذ بطعمه وتخال فيه

إذا نبهتها بعد المنام

وقال : ولذ كطعم الصرخدي تركته

بأرض العدا من خشية الحدثان

يريد النوم .

وقال : بحديثك اللذي الذي لو كلمت

أسد الفلاة به أتين سراعاً

الغول : اسم عام في الأذى ، تقول : غاله كذا وكذا ، إذا ضره في خفاء ، ومنه : الغيلة في العقل ، والغيلة في الرضاع ، وغاله الشيء : أهلكه وأفسده ، ومنه : الغول التي في أكاذيب العرب وفي أمثالهم : الغضب غول الحلم . وقال الشاعر : مضى أولونا ناعمين بعيشهم

جميعاً وغالتني بمكة غول

أي : عاقتني عوائق ، وقال : وما زالت الخمر تغتالنا

وتذهب بالأول فالأول

نزفت الشارب الخمر وأنزف هو : ذهب عقله من السكر ، فهو نزيف ومنزف ، الثلاثي متعد والرباعي لازم ، نحو : كبيت الرجل وأكب ، وقشعت الريح السحاب ، وقشع هواي : أي دخلا في الكب والقشع . قال الشاعر ، وهو الأسود : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم

لبئس الندامى كنتم آل أبجرا

ونزف الشارب ، بضم الزاي ،

ويقال : نزف المطعون : ذهب دمه كله ، مبنياً للمفعول ، ونزحت الركية حتى نزفتها : لم يبق فيها ماء ،

ويقال : أنزف الرجل بعد شرابه ، فانزف مشترك بين سكر ونفد . البيض : معروف ، وهو اسم جنس ، الواحد بيضة ، وسمي بذلك لبياضه ، ويجمع على بيوض . قال الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها

قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها

الزقوم : شجرة مسمومة لها لبن ، إن مس جسم إنسان تورم ومات منه في أغلب الأمر ، تنبت في البلاد المجدبة المجاورة للصحراء . والتزقم : البلع على شدة وجهد . شاب الشيء بالشيء يشوبه شوباً : خلطه ومزجه . راغ يروغ : مال في خفية من روغة الثعلب . زف : أسرع ، وأزف : دخل في الزفيف ، فهمزته به ليست للتعدية ، وأزفه : حمله على الزفيف . قال

الأصمعي : فالهمزة فيه للتعدية . وقال الشاعر ، وهو الفرزدق :

فجاء فزيع الشول قبل افالها

يزف وجاءت خلفه وهي زفف

هذه السورة مكية ، ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعاد وقدرته على إحياء الموتى ، وأنه هو منشئهم ، وإذا تعلقت إرادته بشيء ، كان ذكر تعالى وحدانيته ، إذ لا يتم ما تعلقت به الإرادة وجوداً وعدماً إلا بكون المريد واحداً ، وتقدم الكلام على ذلك في قوله :{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ اللّه}

وأقسم تعالى بأشياء من مخلوقاته فقال :{ تُرْجَعُونَ وَالصَّافَّاتِ} قال ابن مسعود ، وقتادة ، ومسروق : هم الملائكة ، تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفاً ؛

وقيل : تصف أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر اللّه .

وقيل : من يصف من بني آدم في قتال في سبيل اللّه ، أو في صلاة وطاعة .

وقيل : والطير صافات . والزاجرات ، قال مجاهد ، والسدي : الملائكة تزجر السحاب وغيرها من مخلوقات اللّه تعالى . وقال قتادة : آيات القرآن لتضمنه النواهي الشرعية ؛

وقيل : كل ما زجر عن معاصي اللّه . والتاليات : القارئات . قال مجاهد : الملائكة يتلون ذكره . وقال قتادة : بنو آدم يتلون كلامه المنزل وتسبيحه وتكبيره . وقال مجاهد : الملائكة يتلون ذكره .

قال الزمخشري : ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات ، فالزاجرات بالموعظة والنصائح ، فالتاليات آيات اللّه ، والدارسات شرائعه ؛ أو بنفوس قراء القرآن في سبيل اللّه التي تصف الصفوف ، وتزجر الخيل للجهاد ، وتتلوا الذكر مع ذلك لا يشغلها عنه تلك الشواغل . انتهى . وقال ما معناه : إن الفاء العاطفة في الصافات ، إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله : يا لهف زيابة للحارث الصابح ، فالغانم ، فالآيب ، أي الذي صبح فغنم فآب ؛

وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه ، كقولك : خذ الأفضل فالأفضل ، واعمل الأحسن فالأجمل ؛

وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك ، كقولك : رحم اللّه المحلقبين فالمقصرين . فأما هنا ، فإن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتيب الصافات في التفاضل ، فإذا كان الموحد الملائكة ، فيكون الفضل للصف ، ثم الزجر ، ثم التلاوة ؛

وإما على العكس ، وإن تليت الموصوف ، فترتب في الفضل ، فتكون الصافات ذوات فضل ، والزاجرات أفضل ، والتاليات أبهر فضلاً ، أو على العكس . انتهى . ومعنى العكس في المكانين : أنك ترتقي من أفضل إلى فاضل إلى مفضول ؛ أو تبدأ بالأدنى ، ثم بالفاضل ، ثم بالأفضل . وأدغم ابن مسعود ، ومسروق ، والأعمش ، وأبو عمرو ، وحمزة : التاآت الثلاثة . والجملة المقسم عليها تضمنت وحدانيته تعالى ، أي هو واحد من جميع الجهات التي ينظر فيها المتفكرون خبر بعد خبر ، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار ، أو خبر مبتدأ محذوف ، وهو أمدح ، أي هو رب .

وذكر المشارق لأنها مطالع الأنوار ، والإبصار بها أكلف ، وذكرها يغني عن ذكر المغارب ، إذ ذاك مفهوم من المشارق ، والمشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً ، وكذلك المغارب . تشرق الشمس كل يوم من مشرق منها وتغرب في مغرب ، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين .

وثني في { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } ، باعتبار مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما . و

قال ابن عطية : أراد تعالى مشارق الشمس ومغاربها ، وهي مائة وثمانون في السنة ، فيما يزعمون ، من أطول أيام السنة إلى أقصرها .

ثم أخبر تعالى عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب ، وانتظام التزيين أن جعلها حفظاً وحذراً من الشيطان . انتهى . والزينة مصدر كالسنة ، واسم لما يزان به الشيء ، كالليقة اسم لما يلاق به الدواة .

وقرأ الجمهور :{ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ } بالإضافة ، فاحتمل المصدر مضافاً للفاعل ، أي بأن زانت السماء الكواكب ، ومضافاً للمفعول ، أي بأن زين اللّه الكواكب . واحتمل أن يكون ما يزان به ، والكواكب بيان للزينة ، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به ، أو مما زينت الكواكب من إضاءتها وثبوتها .

وقرأ ابن مسعود ، ومسروق : بخلاف عنه ؛ وأبو زرعة ، وابن وثاب ، وطلحة : بزينة منوناً ، الكواكب بالخفض بدلاً من زينة .

وقرأ ابن وثاب ، ومسروق : بخلاف عنهما ؛ والأعمش ، وطلحة ، وأبو بكر : بزينه منوناً ، الكواكب نصباً ، فاحتمل أن يكون بزينة مصدراً ، والكواكب مفعول به ، كقوله :{أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} واحتمل أن يكون الكواكب بدلاً من السماء ، أي زينا كواكب السماء .

وقرأ زيد بن علي بتنوين زينة ، ورفع الكواكب على خبر مبتدأ ، أي هو الكواكب ، أو على الفاعلية بالمصدر ، أي بأن زينت الكواكب . ورفع الفاعل بالمصدر المنون ، زعم الفراء أنه ليس بمسموع ، وأجاز البصريون ذلك على قلة .

وقال ابن عباس :{ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ } : بضوء الكواكب ؛ قيل : ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة ، كشكل الثريا ، وبنات نعش ، والجوزاء ، وغير ذلك ، ومطالعها ومسايرها . وخص { السَّمَاء الدُّنْيَا } بالذكر ، لأنها التي تشاهد بالأبصار ؛ والحفظ من الشياطين ، إنما هو فيها وحدها . وانتصب { وَحِفْظاً } على المصدر ، أي وحفظناها حفظاً ، أو على المفعول من أجله على زيادة الواو ، أو على تأخير العامل ، أي ولحفظها زيناها بالكواكب ، وحملاً على معنى ما تقدم ، لأن المعنى : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً : وكل هذه الأقوال منقولة ، والمارد تقدم شرحه في قوله :{ شَيْطَاناً مَّرِيداً } في النساء ، وهناك جاء { مَّرِيداً } ، وهنا { مَّارِدٍ } ، مراعاة للفواصل .

﴿ ٧