٩{لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الاْعْلَى } : كلام منقطع مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع ، وأنهم لا يقدرون أن يستمعوا أو يسمعوا ، وهم مقذوفون بالشهب مبعدون عن ذلك ، إلا من أمهل حتى خطف الخطفة واسترق استراقة ، فعندها تعاجله الملائكة باتباع الشهاب الثاقب . ولا يجوز أن يكون لا يسمعون صفة ولا استئنافاً جواباً لسائل سأل لم يحفظ من الشياطين ، لأن الوصف كونهم لا يسمعون ، أو الجواب لا معنى للحفظ من الشياطين على تقديرهما ، إذ يصير المعنى مع الوصف : وحفظاً من كل شيطان مارد غير سامع أو مسمع ، وكذلك لا يستقيم مع كونه جواباً . وقول من قال : إن الأصل لأن لا يسمعوا ، فحذفت اللام وإن ، فارتفع الفعل ، قول متعسف يصان كلام اللّه عنه . وقرأ الجمهور : لا يسمعون : نفي سماعهم ، وإن كانوا يسمعون بقوله :{ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } ، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإصغاء . وقرأ ابن عباس بخلاف عنه ؛ وابن وثاب ، وعبد اللّه بن مسلم ، وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص : بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون ، أدغمت التاء في السين ، وتقتضي نفي التسمع . وظاهر الأحاديث أنهم يتسمعون حتى الآن ، لكنهم لا يسمعون ؛ وإن سمع أحد منهم شيئاً لم يفلت حرساً وشهباً من وقت بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وكان الرجم في الجاهلية أحق ، فأما كانت ثمرة التسمع هو السمع ، وقد انتفى السمع بنفي التسمع في هذه القراءة لانتفاء ثمرته ، وهو السمع . و { الْمَلإِ الاْعْلَى } يعم الملائكة ، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض . وقال ابن عباس : هم أشراف الملائكة ، وعنه كتابهم . {وَيَقْذِفُونَ } : يرمون ويرجمون ، { مِن كُلّ جَانِبٍ } : أي من كل جهة يصعدون إلى السماء منها ، والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض ، وليست بالكواكب الجارية في السماء ، لأن تلك لا ترى حركتها ، وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا ، قاله مكي والنقاش . وقرأ محبوب عن ابن عمرو ويقذفون مبنياً للفاعل ، ودحوراً مصدر في موضع الحال . قال مجاهد : مطرودين ، أو مفعول من أجله ، أي ولو يقذفون للطرد ، أو مصدر ليقذفون ، لأنه متضمن معنى الطرد ، أي ويدحرون من كل جانب دحوراً لو ويقذفون من كل جانب قذفاً . فإما أن يكون التجوز في ويقذفون ، وإما في دحوراً . وقرأ عليّ ، والسلمي ، وابن أبي عبلة ، والطبراني عن رجاله عن أبي جعفر : دحوراً ، بنصب الدال ، أي قذفاً دحوراً ، بنصب الدال . ويجوز أن يكون مصدراً ، كالقبول والولوغ ، إلا أن هذه ألفاظ ذكر أنها محصورة . والواضب : الدائم ، قاله السدّي وأبو صالح ، وتقدّم في سورة النحل . ويقال : وصب الشيء وصوباً : دام . وقال مجاهد : الموجع ، ومنه الوصب ، كأن المعنى : أنهم في الدنيا مرجومون ، وفي الآخرة معذبون . ويجوز أن يكون هذا العذاب الدائم لهم في الدنيا ، وهو رجمهم دائماً ، وعدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع . |
﴿ ٩ ﴾