١٢الاستفتاء نوع من السؤال ، والهمزة ، وإن خرجت إلى معنى التقرير ، فهي في الأصل لمعنى الاستفهام ، أي فاستخبرهم ، والضمير لمشركي مكة . وقيل : نزلت في أبي الأشد بن كلدة ، وكني بذلك لشدة بطشه وقوته . وعادل في هذا الاستفهام التقريري في الأشدية بينهم وبين من خلق من غيرهم من الأمم والجن والملائكة والأفلاك والأرضين . وفي مصحف عبد اللّه : أم من عددنا ، وهو تفسير لمن خلقنا ، أي من عددنا من الصافات وما بعدها من المخلوقين . وغلب العاقل على غيره في قوله :{ مَّنْ خَلَقْنَا } ، واقتصر على الفاعل في { خَلَقْنَا } ، ولم يذكر متعلق الخلق اكتفاء ببيان ما تقدمه ، وكأنه قال : أم من خلقنا من غرائب المصنوعات وعجائبها . وقرأ الأعمش : أمن بتخفيف الميم دون أم ، جعله استفهاماً ثانياً تقريراً أيضاً ، فهما جملتان مستقلتان في التقرير ، ومن مبتدأ ، والخبر محذوف تقديره أشد . فعلى أم من هو تقرير واحد ونظيره :{ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} قال الزمخشري : وأشد خلقاً يحتمل أقوى خلقاً ، من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، وأصعب خلقاً . وأشد خلقاً وأشقه يحتمل أقوى خلقاً من قولهم : شديد الخلق ، وفي خلقه شدة ، على معنى الرد ، لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى . وإن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ، ولم يصعب عليه اختراعها ، كان خلق الشر عليه أهون . وخلقهم من طين لازب ، إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة ، لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ؛ أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب . فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله ؟ قالوا :{ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا } ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث . انتهى . والذي يظهر الاحتمال الأول . وقيل :{ أَم مَّنْ خَلَقْنَا } من الأمم الماضية ، كقوله :{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } ، وقوله :{ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً } ، وأضاف : الخلق من الطين إليهم ، والمخلوق منه هو أبوهم آدم ، إذ كانوا نسله . وقال الطبري : خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء ، وهذا كله إذا خلط صار طيناً لازباً يلزم ما جاوره . وعن ابن عباس : اللازب بالجر ، أي الكريم الجيد . وقرأ الجمهور : { بَلْ عَجِبْتَ } ، بتاء الخطاب ، أي من قدرة اللّه على هذه الخلائق العظيمة ، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ، ومما تريهم من آثار قدرة اللّه ، أو عجبت من إنكارهم البعث ، وهم يسخرون من أمر البعث . أو عجبت من إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى ، وأن يكونوا كافرين مع ما جئتم به من عند اللّه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وابن سعدان ، وابن مقسم : بياء المتكلم . ورويت عن عليّ ، وعبد اللّه ، وابن عباس ، والنخعي ، وابن وثاب ، وطلحة ، وشقيق ، والأعمش . وأنكر شريح القاضي هذه القراءة . وقال : اللّه لا يعجب ، فقال إبراهيم : كان شريح معجباً بعلمه ، وعبد اللّه أعلم منه ، يعني عبد اللّه ابن مسعود . والظاهر أن ضمير المتكلم هو للّه تعالى ، والعجب لا يجوز على اللّه تعالى ، لأنه روعة تعتري المتعجب من الشيء . وقد جاء في الحديث إسناد العجب إلى اللّه تعالى ، وتؤول على أنه صفة فعل يظهرها اللّه تعالى في صفة المتعجب منه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه . فالمعنى : بل عجبت من ضلالتهم وسوء عملهم ، وجعلتها للناظرين فيها وفيما اقترن فيها من شرعي وهداي متعجباً . وقال الزمخشري : أي بلغ من عظيم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها ، فكيف بعبادي وهؤلاء ، لجهلهم وعنادهم ، يسخرون من آياتي ؟ أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله ، وهم يسخرون بمن يصف اللّه بالقدرة عليه ، قال : ويجرد العجب لمعنى الاستعظام ، أو يخيل العجب ويفرض . وقيل : هو ضمير الرسول ، أي قل بل عجبت . قال مكي ، وعليّ بن سليمان : وهم يسخرون من نبوتك والحق الذي عندك . |
﴿ ١٢ ﴾