٢٥{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } : ليس هذا ابتداء من داود ، عليه السلام ، إثر فراغ لفظ المدعي ، ولا فتيا بظاهر كلامه قبل ظهور ما يجب ، فقيل ذلك على تقدير ، أي لئن كان ما تقول ، { لَقَدْ ظَلَمَكَ} وقيل : ثم محذوف ، أي فأقر المدعي عليه فقال :{ لَقَدْ ظَلَمَكَ } ، ولكنه لم يحك في القرآن اعتراف المدّعي عليه ، لأنه معلوم من الشرائع كلها ، إذ لا يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدّعى عليه . فأما ما قاله الحليمي من أنه رأى في المدّعي مخايل الضعف والهضيمة ، فحمل أمره على أنه مظلوم ، كما تقول ، فدعاه ذلك إلى أن لا يسأل المدعى عليه ، فاستعجل بقوله :{ لَقَدْ ظَلَمَكَ } ، فقوله ضعيف لا يعول عليه . وروي أن داود ، عليه السلام ، لما سمع كلام الشاكي قال للآخر : ما تقول ؟ فأقر فقال له : لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك ، وقال للثاني :{ لَقَدْ ظَلَمَكَ } ؛ فتبسما عند ذلك وذهبا ، ولم يرهما لحينه ، ورأى أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه . وأضاف المصدر إلى المفعول ، وضمن السؤال معنى الإضافة ، أي بإضافة نعجتك على سبيل السؤال والطلب ، ولذلك عداه بإلى . {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } : هذا من كلام داود ، ويدل على أن زمانه كان فيه الظلم والاعتداء كثيراً . والخلطاء : الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، الواحد خليط . قصد داود بهذا الكلام الموعظة الحسنة ، والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة ، وأن يكره إليهم الظلم ، وأن يسلي المظلوم عن ما جرى عليه من خليطه ، وأن له في أكثر الخلطاء أسوة . وقرىء : ليبغي ، بفتح الياء على تقدير حذف النون الخفيفة ، وأصله : ليبغين ، كما قال : اضرب عنك الهموم طارقها يريد : اضربن ، ويكون على تقدير قسم محذوف ذلك القسم ، وجوابه خير لأن . وعلى قراءة الجمهور ، يكون ليبغي خبراً لأن . وقرىء : ليبغ ، بحذف الياء كقوله : محمد تفد نفسك كل نفس أي : تفدي على أحد القولين . و { قَلِيلٌ } : خبره مقدّم ، وما زائدة تفيد معنى التعظيم والتعجب ، وهم مبتدأ .{ وَظَنَّ دَاوُودُ } : لما كان الظن الغالب يقارب العلم ، استعير له ، ومعناه : وعلم داود وأيقن أنا ابتليناه بمحاكمة الخصمين . وأنكر ابن عطية مجيء الظن بمعنى اليقين . وقال : لسنا نجده في كلام العرب ، وإنما هو توقيف بين معتقدين غلب أحدهما على الآخر ، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على الحواس ودلالة اليقين التام ، ولكن يخلط الناس في هذا ويقولون : ظن بمعنى أيقن ، وطول ابن عطية في ذلك بما يوقف عليه في كتابه . وقرأ الجمهور :{ فَتَنَّاهُ } ؛ وعمر بن الخطاب ، وأبو رجاء ، والحسن : بخلاف عنه ، شد التاء والنون مبالغة ؛ والضحاك : أفتناه ، كقوله : لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت وقتادة ، وأبو عمرو في رواية ؛ يخفف التاء والنون ، والألف ضمير الخصمين .{ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } ، راكعاً : حال ، والخرور : الهويّ إلى الأرض . فإما أنه عبر بالركوع عن السجود ، وإما أنه ذكر أول أحوال الخرور ، أي راكعاً ليسجد . وقال الحسن : لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع . وقال الحسن بن الفضل : أخر من ركوعه ، أي سجد بعد أن كان راكعاً وقال قوم : يقال خر لمن ركع ، وإن لم ينته إلى الأرض . والذي يذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس ، دخلوا عليه من غير المدخل ، وفي غير وقت جلوسه للحكم ، وأنه فزع منهم ظاناً أنهم يغتالونه ، إذا كان منفرداً في محرابه لعبادة ربه . فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة ، وبرز منهم اثنان للتحاكم ، كما قص اللّه تعالى ، وأن داود عليه السلام ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة إنقاذ من اللّه له أن يغتالوه ، فلم يقع ما كان طنه ، فاستغفر من ذلك الظن ، حيث أخلف ولم يكن يقع مظنونه ، وخر ساجداً ، أو رجع إلى اللّه تعالى فغفر له ذلك الظن ؛ ولذلك أشار بقوله :{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذالِكَ } ، ولم يتقدّم سوى قوله : { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } ، ويعلم قطعاً أن الأنبياء ، عليهم السلام ، معصومون من الخطايا ، لا يمكن وقوعهم في شيء منها ضرورة أن لو جوزنا عليهم شيئاً من ذلك ، بطلت الشرائع ، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى اللّه به إليهم ، فما حكى اللّه تعالى في كتابه يمر على ما أراده تعالى ، وما حكى القصاص مما فيه غض عن منصب النبوة طرحناه ، ونحن كما قال الشاعر : ونؤثر حكم العقل في كل شبهة إذا آثر الآخبار جلاس قصاص |
﴿ ٢٥ ﴾