٤٠

{قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِى } : هذا أدب الأنبياء والصالحين من طلب المغفرة من اللّه هضماً للنفس وإظهاراً للذلة والخشوع وطلباً للترقي في المقامات ، وفي الحديث : { إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة } ، والاستغفار مقدمة بين يدي ما يطلب المستغفر بطلب الأهم في دينه ، فيترتب عليه أمر دنياه ، كقول نوح في ما حكى اللّه عنه : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } الآية . والظاهر أن طلب الملك كان بعد هذه المحنة . وذكر المفسرون أنه أقام في ملكه عشرين سنة قبل هذا الابتلاء ، وأقام بعدها عشرين سنة ، فيمكن أنه كان في ملك قبل المحنة ، ثم سأل بعدها ملكاً مقيداً بالوصف الذي بعده ، وهو كونه لا ينبغي لأحد من بعده ، واختلفوا في هذا القيد ، فقال عطاء بن أبي رباح وقتادة : إلى مدة حياتي ، لا أسلبه ويصير إلى غيري . و

قال ابن عطية : إنما قصد بذلك قصداً جائزاً ، لأن للإنسان أن يرغب من فضل اللّه فيما لا يناله أحد ، لا سيما بحسب المكانة والنبوة . وانظر إلى قوله :{ لاَّ يَنبَغِى } ، إنما هي لفظة محتملة ليست تقطع في أنه لا يعطي اللّه نحو ذلك الملك لأحد . انتهى .

وقال الزمخشري : كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوة ووارثاً لهما ؛ فأراد أن يطلب من ربه معجزة ، فطلب على حسب إلفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ، ليكون ذلك دليلاً على نبوته ، قاهراً للمبعوث إليهم ، ولن يكون معجزة حتى تخرق العادات ، فذلك معنى قوله :{ لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى}

وقيل : كان ملكاً عظيماً ، فخاف أن يعطي مثله أحد ، فلا يحافظ على حدود اللّه فيه ، كما قالت الملائكة :{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ}

وقيل : ملكاً لا أسلبه ، ولا يقوم فيه غيري مقامي . ويجوز أن يقال : علم اللّه فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين ، وعلم أنه لا يطلع بأحبابه غيره ، وأوجبت الحكمة استيهابه ، فأمره أن يستوهبه بأمر من اللّه على الصفة التي علم اللّه أن لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده . أو أراد أن يقول : ملكاً عظيماً ، فقال :{ لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } ، ولم يقصد بذلك إلا عظمة الملك وسعته ، كما تقول لفلان : ما ليس لأحد من الفضل والمال ، وربما كان للناس أمثال ذلك ، ولكنك تريد تعظيم ما عنده . انتهى .

ولما بالغ في صفة هذا الملك الذي طلبه ، أتى في صفته تعالى باللفظ الدال على المبالغة فقال :{ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } : أي الكثير الهبات ، لا يتعاظم عنده هبة . ولما طلب الهبة التي اختص بطلبها ، وهبه وأعطاه ما ذكر تعالى من قوله :{ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيحَ}

وقرأ الجمهور : بالإفراد ؛ والحسن ، وأبو رجاء

وقتادة ، وأبو جعفر : الرياح بالجمع ، وهو أعم لعظم ملك سليمان ، وإن كان المفرد بمعنى الجمع لكونه اسم جنس . { تَجْرِى } : يحتمل أن تكون جملة حالية ، أي جارية ، وأن تكون تفسيرية لقوله :{ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيحَ}{ بِأَمْرِهِ } ؛ أي لا يمتنع عليه إذا أراد جريها .{ رُخَاء } ، قال ابن عباس والحسن والضحاك : مطيعة . وقال مجاهد : طيبة .{ حَيْثُ أَصَابَ } : أي حيث قصد وأراد ، حكى الزجاج عن العرب . أصاب الصواب فأخطأ الجواب : أي قصد . وعن رؤية أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة ، فخرج إليهما فقال : أين تصيبان ؟ فقال : هذه طلبتنا .

ويقال : أصاب اللّه بك خيراً ، وأنشد الثعلبي : أصاب الكلام فلم يستطع

فأخطأ الجواب لدى المفصل

وقال وهب : حيث أصاب ، أي أراد . قيل : ويجوز أن يكون أصاب دخلت فيه همزة التعدية من صاب ، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب السحاب والمطر .

وقيل : أصاب : أراد ، بلغة حمير . وقال قتادة : بلغة هجر .{ وَالشَّيَاطِينَ } : معطوف على الريح و { كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ } : بدل ، وأتى ببنية المبالغة ، كما قال :{ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ } الآية ، وقال النابغة : إلا سليمان إذ قال الإله له

قم في البرية فاحددها عن الفند

وجيش الجنّ إني قد أذنت لهم

يبنون تدمر بالصفاح والعمد

والمعطوف على العام عام ، فالتقدير : وكل غواص ، أي في البحر يستخرجون له الحلية ، وهو أول من استخرج الدر .{ وَءاخَرِينَ } : عطف على كل ، فهو داخل في البدل ، إذ هو بدل كل من كل بدل التفصيل ، أي من الجنّ ، وهم المردة ، سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم . وقال النابغة في ذلك : فمن أطاعك فانفعه بطاعته

كما أطاعك وادللّه على الرشد

ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد

وتقدم تفسير { مُّقَرَّنِينَ فِى الاْصْفَادِ } في آخر سورة إبراهيم عليه السلام ، وأوصاف من ملك سليمان في سورة النمل .{ هَاذَا عَطَاؤُنَا } : إشارة لما أعطاه اللّه تعالى من الملك الضخم وتسخير الريح والإنس والجنّ والطير ، وأمره بأن يمنّ على من يشاء ويمسك عن من يشاء . وقفه على قدر النعمة ، ثم أباح له التصرف فيها بمشيئته ، وهو تعالى قد علم أنه لا يتصرف إلا بطاعة اللّه . قال الحسن وغيره ، قاله قتادة : إشارة إلى ما فعله الجن ، أي فامتن على من شئت منهم ، وأطلقه من وثاقه ، وسرحه من خدمته ، وامسك أمره كما تريد .

وقال ابن عباس : إشارة إلى ما وهبه من النساء وأقدره عليهنّ من جماعهنّ ، ولعله لا يصح عن ابن عباس ، لأنه لم يجر هنا ذكر النساء ، ولا ما أوتي من القدرة على ذلك ، و { بِغَيْرِ حِسَابٍ } : في موضع الحال من { عَطَاؤُنَا } ،أي هذا عطاؤنا جماً كثيراً لا تكاد تقدر على حصر . ويجوز أن يكون { بِغَيْرِ حِسَابٍ } من تمام { فَامْنُنْ} أو أمسك : أي لا حساب عليك في إعطاء من شئت أو حرمانه ، وفي إطلاق من شئت من الشياطين أو إيثاقه .

وختم تعالى قصته بما ذكر في قصة والده ، وهو قوله :{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذالِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا}

وقرأ الجمهور :{ وَحُسْنُ مَئَابٍ } ، بالنصب عطفاً على { الزلفى}

وقرأ الحسن ، وابن أبي عبلة : بالرفع ، ويقفان على { عِندَنَا لَزُلْفَى } ، ويبتدئانه { وَحُسْنُ مَئَابٍ } ، وهو مبتدأ ، خبره محذوف تقديره : وحسن مآب له .

﴿ ٤٠