٤٤

واذكر عبدنا أيوب . . . . .

الضغث : حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو قضبان ،

وقيل : القبضة الكبيرة من القضبان ، ومنه قولهم : ضغث على إبالة ، والإبالة : الحزمة من الحطب ، والضغث : القبضة عليها من الحطب أيضاً ، ومنه قول الشاعر : وأسفل مني نهدة قد ربطتها

وألقيت ضغثاً من خلى متطيب

الحنث : فعل ماحلف على تركه ، وترك ما حلف على فعله ، الغساق : ما سال ، يقال : غسقت العين والجرح . وعن أبي عبيدة : أنه البارد المنتن ، بلغة الترك ؛ وقال الأزهري : الغاسق : البارد ، ولهذا قيل : ليل غاسق ، لأنه أبرد من النهار . الاقتحام : ركوب الشدة والدخول فيها ، والقحمة : الشدة .

{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنَّا وَذِكْرَى لاِوْلِى الاْلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الاْيْدِى وَالاْبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاْخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ الاْخْيَارِ}

لما أمر نبيه بالصبر ، وذكر ابتلاء داود وسليمان ، وأثنى عليهما ، ذكر من كان أشدّ ابتلاء منهما ، وأنه كان في غاية الصبر ، بحيث أثنى اللّه عليه بذلك . وأيوب : عطف بيان أو بدل .

قال الزمخشري : وإذ بدل اشتمال منه .

وقرأ الجمهور :{ إِنّى } بفتح الهمزة ، وعيسى : بكسرها ، وجاء بضمير التكلم حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال : إنه مسه ، لأنه غائب ، وأسند المس إلى الشيطان .

قال الزمخشري : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه اللّه به من النصب والعذاب ، نسبه إليه وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى اللّه في دعائه ، مع أنه فاعله ، ولا يقدر عليه إلا هو .

وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به البلاء ، فالتجأ إلى اللّه في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل . وذكر في سبب بلائه أن رجلاً استغاثه على ظالم ، فلم يغثه .

وقيل : كانت مواشيه في ناحية ملك كافر ، فداهنه ولم يفده .

وقيل : أعجب بكثرة ماله . انتهى .

ولا يناسب مناصب الأنبياء ما ذكره الزمخشري من

أن أيوب كانت منه طاعة للشيطان فيما وسوس به ، وأن ذلك كان سبباً لما مسه اللّه به من النصب والعذاب ، ولا أن رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه ، ولا أنه داهن كافراً ، ولا أنه أعجب بكثرة ماله . وكذلك ما رووا أن الشيطان سلطه اللّه عليه حتى أذهب أهله وماله لا يمكن أن يصح ، ولا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس الفاسدة لغير المعصوم . والذي نقوله : أنه تعالى ابتلى أيوب عليه السلام في جسده وأهله وماله ، على ما روي في الأخبار . وروى أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أن أيوب بقي في محنته ثماني عشرة سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم ، ولم يصبر عليه إلا امرأته ، ولم يبين لنا توالي السبب المقتضي لعلته .

وأما إسناده المس إلى الشيطان ، فسبب ذلك أنه كان يعوده ثلاث من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه فقيل : ألقى إليه الشيطان أن اللّه لا يبتلي الأنبياء والصالحين ، فحينئذ قال : { مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ } ، نزل لشفقته على المؤمنين .

مس الشيطان ذلك المؤمن حتى ارتد منزلة مسه لنفسه ، لأن المؤمن الخير يتألم برجوع المؤمن الخير إلى الكفر ؛ ولذلك جاء بعده :{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } ، حتى يغتسل ويذهب عنه البلاء ، فلا يرتد أحد من المؤمنين بسبب طول بلائه ، وتسويل الشيطان أنه تعالى لا يبتلي الأنبياء .

وقيل : أشار بقوله :{ مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ } إلى تعريضه لامرأته ، وطلبه أن تشرك باللّه ، وكأنه بتشكي هذا الأمر كان عليه أشدّ من مرضه .

وقرأ الجمهور :{ بِنُصْبٍ } ، بضم النون وسكون الصاد ، قيل : جمع نصب ، كوثن ووثن ؛ وأبو جعفر ، وشيبة ، وأبو عمارة عن حفص ، والجعفي عن أبي بكر ، وأبو معاذ عن نافع : بضمتين ، وزيد بن علي ، والحسن ، والسدّي ؛ وابن عبلة ، ويعقوب ، والجحدري : بفتحتين ؛ وأبو حيوة ، ويعقوب في رواية ، وهبيرة عن حفص : بفتح النون وسكون الصاد .

وقال الزمخشري : النصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة . والعذاب : الألم ، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب . انتهى .

و

قال ابن عطية : وقد ذكر هذه القراءات ، وذلك كل بمعنى واحد معناه المشقة ، وكثيراً ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء . وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ ، والصواب أنها لغات بمعنى من قولهم : أنصبني الأمر ، إذا شق عليّ انتهى . وقال السدّي : بنصب في الجسد وعذاب في المال ، وفي الكلام حذف تقديره : فاستجبنا له وقلنا :{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } ، فركض ، فنبعت عين ، فقلنا له :{ هَاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فيه شقاؤك ، فاغتسل فبرأ ، { وَوَهَبْنَا لَهُ } ، ويدل على هذه المحذوفات معنى الكلام وسياقه . وتقدم الكلام في الركض في سورة الأنبياء . وعن قتادة والحسن ومقاتل : كان ذلك بأرض الجابية من الشأم .

ومعنى { هَاذَا مُغْتَسَلٌ } : أي ما يغتسل به ، { وَشَرَابٌ } ،أي ما تشربه ، فباغتسالك يبرأ ظاهرك ، وبشربك يبرأ باطنك . والظاهر أن المشار إليه كان واحداً ، والعين التي نبعت له عينان ، شرب من إحداهما واغتسل من الأخرى .

وقيل : ضرب برجله اليمنى ، فنبعت عين حارة فاغتسل . وباليسرى ، فنبعت باردة فشرب منها ، وهذا مخالف لظاهر قوله :{ مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ } ، فإنه يدل على أنه ماء واحد .

وقيل : أمر بالركض بالرجل ، ليتناثر عنه كل داء بجسده . وقال القتبي : المغتسل : الماء الذي يغتسل به . وقال مقاتل : هو الموضع الذي يغتسل فيه . وقال الحسن : ركض برجله ، فنبعت عين ماء ، فاغتسل منها ، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعاً ، ثم ركض برجله ، فنبعت عين ، فشرب منها . قيل : والجمهور على أنه ركض ركضتين ، فنبعت له عينان ، شرب من إحداهما ، واغتسل من الأخرى . والجمهور : على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع عليه من شتت منهم .

وقيل : رزقه أولاداً وذرية قدر ذريته الذين هلكوا ، ولم يردّ أهله الذين هلكوا بأعيانهم ، وظاهر هذه الهيئة أنها في الدنيا .

وقيل ذلك وعد ، وتكون تلك الهيئة في الآخرة .

وقيل : وهبه من كان حياً منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم العيش ، فتناسلوا حتى تضاعف عددهم وصار مثلهم .

و { رَحْمَةً } ،{ وَذِكْرَى } : مفعولان لهما ، أي أن الهبة كانت لرحمتنا إياه ، وليتذكر أرباب العقول ، وما يحصل للصابرين من الخير ، وما يؤول إليه من الأجر . وفي الكلام حذف تقديره : وكان حلف

ليضربن امرأته مائة ضربة لسبب جرى منها ، وكانت محسنة له ، فجعلنا له خلاصاً من يمينه بقولنا : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} قال ابن عباس : الضغث : عثكال النخل . وقال مجاهد : الأثل ، وهو نبت له شوك . وقال الضحاك : حزمة من الحشيش مختلفة . وقال الأخفش : الشجر الرطب ، واختلفوا في السبب الذي أوجب حلفه . ومحصول أقوالهم هو تمثل الشيطان لها في صورة ناصح أو مداو . وعرض لها شفاء أيوب على يديه على شرط لا يمكن وقوعه من مؤمن ، فذكرت ذلك له ، فعلم أن الذي عرض لها هو الشيطان ، وغضب لعرضها ذلك عليه فحلف .

وقيل غير ذلك من الأسباب ، وهي متعارضة . فحلل اللّه يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها ، وقد وقع مثل هذه الرخصة في الإسلام . أني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمخدج قد خبث بأمة فقال : { خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة} . وقال بذلك بعض أهل العلم في الإيمان ، قال : ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة ، إما أطرافها قائمة ،

وإما أعراضها مبسوطة ، مع وجود صورة الضربة . والجمهور على ترك القول في الحدود ، وأن البر في الإيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات . ووصف اللّه تعالى نبيه بالصبر . وقد قال :{ مَسَّنِىَ الضُّرُّ } ، فدل على أن الشكوى إلى اللّه تعالى لا تنافي الوصف بالصبر . وقد قال يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى اللّه على أن أيوب عليه السلام طلب الشفاء خيفة على قومه أن يوسوس إليهم الشيطان أنه لو كان نبياً لم يبتل ، وتألفاً لقومه على الطاعة ، وبلغ أمره في البلاء إلى أنه لم يبق منه إلا القلب واللسان . ويروى أنه قال في مناجاته : إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ، ولم يتبع قلبي بصري ، ولم يمنعني ما ملكت يميني ، ولم آكل إلا ومعي يتيم ، ولم أبت شبعاناً ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان ، فكشف اللّه عنه .

﴿ ٤٤